القائمة الرئيسية

الصفحات

أخر الاخبار[LastPost]

كيف تستعمل الغياب لتعذيب شخص لا يهتم لأمرك

كيف تستعمل الغياب لتعذيب شخص لا يهتم لأمرك

كيف انسى شخص تركني وتزوج كيف انسى شخص تركني بدون سبب كيف انسى شخص تعلقت به وتركني كيف انسى شخص حبيته وتركني كيف انسى شخص جرحني وتركني كيف انسى شخص تعلقت به💔؟ كيف انسى شخص تعلقت به وتركني كيف انسى شخص تعلقت به كثيرا كيف انسى شخص تعلقت به فيس بوك كيف انسى شخص تعلقت به اسلام ويب كيف انسى شخص تعلقت به رضوى الشربيني نسيان كيف انسى شخص تعلقت به كيف انسى شخص احببته وتعلقت به كيف انسى شخص تعلقت به ؟ كيف انسى شخص تعلقت فيه تنسى حبيبك كيف انسى شخص تعلقت به كيف انسى شخص حبيته كيف أنسى شخص أحبه كيف انسى شخص تعلقت به كيف انسى شخص تركني كيف انسى شخص اراه كل يوم كيف انسى شخص حبيته وتركني كيف انسى شخص جرحني كيف انسى شخص تعلقت فيه كيف انسى شخص يتجاهلني كيف انسى شخص يحبني كيف انسى شخص يهملني كيف انسى شخص يحب غيري كيف انسى شخص في علم النفس كيف انسى شخص لا يحبني كيف انسى شخص لا يهتم بي كيف انسى شخص لا يريدني كيف انسى شخص وهو امامي كيف انسى شخص وانا اراه كل يوم كيف انسى شخص ولا افكر فيه كيف انسى شخص احببته وخذلني كيف أنسى شخص أحبه وهو لا يحبني كيف انسى شخص احببته وتركني كيف انسى شخص احببته وجرحني كيف انسى شخص احببته ولم يحبني كيف انسى شخص نهائيا كيف انسى شخص نهائيا بالقران كيف انسى شخص نساني كيف انسى شخص نرجسي كيف انسى شخص ناسيني كيف أنسى الشخص الذي نحبه كيف انسى شخص ليس من نصيبي نسيان كيف انسى شخص تعلقت به كيف انسى شخص مات كيف انسى شخص ميت كيف انسى شخص معجبة به كيف انسى شخص ما كيف انسى شخص من حياتي كيف انسى شخص متعلقه فيه كيف انسى شخص متزوج كيف انسى شخص متعلق فيه كيف أنسى شخص لا يحبني كيف انسى شخص للابد كيف انسى شخص لعب بمشاعري كيف انسى شخص لم يحبني كيف انسى شخص اساء لي كيف انسى شخص كان كل حياتي كيف انسى شخص كنت معجبة به كيف انسى شخص تعلقت به كثيرا كيف بدي انسى شخص كيف ممكن انسى شخص كيف انسى شخص قهرني كيف انسى شخص قلبي متعلق فيه كيف انسى شخص قد احببته كيف انسى شخص تعلق قلبي به كيف انسى شخص فقدته كيف انسى شخص فارقني كيف انسى شخص افكر فيه كيف انسى شخص احببته في علم النفس كيف انسى شخص اعجبت فيه كيف انسى التفكير في شخص كيف انسى شخص غالي كيف انسى شخص غدرني كيف انسى شخص غالي علي كيف انسى شخص عزيز كيف انسى شخص عزيز توفى كيف انسى شخص عزيز مات كيف انسى شخص تخلى عني كيف انسى شخص تعودت عليه كيف انسى شخص ضحك علي كيف انسى شخص ظلمني كيف انسى شخص طلع من حياتي كيف انسى شخص احببته من طرف واحد كيف أنسى شخص أحببته من طرفين طريقة كيف انسى شخص احببته كيف انسى شخص تركني بدون سبب كيف انسى شخص رفضني كيف انسى شخص راح كيف انسى رقم شخص كيف انسى شخص تعلقت به رضوى الشربيني كيف انسى شخص دخل حياتي كيف انسى شخص خانني كيف أنسى شخص خذلني كيف انسى شخص خدعني كيف انسى شخص خانك كيف انسى شخص حبيته من طرف واحد كيف انسى شخص حبيته من قلبي كيف انسى شخص حبيته وجرحني كيف انسي شخص حبه القديم كيف تنسى شخص حزنه كيف انسي شخص حبيبته كيف انسى شخص جرحني وتركني كيف انسى شخص جرحته كيف انسى شخص احببته جدا كيف انسى شخص تعلقت به💔؟ كيف انسى شخص تعلقت به وتركني كيف انسى شخص تحبه كيف انسى شخص بحبه كيف انسى شخص بالقران كيف انسى شخص باعني كيف انسي شخص بسهوله كيف انسى شخص بالدعاء كيف انسى شخص ببالي كيف انسى شخص احببته كيف انسى شخص احب كيف أنسى شخص أحببته وخذلني كيف انسى شخص احبته كيف انسى شخص عشقته كيف انسى شخص حظرني




 قواعد السطوة


تأليف: روبرت جرين
ترجمة وتقديم: د. هشام الحناوي
الناشر:
إيلاف معات
لعلوم النفس والشخصية



اسم الكتاب: قواعد السطوة
التصنيف: مترجم
اسم الكتاب الأصلي:LAWS OF POWER 48
تأليف: روبرت جرين.
المترجم: د. هشام الحناوي
الناشر: إيلاف معات لعلوم النفس والشخصية.
تنسيق الكتاب: خالد شلبي. ت: 0105441368
تصميم الغلاف: دار أفست. كفر الشيخ- تصمم/ عمرو الحناوي
ت: 0162030814
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
1432هـ- 2011


قواعد السطوة
تأليف: روبرت جرين
ترجمة وتقديم: د. هشام الحناوي





قالوا عن هذا الكتاب
إنه الكتاب الذي لا غنى لك عنه إن كانت السطوة هي غايتك
مجلة التايمز
هذا الكتاب يستخلص ببراعة تاريخ طويل من السطوة في ثمان وأربعين قاعدة ويعرضها بجرأة ووضوح ونقاء، ويمزج أفكار مفكرين كبار من أمثال ميكافيللي وصن تسو وكارل فون كلوشفيتز.. وسواء أعجبتك هذه الأفكار أو كرهتها فستجد لها تطبيقات في الحياة الواقعية.. وهي قواعد تسحر كل قارئ يهتم باكتساب أو فهم أو مقاومة السيطرة والسيادة.
دار بروفايل التي نشرت الكتاب
كتاب يناقض النظرة التقليدية للأخلاق التي لا ترى في أفعال الناس إلا الأبيض والأسود.. لكن معظم القواعد التي يعرضها الكتاب يمكن أن تستخدم للخير أو الشر حسب رغبة كل قارئ.
من مراجعات القراء
الطريقة التي ستتلقى بها هذا الكتاب هي التي تكشف حقيقة موقفك الأخلاقي.
من مراجعات القراء
إنه [كتاب] يعلمنا كيف ومتى وأين يجب استخدام هذه القواعد، وهو سهل ويحوي لحظات من الكشف تبهرك وتبين لك سرًا جديدًا عن البشر.
من مراجعات القراء


معظم المراجعات التي كتبت عن هذا الكتاب تتركز على اعتباره لا أخلاقيًا –ولكن ذلك مضلل لأن هذا الرأي يرى أن من يستفيدون من هذه القواعد هم فقط من يرغبون في خداع الناس والتلاعب بهم... إلا أن الطريقة التي سوف يختارها الشخص لاستخدام هذه القواعد هي التي تحدد أخلاقه. فحتى القواعد التي تبدو نفاقًا خالصًا قد تكون في الواقع بريئة تمامًا في تطبيقاتها... وذلك حقًا هو أحد أفضل الجوانب في هذا الكتاب لأن جرين لا يحاول أن يعلم القارئ الخطأ والصواب... ولكن فقط يدله على الوسيلة التي تحقق له ما يريد.
وبغض النظر عن المحتوى فإن الكتاب سهل، يعرض كل قاعدة في فصل مستقل يتكون من مقدمة مختصرة تشرح القاعدة تليها أمثلة من التاريخ تبين نتائج مراعاة القاعدة وانتهاكها وفي النهاية تختتم بتعليق جرين الشخصي عليها وهي جميعًا تشرح القاعدة بوضوح وتبصر.. والكتاب في الأساس دليل لفهم أنفس الناس... وحتى إن لم تطبق قواعده فإنه يمنحك رؤية عميقة لفهم العلاقات الإنسانية.
من مراجعات القراء


القاعدة 4- 80
اقتصد دائمًا في كلامك
كثرة الكلام تضيع هيبتك وتظهرك أقل عزمًا، وحتى الكلام التافه سيبدو أكثر وقارًا وتأثيرًا إن كان مقتضبًا وغير محدد ومفتوحًا على كل التفسيرات. وأصحاب السطوة يؤثرون في الناس ويرهبونهم بإيجاز كلامهم. وكلما تكلمت أكثر يزيد احتمال أن تقول شيئًا تافهًا أو غبيًا.
القاعدة 5- 88
السمعة عماد السطوة- دافع عنها باستماتة
السمعة وحدها يمكنها ان ترهب وتنتصر، وسقوطها يعرضك للهجوم والضربات من كل جانب. حافظ على سمعتك وتنبه لأي هجمات تحاك ضدها واحبطها قبل أن تمسّك. وتعلم أن تدمر خصومك بإحداث خروق في سمعتهم ثم ارتكهم للجماهير ينصبون لهم المشانق.
القاعدة 6- 98
الفت إليك الأنظار بأي ثمن
تقدر الأشياء بمظهرها ولا أحد يهتم بما لا يراه. لا تكن نكرة وسط الجموع حتى لا يتجاهلك الناس. أبرز نفسك واختلف عن الآخرين والفت إليك الأنظار بإظهار المكانة أو الحيوية أو الغموض حتى لا تضيع وسط الجموع المائعة والخجولة.
القاعدة 7- 115
استفد من جهود الآخرين: لكن احتفظ لنفسك بالتقدير
استخدم حكمة الآخرين ومعارفهم وسعيهم لتقصي الحقائق لتحقيق مأربك، فذلك لن يوفر وقتك وجهدك الثمينين فحسب ولكن سيضفي عليك هالة إعجازية من الكفاءة والسرعة، وسرعان ما يتم نسيان من ساعدوك وتبقى أنت وحدك في الذاكرة. لا تفعل بنفسك ما يمكن أن يفعله لك الآخرون.


القاعدة 8- 123
استدرج الآخرين لفعل ما تريد
حين تجعل الآخرين يفعلون ما تريد تكون لك السيطرة عليهم، والأفضل أن تغري خصومك ليأتوا إليك متخلين عن خططهم الخاصة. استدرجهم إليك بالمكاسب لتكون أوراق اللعبة في يدك ثم هاجمهم وافرض عليهم شروطك.
القاعدة 9- 132
انتصر بأفعالك وليس بكلامك
الانتصارات اللحظية التي تظن أنك أحرزتها بالجدل هي في الحقيقة انتصارات سفيهة: فالامتعاض والضغينة التي تتركها تفوق في قوتها وبقاءها أي تغيرات لحظية في آراء الآخرين. القوة الأكبر تأتي من اتفاق الآخرين معك من خلال أفعالك دون أن تتفوه بكلمة. اعرض ولا تشرح.
القاعدة 10- 14
احذر من البائسين حتى لا تنتقل إليك عدواهم
بؤس الآخرين قد يقتلك –فالمشاعر معدية كالأمراض. قد تظن أنهم غرقى وأنك تساعدهم بينما أنت بذلك لا تفعل سوى أن تدفع بنفسك إلى الكارثة. البائسون أحيانًا يجلبون العسر لأنفسهم وقد يجلبونه لك أيضًت. دعك منهم وخالط السعداء والمحظوظين حتى ينتقل إليك حظهم.
القاعدة 11- 150
تعلم أن تحتفظ باعتماد الآخرين عليك
لكي تحافظ على حريتك واستقلالك بين الناس عليك أن تجعلهم محتاجين إليك ومعتمدين عليك لتحقيق سعادتهم وازدهارهم، لكن لا تعلمهم أبدًا ما يكفيهم للاستغناء عنك.



القاعدة 12- 160
ادفع بالتي هي أحسن: اكسب ولاء من يهمك أو ارفع عنك عداءه
بالسخاء والتلطف
قيامك بفعل واحد ينم عن الطيبة والإخلاص يكفّر عنك لدى الآخرين ويلهيهم عن العشرات من أفعالك الغادرة؛ والإظهار الصادق للتلطف والكرم يفتح قلوب حتى أكثر الناس ارتيابًا. وبمجرد أن ينفتح لك قلب من يهمك يمكنك أن تحرمه وتتلاعب به كما تشاء. والهدية التي تقدمها في وقتها المناسب تعمل كالحصان الذي مكّن الإغريق من فتح طروادة.
القاعدة 13- 169
لا تناشد في الناس العطف أو رد الجميل لكن استدرجهم
بمصالحهم
إن احتجت من أحد المساعدة لا تذّكره بما قدمت له من هبات أو مساعدات لان ذلك سيجعله يخلق الأعذار للتهرب منك. اظهر له شئيًا يعود عليه بالفائدة من تحقيق طلبك ومن تعاونه معك، وركز كلامك على هذه الفوائد. إن أقنعته ستجده يلبي مطالبك بحماس.
القاعدة 14- 177
تودد كصديق لتراقب كجاسوس
من الأمور المصيرية أن تكتشف أسرار منافسيك، وعليك أن تخصص لهم جواسيس يأتونك بأخبارهم حتى تكون لك الأسبقية عليهم. والأفضل أن تتجسس أنت لنفسك. في المناسبات الاجتماعية تصرف كمحقق سري واطرح الأسئلة بطرق لبقة وخفية حتى يكشف لك الناس عن نواياهم ونقاط ضعفهم. انتهز كل فرصة لتكتشف أسرار من حولك.
القاعدة 15- 185
اسحق أعداءك دون رحمة
تعلم القادة جميعًا منذ فجر التاريخ أن عليهم أن يسحقوا من يخشونهم من الأعداء، وبعضهم تعلم هذا الدرس بالتجارب المريرة. الجمرة التي تظل متقدة مهما كانت خافتة سوف تشعل النار في النهاية، والخسائر التي تأتيك من الضربات التي ترحم عدوك أكبر بكثير من خسائر الضربات التي تسحقه لأنك لو لم تنه عليه سيتعافى ويعود للانتقام منك. امحق أعداءك ليس ماديًا فحسب بل معنويًا أيضًا.


القاعدة 16- 196
اتقن فن الغياب لتزيد وقارك ومكانتك
السلعة التي تروج بين الناس يقل سعرها، وكلما زاد حضورك وكلامك تبتذل مكانتك وتقل هيبتك. بمجرد أن يتكون لدى جماعة رأي حسن عنك يكون عليك الانسحاب حتى يزيد حديثهم عنك وإعجابهم بك. عليك أن تتعلم متى تغيب حتى ترتفع قيمتك بندرة حضورك.
القاعدة 17- 206
ارهب الآخرين بالمفاجأة وكسر التوقع
الناس تحكمهم العادة ويحبون أن يألفوا أفعال من حولهم لأن ذلك يعطيهم الإحساس بالسيطرة والتحكم. بلبلهم وشوش عنهم نواياك بتصرفات مباغتة وغير مفهومة، لأن ذلك سوف يجهدهم في تفسير تحركاتك ويبث فيهم الخوف والرهبة.
القاعدة 18- 215
لا تصنع حصنًا يفصلك عن الآخرين؛ فالعزلة خطر يهددك
ولا يحميك
العالم مكان خطر ملئ بالأعداء وعلى الجميع أن يحمي نفسه. وقد تظن أن التحصن يؤمنك لكن العزلة تضيف إلى المخاطر أكثر مما تحمي منها؛ فهي تصعب عليك الحصول على المعلومات الثمينة وتبرزك كهدف سهل للهجمات. الأفضل أن تتجول بين الناس وتختلط بهم وتصنع من بينهم حلفاء. فلجموع هي الدرع الحقيقي الذي تحتمي به من الأعداء.
القاعدة 19- 225
تبيّن جيدًا مع من تتعامل حتى لا تصيب أحدًا بجهالة
العالم ملئ بأنواع مختلفة من البشر ولا تظن أن الجميع سيردون على استراتيجياتك بنفس الطريقة. هناك أشخاص إن خدعتهم أو تلاعبت بهم سوف يقضون ما تبقى من حياتهم يسعون للانتقام منك فهم ذئاب في جلود حملان. أحسن اختيار فرائسك وخصومك حتى لا تضع يدك في جحر ثعبان.


القاعدة 20- 236
لا تلزم نفسك بالولاء لأحد
الأغبياء وحدهم هممن يتسرعون في الانحياز لأحد أطراف الصراع. اجعل ولاءك لنفسك فقط ولا تلزم نفسك بمناصرة أحد. حفاظك على استقلالك يجعلك تتسيد الآخرين، فتأليبك للصراع بينهم يجعلهم جميعًا يطلبون دعمك وتأييدك.
القاعدة 21- 252
استدرج فرائسك بالتظاهر بأنك أقل منهم دهاءً
لا أحد يحب أن يظهر غبيًا أو أقل ذكاءً ممن يتعامل معهم، لكن الدهاء الحقيقي هو أن تشعر من تستدرجه أنه ليس ذكيًا فحسب بل أنه يتفوق عليك ذكاءً. وبمجرد أن يقتنع بذلك لن يشك أو يتوقع أبدًا ما تدبره له في الخفاء.
القاعدة 22- 261
استخدم تكتيك الإذعان لتحوّل ضعفك إلى قوة
حين تكون الأضعف لا تقاوم أو تقاتل بدافع الكرامة، واختر بدلًا من ذلك الإذعان. الإذعان يمنحك الوقت للتعافي وتقويض راحة عدوك في الخفاء والانتظار إلى أن تزول عنه قوته. لا تمنح المتجبرين متعة هزيمتك وسحقك. اجعل الإذعان ضمن ترسانة حيلك للحصول على السطوة.
القاعدة 23- 271
ركز ضرباتك
حافظ على قواك وطاقاتك بتركيزها في ضربات مؤثرة، فصيد واحد ثمين أفضل من الكثير من جني الفتات. القوة دائمًا تتغلب على الكثرة، وإن كنت تبحث عن جهة ترعاك فابحث عن من يستطيع أن يفيدك بالكثير ولفترات طويلة ولا تشتت نفسك على الكثيرين من الرعاة الصغار.


القاعدة 24- 280
اتقن دور التابع: تحلى بخصال رجل الحاشية البارع
خصال رجل الحاشية تجعله يزدهر في عالم الواقع الذي تحدد فيه السطوة والبراعة السياسية مكانة كل الأشخاص وكل الأمور. هذه الخصال تجعل رجل الصفوة يبرع في المكر والتملق وإظهار الخضوع لرؤسائه وتمكنه من فرض سطوته على الآخرين بأكثر الطرق دهاء ورشاقة. اتقن قواعد مجتمع الصفوة ولن تقف حدود دون ما يمكنك أن تحققه من مناصب في بلاط القادة وأصحاب النفوذ.
القاعدة 25- 299
اصنع لنفسك الهوية التي تكسبك السطوة
لا تقبل بالأدوار التي يفرضها عليك مجتمعك، بل حقق لنفسك كيانًا جديدًا بابتكار هوية تجذب إليك إعجاب الناس واهتمامهم. واحرص على أن لا تجعل جمهورك يمل منك أبدًا. تحكم بصورتك لدى الآخرين ولا تترك للآخرين أن يحددوا لك تصورك عن نفسك. استخدم الأساليب المسرحية في الحديث والحركة سوف يزيد من سطوتك ولن يراك الناس بعدها بشرًا عاديًا بل أقرب للأساطير.
القاعدة 26- 311
احرص على إخفاء أخطائك
عليك أن تظهر دائمًا مثالًا للتحضر والكفاءة: احرص على أن تخلو سيرتك بين الناس من الأخطاء والأفعال المشينة، وتعلم أن تخفي تورطك باتخاذ الآخرين كباش فداء ومخالب قط.
القاعدة 27- 322
ابتدع صيحة أو مذهبًا ليتبعك الناس ويمجدونك
لدى البشر رغبة لا تقاوم في الإيمان بشيء –بأي شيء، وعليك أن تجعل من نفسك رمزًا لآمالهم واعتزازهم بأنفسهم؛ بأن تقدم لهم سببًا أو قضية يبذلون أنفسهم من أجلها.. قدم لهم أفكارًا تستثير حماستهم بكلمات توحي ولا تحدد؛ تبشر ولا تنفر. اجعل شغفهم وشاعريتهم يتفوقان على المنطق والواقعية. اصنع لهم طقوسًا يؤدونها واطلب منهم أن يبذوا التضحيات باسمك، فحين تضعف عقيدة الناس وإيمانهم سيمنحك مذهبك سطوة عليهم لا تحدها حدود.


القاعدة 28- 349
نفذ مخططاتك بجرأة ودون تردد
لا تبدأ مسارًا معينًا من التحركات دون أن تكون واثقًا من نتائجه. الشك والتردد يضعف أداءك والاستسلام للخوف يدمرّك. الأفضل لك أن تتقدم بجرأة لأن الأخطاء التي يصنعها الإقدام يمكنك أن تحلها بالمزيد من الإقدام، كما أن الناس جميعًا يحترمون الشجعان والواثقين من أنفسهم ولا أحد يوّقر الجبناء.
القاعدة 29- 361
خطط مسبقًا لكل شيء من البداية حتى الخاتمة
تؤخذ الأمور بخواتيمها، وعليك أن تخطط بوضوح للطريق الذي يوصلك للخاتمة التي تريدها آخذًا في الاعتبار كل العقبات والعوائق ونكبات القدر التي قد تبعد عنك المجد وتمنحه لغيرك. التخطيط للأمور حتى نهايتها يحميك من إنهاك التفكير الدائم فيما يواجهك من الأحداث ويحدد لك متى تتوقف لجني المكاسب، ويجعلك توجه الدفة باستمرار في الاتجاه الذي يحقق لك أكبر السطوة والمجد.
القاعدة 30- 373
تصرف برشاقة ولا تُظهر أبدًا معاناتك في إنجاز الأمور
عليك أن تظهر إنجازاتك وكأنها تلقائية ووليدة موهبة طبيعية وأن تخفي كل ما بذلت من الكدح والتدريب والتحايل لتحقيق ما تريد. اجعل الآخرين يرون أنك تذلل الصعاب بيسر وكأن في مقدورك أن تفعل أكثر من ذلك بكثير. قاوم إغراء أن تحكي للناس عن تعبك وتفنيك لان ذلك يجعلهم يتشككون في مقدرتك، ولا تكشف لهم عن حيلك وأساليبك لأن ذلك قد يمكّنهم من استخدامها ضدك.

القاعدة 31- 385
تحكم بأوراق اللعب: اجعل الآخرين يختارون من البدائل التي تحددها
لهم
أفضل الطرق لاستدراج الناس والتحكم بإرادتهم هي التي تمنحهم ظاهريًا حرية الاختيار بينما تجعلهم في الحقيقة لعبة في يدك، وذلك بأن تحدد خياراتهم في البدائل التي تصب جميعًا في صالحهم أو أن تضعهم بين قرني معضلة بحيث يختارون بين شرين أحلاهم مُر. وسوف تعجب من أن إحساسهم بأن لهم حرية الاختيار يجعلهم يتقبلون أمورًا كانوا ليرفضونها بشدة لو فرضتها عليهم.
القاعدة 32- 397
خاطب في الناس آمالهم وأحلامهم وليس واقعهم
أغلب الناس يحبون تجاهل الحقائق والوقائع لأنها مؤلمة وقبيحة، وينظرون لمن يصنع لهم الشاعرية والخيال كأنه واحة وسط صحراء يتدافعون إليه أفواجًا. تعلم أن تحرك في الناس آمالهم وأحلامهم وسوف تجني سطوة كبيرة.
القاعدة 33- 408
اكتشف نقاط الضعف لدى كل من تتعامل معهم
لكل إنسان نقطة ضعف وخرق في الدرع التي يحمي بها نفسه. غالبًا ما يكون هذا الضعف على شكل خور أو هوى أو رغبة جامحة أو متعة دفينة. بمجرد أن تكتشف نقطة الضعف لدى الشخص يمكنك أن تستغلها لصالحك.
القاعدة 34- 424
لا تتدنى أبدًا في تصرفاتك: تصرف كملك تُعامَل كملك
المكانة التي تضعها لنفسك هي غالبًا التي يضعها لك الناس. فالتعامل بسوقية وتدني يجلب عليك في النهاية ازدراء من حولك. تصرف كالملوك الذي يلزمون أنفسهم بالعزة والوقار فيجبرون الناس على النظر إليهم برهبة وإكبار. ارتقِ في تصرفاتك ليراك الناس كأنك وُلدت لتكون ملكًا.


القاعدة 39- 486
حرّك الماء الراكد لتدخل الأسماك في شباكك
الغضب والانفعال من الأخطاء الاستراتيجية الخطيرة التي تفقدك مكانتك. عليك أن تلتزم دائمًا بالرزانة والموضوعية. لكن عليك إن استطعت أن تغضب عدوك وتفقده أعصابه بينما تحتفظ أنت بهدوئك ووقارك لأن ذلك سيمنحك تفوقًا كبيرًا عليه. واجه عدوك بكل ما ترى أنه يهدد كبرياءه حتى يفقد أعصابه وحينها يمكنك أن تحرّكه كالدمية.
القاعدة 40- 497
ازهد في كل ما قد يُعطى لك مجانًا

احذر مما قد يعطى لك مجانًا لأن ذلك قد يكون وسيلة لخداعك أو لإحراجك وإلزامك أخلاقيًا. تحرر من هذا العبء وادفع بسخاء ثمن كل ما ترى له قيمة، ولا تبخل لأن البخلاء لا يحققون السطوة أبدًا. كن سخيًا وأنفق من مالك بحرية لأن السخاء هو سر السطوة وقلبها النابض.
القاعدة 41- 517
تجنب أن تحل محل رجل عظيم
يحترم الناس الأصل ويحتقرون التقليد. إن كنت خلفًا أو ابنًا لشخص عظيم سيكون عليك أن تبذل أضعاف جهده حتى لا تضيع صورتك في ظلاله. لا تلتزم أبدًا بماض ليس من صنعك. أسس لهويتك الخاصة بتغيير مسار من سبقك. احتقر تراثه وادفنه معه حتى يمكنك أن تصنع ألقك المميز.
القاعدة 42- 532
اضرب الراعي لتشتت الخراف
ستجد دائمًا وراء الاضطرابات الكبيرة شخصًا واحدًا حاقدًا ومتغطرسًا يستطيع أن يعدي الآخرين بأحقاده. إن تركت هؤلاء أحرارًا سينشرون سواد قلوبهم بين الناس. لا تنتظر حتى تتفاقم المشكلات التي يسببونها ولا تحاول أن تسمليهم أو تسترضيهم لأنك لن تستطيع. ابعد تأثيرهم بالتخلص منهم أو بعزلهم عن الناس. اضرب الراعي الذي سبب المشكلة وسوف يتشتت ما تجمّع حوله من الخراف.


القاعدة 43- 544
لا تأخذ الناس بالقهر بل بالتودد والإقناع
الطغيان وقهر الناس يُسقط حتمًا في النهاية. تعلم استدراج الآخرين لفعل ما تريد. من تستدرجه بالإغواء يظل تابعًا مخلصًا لك. يتطلب الإغواء أن تفهم نفسية ونقاط ضعف من تتعامل معهم. ليّن مقاومتهم بالتلاعب بمشاعرهم وبكل ما يرغبّهم ويرهبّهم. تجاهلك لمشاعر أتباعك ينمي داخلهم الحقد والكراهية ضدك.
القاعدة 44- 556
جرّد عدوك وأفقده اتزانه باستراتيجية المرآة
المرايا تعكس الواقع ولكنها أيضًا تشوهه ولذلك فهي أدوات بارعة للمكر والخداع. استراتيجية المرآة هي أن تحاكي أفعال الآخرين لتشوشهم وترهبهم وتفقدهم تفكيرهم المتزن أو لتفتنهم وتشعرهم بأنك تفهم ما في أعماق نفوسهم أو لتلقنهم درسًا بجعلهم يتذوقون مما جنت أيديهم. استراتيجية المرآة من الاستراتيجيات الفعّالة للغاية والتي لا يفلت من سطوتها إلا القليلون.
القاعدة 45- 578
ادع الناس للتغيير ولكن لا تغير كثيرًا في خطوة واحدة
كلنا نفهم نظريًا ضرورة التجديد، لكن في الواقع وفي تعاملاتنا اليومية نتمسك بشدة بكل ما اعتدنا عليه. فرض التجديد يصدم الناس ويدفعهم للثورة. حين تكون حديث عهد بالسطوة أو غريبًا عن مجتمعها يتوجب عليك أن تكّون لنفسك قاعدة تدعمك، ويلزمك لذلك أن تحترم تقاليد رعاياك وبدون ذلك لن يتبعوك. إن رأيت أن التجديد لازمًا أظهره وكأنه تطور نابع من الماضي والتراث.

القاعدة 46- 590
لا تبالغ في إظهار تفوقك ونعماءك
من الخطر أن يراك من حولك متميزًا عليهم، والأخطر هو أن تظهر لهم خاليًا من العيوب ونقاط الضعف. الحقد يولّد في قلوبهم العداوة ومن الدهاء أن تظهر من آن لآخر عيبًا لا يضرك في شخصيتك أو إمكاناتك حتى تدفع عنك الحسد وتجعل الآخرين يرونك واحدًا منهم أي إنسانًا له نقائص، فالله والموتى وحدهم هم من لا يخطئون.
القاعدة 47- 604
لا تتجاوز ما خططت له- تعلم أن تكبح حماسك عند الانتصار
لحظات الانتصار غالبًا ما تكون أخطر اللحظات، فحماسة النصر قد تدفعك للغرور والقة الزائدة تجعلك تتجاوز الهدف الذي طالما سعيت لتحقيقه. هذا الشطط يخلق لك أعداء كثيرين لا تستطيع أن تهزمهم. لا تجعل النصر يفقدك عقلانيتك لأنك لن تجد بديلًا أفضل من التخطيط الاستراتيجي العاقل والمتأني. حدد الأهداف لنفسك وحين تحققها لا تشتط أو تترك نفسك للغرور.
القاعدة 48- 616
ساير الأحداث دائمًا ولا تتجمد في قالب محدد

جمودك على أسلوب محدد يمّكن عدوك من رؤية تحركاتك وقراءة ما تخطط له ويسّهل هجومه عليك. خطط لكل شيء مسبقًا حتى ترى الأمور بوضوح لكن لا تسمح لأعدائك بفهم ما تفعله بالحفاظ على حراكيتك ومسايرتك للأحداث. ولتعلم أن الواقع لا يكون دائمًا يقينيًا وأن القوانين تتخذ دائمًا أشكالًا جديدة. أفضل الطرق لحماية نفسك هي أن تبقى دائمًا كالماء متدفقًا ولا تتخذ شكلًا محدد. لا تراهن أبدًا على الاستقرار أو على دوام الأحوال لأن كل شيء يتغير.


إيلاف الحكمة:
ائتلاف السطوة والتراحم
مقدمة المترجم
أغلب الناس يرغبون في السطوة والمجد، لكن تصور الكثيرين منهم عن السطوة التي يريدونها ووسائل تحقيقها تكون حالمة ومشوشة وغير واقعية، لأنهم يستمدونها من انطباعاتهم الخيالية عن حياة العظماء من القادة والنجوم ومن ظنهم أن النبل والتألق والاقتدار التي يظهرها القادة جميعًا في ذروة مجدهم هي سمات مميزة لهم من بداياتهم وأنها السبب فيما يحققونه من مكانة وتقدير بين الناس. وتتأكد هذه الصورة الخيالية من كتب المساعدة الذاتية التي تصمع من هذه الانطباعات أساطير تستمد منها ما تعتبره «سر النجاح»: أي أنك إن اكتشفت هذا القائد النبيل والمتألق الذي يكمن في داخلك ورعيته وأظهرته وجادلت الناس به بجرأة ووضوح يقدرونك ويلتفون حولك. لكن غالبًا ما يصطدم أولئك الحالمون بالواقع الذي يبين لهم بقسوة ما قاله الرئيس الأمريكي الراحل كالفن كولدج بأنه «لا يوجد في العالم أكثر من الموهوبين الذين يفشلون». الحالمون الذين يتألقون بنبلهم أي بصدقهم وعزمهم وإصرارهم خاصة إن كانت لديهم عبقرية بارزة لا يُشعرون الناس بالثقة والألفة والإكبار كما تقول كتب المساعدة الذاتية بل بالدونية والتهديد والحسد، وفي أحسن الأحوال إن لم يصبهم الأذى والاضطهاد يشعرون بأنهم غرباء عن واقعهم وعصرهم، وهذا هو جوهر الفشل لأن السطوة تكمن في أن تكون مثالًا شفافًا ومعبرًا لتطلعات عصرك وأن تكون كالمرآة التي تعكس أعمق تمنيات الناس من حولك، وأن لا تنطوي أبدًا على أفكارك الخاصة: فالأفكار البارعة كالأزياء البارعة تُصنع لتناسب عصرها وجمهورها وليس لتناسب ذوق صانعيها.


هناك آخرون يدركون تمامًا أن السطوة نادرًا ما تأتي من محاولات تغيير الواقع؛ بل من تغييرك لنفسك لتلائم الواقع، وأن تصبح جزءًا من نسيجه وتعرف كيف تحركه وتتحرك معه. لكن الكثيرين من أولئك الواقعيين لا يفرقون بين السطوة والقهر ويعتبرونهما شيئًا واحدًا؛ فيبرزون أنفسهم بإضعاف من حولهم وبالتقرب من مراكز السطوة بالقسوة والحيلة والتملق وبأي قناع يحقق لهم أهدافهم. ويصبحون كالمرض الذي لا ينتعش إلا بإضعاف الجسد ناسين أن للمجتمعات أيضًا مناعة وللتاريخ إيقاع يجعله يتخلص من الطفيليين والانتهازيين. سطوة الشد والقهر تشبه الإدمان تعطي لذة مؤقتة وإحساسًا زائفًا بالذات ينتهي حتمًا بعواقب وخيمة.
للجدل والقسوة أدوار محددة في عالم السطوة؛ واستخدامهما بشكل جامد لإرضاء الناس أو قهرهم يجعلك كالمثل الذي يستخدم حيل مكرورة لإضحاك الناس أو إبكائهم ولكن مع التكرار سيستهلك الجمهور وفي النهاية يلفظونك. لا بديل لمن يريد سطوة راسخة ومزدهرة عن فهم الناس والأحداث وبراعة التصرف حسب مقتضيات الموقف والمرحلة والعصر. ولتعلم أن حب الناس لك أو خوفهم منك ليس إلا مشاعر، وأن المشاعر عابرة كالزبد وتنهار بمن يؤسس عليها سطوته ولا تدوم إلا العلاقات التي تقوم على المنفعة والمصالح.. ولتذكر أنه: إن كانت البراعة لازمة لك لكي تحقق سطوتك؛ فإنها لازمة لك أكثر لكي تحافظ عليها. ولا تجعل أبدًا غرور الحالمين والمستبدين يقنعك بغير ذلك.
هناك حكاية بسيطة تجعلك تفهم كيف يؤثر البارعون فيمن حولهم دون جدل أو قهر: مر رجل أثناء ترحاله على قرية وشعر بالظمأ؛ فلجأ إلى بيت وسألهم فسقوه وارتوى وهم بالرحيل. رأى الشاب الذي قدم الماء سيما الحكمة في الرجل فطلب منه أن يساعده في حل مشكلة تؤرقه هو وإخوته. مات أبوهم وترك لهم ميراثًا سبع عشرة ناقة وأوصى أن يكون للأخ الأكبر نصفها وللأوسط ثلثها وله هو الأخ الأصغر تسعها، وتحيروا في ذلك لأنهم لم يرغبوا في ذبح أي ناقة وتقسيمها

لأنها تفيدهم أكثر وهي حية. قال لهم الرجل الحكيم أن يأخذوا ناقته كهدية ويضيفونها للتركة لتقسيمها. وهكذا يأخذ الأخ الأكبر ثمان نوق والأوسط تسع والأصغر ناقتين. فأجابه الإخوة الذين اجتمعوا لسماعه: ولكن هذا يجعل المجموع سبع عشرة ناقة وتبقى واحة. فأجابهم الرجل إذن تكرموا وردوا إلي ناقتي حتى أكمل رحلتي.
تشبه تحركات البارعين لتحقيق السطوة هذه الناقة الوهمية التي لا أُعطيت ولا أُخذت؛ والتي ليست جدلًا ولا قهرًا. الحالم كان سيعطيهم ناقة حقيقية ليؤكد نبله ومكانته أما المستبد فكان سيحتال عليهم ليأخذ أكثر ما يستطيع من نوقهم. هاتان النظرتان؛ أي الحالمة والدونية؛ قاصرتان وغافلتان عن فهم الطبيعة الحقيقية للحياة والسطوة؛ فالأولى تحسب أن المجد يكون بالتضحية والزهد والثانية تظنه يقوم على الكنز والتراكم. وإن وصفنا ذلك بالألوان وقلنا أن الأبيض يرمز لتضحية وزهد الحالمين والأسود لقسوة وخبث المستبدين فإن الرمادي هو لون البراعة والسطوة الحقيقية التي لا يزيدها تعاقب الأيام إلا ازدهارًا.
إن كان الغافلون سواء حالمين أو مستبدين يحاولون فرض أنفسهم على الواقع؛ فإن البارعين يتصرفون باقتضاء المواقف ويتسللون إلى قلب الناس والأحداث برشاقة وفجأة تجدهم في المراكز دون عنف أو جدل كأنهم ولدوا ليكونوا هناك. الكتاب الذي بين يديك يعلمك اللغة والقواعد التي تكتسب بها هذه الرشاقة والتي إن فهمتها وأتقنتها ستجد نفسك في مركز التحركات وهو الموقع الذي يرفعك حتمًا إلى تحقيق مكانتك.
كان هذا الكتاب ناقة البراعة للمؤلف. ويقول أنه ظل قبله في الجانب الضعيف دائمًا من لعبة السطوة؛ أي جانب الضحية. كان يعمل مراسلًا للأخبار الفنية في هوليوود وكان يعرض مواهبه وقدراته وتجاوز الخامسة والثلاثين دون أن تقدر جهوده، وأدرك أن هناك خطأ في طريقته ومساعيه تنفر منه أصحاب القرار. وعرف


أن حماسه الزائد في إثبات نفسه قد كان دائمًا السبب في فشله لأنه دون أن يقصد كان يُشعر أولياءه بالتهديد والنفور، وعرف أيضًا أن هذا ما يحدث دائمًا مع الحالمين الذين يبرزون تفوقهم على أوليائهم. وهكذا اكتشف القاعدة الأولى من الكتاب، واكتشف معها أن هناك بالفعل قواعد تميز تحركات البارعين من القادة، اكتسبوها من التجارب والحياة. وأنه لا أحد سواء من الناجحين أو المحبطين سيعيش بما يكفي ليتعلمها جميعًا من التجارب وحدها. وهكذا قرر أن يستخلص كافة القواعد من سير ونصائح كبار القادة ورجال السطوة عبر التاريخ، وأن يجمعها ويضمها جميعًا في هذا الكتاب.
استغرق استخلاص قواعد الكتاب عامين من العمل المضني والدؤوب، لكنه في النهاية لم ينجح فقط في تقديم معرفة عميقة وواقعية لفهم وتوقع التحركات التي تؤدي بالقادة للنجاح أو الفشل، بل أن يجعلك تفهم أن قواعد السطوة شائعة للغاية في كل التعاملات الإنسانية ولا تقتصر على مجالات محددة كالسياسة والأعمال والفكر. وأن الكثيرين من الذين كنت تظنهم أبعد الناس عن السعي للسطوة يمارسون بعض هذه القواعد وإن بطرق مرتجلة وعفوية. وأن تدرك كم كان جهلك بهذه القواعد يسبب لك من الخسائر ما يصيبك باليأس والتحسر والغضب، وأن معرفتك بها ستفتح لك لطريق لتصحيح مسارك واكتساب مكانتك في كل تعاملاتك القادمة.
لكن جمهور قراء الكتاب لم يقتصر على الطامحين الساعين للسطوة أو على الذين فشلوا عن تحقيق أحلامهم ويريدون تصحيح مسارهم، بل لا يقل عنهم إقبال رجال السطوة الناجحين على قراءته. وطالب البعض أن يكون الكتاب مرجعًا أساسيًا للدارسين في مجالات السياسة والإدارة والاقتصاد. كما أقبل رجال الأعمال على الاستعانة بمشورة الكاتب ونصائحه. ويقول الكاتب عن ذلك أنه شعر بالخوف في البداية لأنه لم تكن لديه الخبرة في مجال عملهم لكنه استعاد ثقته حين علم أن ما كان ينقصهم «هو التعامل البارع مع الطبيعة البشرية... كانوا مشوشين

وعرفت أن نصائحي ستفيدهم وأن القواعد التي استخلصها في الكتاب أكثر من هامة بالنسبة لهم».
هناك ملاحظة أخرى قبل أن تقرأ الكتاب. فلأن الكتاب كان ناقة البراعة التي أراد الكاتب منها أن يكتسب سطوته لذلك كان حريصًا أن تكون معبرة عن احتياجات قرائه بشتى توجهاتهم لا أن تعبر عن موقفه الأخلاقي من تطبيقاتها. ولذلك ستجد القواعد مكتوبة بالتنوع الذي يستخدمها الناس به في الواقع. فالبراعة هي المحراب الذي يتعبد فيه كل الساعين للسطوة لكن كل منهم يتعبد لإله مختلف، فالبعض يعبد هواه وجشعه وآخرون يرجون الخير والمكانة في هذه الدنيا والآخرة، بينما لا يرجو البعض الآخر من السطوة سوى الحياة الرغدة والكريمة. ولا تنتظر من الكاتب أي توجيهات أخلاقية لأنه يعرض القواعد كما ستراها في الواقع بحيادية وأحيانًا بقسوة. لكن عرضها بهذه الطريقة تفيدك كثيرًا لأنك وإن لم تكن ستستخدمها بطريقة تخالف أخلاقك ومبادئك فستعرف على الأقل كيف يمكن للآخرين أن يستخدموها ضدك.
من المؤكد أن لا شيء قد يعلمك مثل التجارب والحياة، لكن كما قلنا فإن لا أحد سيعيش بما يكفي ليتعلم كل هذه القواعد بنفسه. لذلك استخدم الكاتب أقرب أسلوب يشبه الواقع والتجارب وهو القصص، وذلك سيسهل عليك أن تقرأ الناس من كلامهم وتحركاتهم كأنك تشاهد مسرحية، وأن تحكي نفسك من مكائدهم، وأن تتخذ الأدوار التي تضعك في مركز الأحداث التي تشكل حياتك، وأن تتجنب الأخطاء التي قد تدمر مسارك. ولغة الكاب سهلة ومركزة وحرصت أن لا تقل الترجمة العربية عنها في السهولة والوضوح. لكن كان العيب الوحيد في النسخة الإنجليزية هو وجود هوامش واقتباسات كثيرة على حواشي الصفحات تشتت القارئ ولا تضيف أي شيء لاستيعاب القواعد؛ وإضافتها كانت ستؤدي إلى زيادة حجم الكتاب وتقليل قياس الخط بشكل غير مريح للقارئ العربي.


ولذلك حذفت هذه الهوامش وأطلعت الكثيرين من الأصدقاء على الصورتين فوجدوا أن الترجمة في صورتها الحالية أفضل كثيرًا للفهم وأعمق في الاستيعاب.
وقد استخدم الكاتب صورة لكل قاعدة، وهي صور رائعة ومعبرة، لكن هناك صورة واحدة استوقفتني في الفصل الذي يتكلم عن إبهار الناس لاكتساب السطوة، وعن قيمة الرموز في التأثير. استخدم الكاتب رمزًا هامًا للغاية في الثقافة الغربية وفي تاريخ العالم وهو تحول الإمبراطور قسطنطين للمسيحية وبعدها إيمان الإمبراطورية الرومانية كلها بها. وهو حدث هام لكل المؤمنين بدين الله وليس للمسيحيين فقط؛ لكن رمزا الصليب والشمس الذي عبر به الكاتب عن الدمج بين الثقافتين تحرج حساسيات المسلمين، كما أنه على الرغم من أن العرب جميعًا يجلون المعنى الذي يقصده المسيحيون أي التضحية والمحبة والتراحم وحياة المسيح ككلمة الله إلا أن الصليب نفسه لا يشكل عند المسلمين هذه المعاني. ولذلك آثرت أن أستخدم رمزًا عامًا قد يقبله الجميع ويعبر عن الجوهر الحقيقي للسطوة الخالدة التي تغير الحياة والتاريخ للأفضل وهو «إيلاف الحكمة».
يعبر إيلاف الحكمة عن البراعة التي تخدم الخير والإيمان والعدل وكل ما يشكل سنة الله في الأرض والسماء أي عن القوة والتراحم؛ الدنيا والآخرة، وكذلك عن الين واليانج في الثقافة الصينية، وعن تحوت ومعات في الثقافة المصرية القديمة وعن أمثالهما في كل ثقافات الأرض. رمزت للحكمة بالميزان وللإيلاف بالسيف؛ إلا أن السيف لا يرمز فقط للحرب بل للقوة والمكر والجرأة أي إلى كل ما يكسب المرء العزة والهيبة والمكانة وغير ذلك من معاني الإيلاف.
هذا الاستبدال قد يشكل نوعًا من التجاوز على الكتاب الأصلي لكنه تجاوز في الشكل وليس في المعنى، بل أنه تجاوز يخدم المعنى الأصلي ويمنحه القبول من طائفة أوسع من القراء. فأرجو أن يتقبله مني الجميع مسيحيين ومسلمين.


أخيرًا؛ عليك أن تعلم لا شيء في السطوة يتطلب منك أن تكون دنيئًا؛ بل أن البراعة تساعد حتى التافه الحقير على إخفاء ضعفه ودناءته لأنها تقدم له الوسائل للتحايل حتى لا يكشف الواقع جوهره الحقيقي؛ تمامًا كما يساعد الطلاء البراق على إخفاء حقيقة المعادن الرخيصة. لكن الزيف ينكشف بعد حين ولا تكفي كل براعة العالم في إخفاء الأنفس الدنيئة للأبد. وإن رأيت شخصًا يتبجح بدناءته حتى ولو كان في أعلى مقامات السطوة فلتتوقع سقوطه سريعًا لأن ذلك يعني أنه قد ففقد براعته وسيطرت عليه نفسه الخائرة والمغرورة. وتعّلم من نيتشه الذي قال أن الإنسان الأسمى هو من يمتلك تحّمل وعزم الجِمال وجرأة الأسود وبراءة الأطفال. فالبراعة قد تعطي السطوة لكل من يتقنها لكنها لا تخلص نفسها إلا لمن يستحقها.
في النهاية نجمل ما عرضناه بأن هذا الكتاب يعلمك البراعة في التعامل مع الناس والأحداث. ورغم أن البراعة سمة تميز القادة والقوّادين والمحتالين على السواء إلا أنه لا يصمد طويلًا للتغيرات إلا المتقون الذين وصفهم السيد المسيح بأنهم بارعون كالأفاعي أبرياء كالحمام.
د. هشام الحناوي
بركاء/ سلطنة عمان
فبراير 2010


تصدير
في عالمنا المعاصر نواجه جميعًا تحديًا مزدوجًا. من ناحية نرغب في السطوة والنفوذ ولا أحد يكتفي منهما بل يرغب الجميع في المزيد فبدونهما نشعر وكأننا ريشة في مهب الريح لا نملك تأثيرًا على الناس والأحداث التي تتحكم بنا. من الناحية الأخرى يفرض علينا المجتمع أن نكون مهذبين ومنصفين وأن لا نظهر أبدًا تعطشنا ومساعينا للحصول على الهيمنة لأن ذلك يظهرنا في أعين الناس انتهازيين ويعرض حياتنا بينهم للخطر. هذا الواقع يفرض علينا أن نكون ماكرين في تصرفاتنا بأن نظهر الود ونبطن الخداع؛ نعلن تأييدنا للعدالة والمساواة بين الناس وفي الخفاء نتحايل للهيمنة عليهم.
ظلت هذه الازدواجية الدائمة في التعامل تميز مكائد النبلاء ورجال الصفوة للحصول على السطوة في حاشية الحكام. طوال التاريخ كانت الحاشية تدور حول شخصية واحدة نافذة هي الملك أو الملكة أو القائد، وكان على رجل الصفوة أن يواجه موقفًا صعبًا لا مفر منه. كان عليه التقرب من وليّه والعمل على كسب الخطوة لديه؛ لكن لو بالغ في التملق أو تحققت له حظوة مفاجئة كان رجال الصفوة الآخرون ينتهبون ويكيدون له. لهذا كان على رجل الصفوة البارع أن يخفي تحركاته بطرق ماكرة. إلا أن حتى من كانت لديهم هذه البراعة في المكر كان عليهم دائمًا أن يحموا أنفسهم من المكائد المستمرة من النبلاء الآخرين الساعين لإبعادهم عن الحظوة.
مع هذا كان على مجتمع الصفوة أن يكون مثالًا للتحضر، وكان النبلاء يفزعون إن قام أحدهم بتحركات فجة أو عنيفة لنيل الحظوة ويكيدون في الخفاء لتدميره. تلك كانت معضلة الحياة في القصور، كان عليهم دائمًا أن يوفقوا بين التصرف


بأخلاقيات عالية وبين التحايل بمكر لسحق خصومهم. مع الوقت كان رجل الصفوة البارع يتعلم أن يجعل تحركاته مراوغة وغير مباشرة، وحين كان يريد أن يطعن خصمًا في ظهره كان يفعل ذلك برقة من يرتدي قفازًا من الحرير وعلى شفتيه أكثر الابتسامات عذوبة. كان عليه بدلًا من القهر والطغيان والتحايل المكشوف أن يتقن الاستراتيجيات الخفية مثل الاستدراج والإبهار والخداع. كان عليه أن يفكر لعدة تحركات قادمة. هكذا فإن الحياة في الحاشية كانت لعبة مستمرة تتطلب الاحتراس وإبداع التكتيكات أي أنها كانت حربًا لكن في صورة متحضرة.
يفرض علينا الواقع أن نخوض نحن أيضًا هذه الحرب المتحضرة. علينا دائمًا أن نُظهر الرقي والإنصاف والتحضر في كل تعاملاتنا لكن لو ألزمنا أنفسنا التزامًا صارمًا بهذه المبادئ في السر والعلم يسحقنا من ليسوا من السذاجة ليلتزموا بها، وكما كتب رجل الحاشية والدبلوماسي الشهير نيقولو ميكافيللي عن ذلك: «من يلتزم بالطيبة طوال الوقت يسحقه المد لهائل من الأشخاص الذين ليسوا طيبين». في الحاشية كانت تستعر تحت السطح الراقي والمهذب مراجل من المشاعر السوداء من الجشع والحسد والشهوانية والحقد. ما زالت هذه المشاعر تضطرب داخلنا كما كانت لدى من قبلنا. واللعبة ذاتها لم تتغير؛ من الخارج عليك أن تظهر التلطف لكن من الداخل عليك إلا إن كنت معتوهًا أن تتعلم الاحتراس والدهاء وأن تفعل ما نصح به نابليون: أن تضرب بقبضة من الحديد في قفاز من الحرير. الأمر هو ذاته كما كان في حاشية القدماء: إن أتقنت مهارات المراوغة والإبهار والخداع واستدراج من حولك لفعل ما تريد وتفوقت على منافسيك في المكر تنال السطوة وتجعل الناس ينحنون لإرادتك دون أن يفهموا ما فعلت لهم، وطالما لا يفهمون تحركاتك فلن يستاؤوا ولن يقاوموا سطوتك.
[السطوة أشبه بالمرأة الفاتنة سيئة السمعة؛ يطلبها الجميع ويتبرأ منها الجميع].
هناك من يصفون السعي للسطوة بأنه حكر على الأشرار والطغاة الذين يفسدون في الأرض. يتظاهر هؤلاء بأنهم «غلابة» ليس لهم في لعبة السطوة. احذر منهم ولا
تنخدع بكلامهم لأنك ستجدهم من أبرع الناس في لعبة السطوة وما ادعاءاتهم هذه إلا استراتيجية تخفي بمهارة طبيعة ما يقومون به من تلاعب؛ يُظهرون أن ضعفهم وافتقادهم للسطوة ناتج عن طيبتهم والتزامهم بالأخلاق ويفعلون ذلك لكسب احترام الناس وتعاطفهم، لكن «الغلابة» الحقيقيين لا يروجون لضعفهم ولا يتاجرون به؛ بل إن إظهار الضعف يعد من الاستراتيجيات الأكثر مهارة وفعالية لاكتساب السطوة (انظر القاعدة 22: استخدم تكتيك الإذعان لتحول ضعفك إلى قوة).
من الاستراتيجيات الأخرى التي يستخدمها من ينكرون سعيهم للسطوة الدفاع بحماس عن المساواة بين الناس في كل شئون الحياة مهما كانت إمكاناتهم وقدراتهم؛ لكن المساواة لا تحل فساد السطوة بل تزيده سوءًا لأنها تعني تجاهل حقيقة أن الله رفع الناس بعضهم فوق بعض درجات حسب قدراتهم، وأن فرض المساواة يعني الرفع من شأن الأقل مهارة والحط من شأن المتميزين. مرة أخرى نقول أن هذا الادعاء ليس إلا استراتيجية يستخدمها هؤلاء ليخدموا مصالحهم بإعطاء مكانة خاصة لأمثالهم ومؤيديهم من «الصالحين».
لكن يمكنك بالفعل أن تتجنب السطوة بالصراحة المخلصة والصدق في التعبير عن كل ما في قلبك، فذلك يناقض الخداع والتكتم الذين لا غنى عنهما في لعبة السطوة. لكن الصراحة تجرح الكثيرين وتؤذيهم وتجعلهم يكيدون لك في الخفاء، ولن يصدقوا أبدًا أتن صراحتك ليست حيلة لتحقيق مصالحك الشخصية، وهم في ذلك لا يتجنون عليك تمامًا لأن استخدام الصراحة كاستراتيجية يعد من الحيل البارعة لرفع قدرك عند الناس وإقناعهم بنيل خصالك ونقاء قلبك وإنكارك لذاتك، كما أنه من الوسائل القوية للحط من شأن خصومك وتدمير مكانتهم لدى الآخرين.


أخيرًا قد يتظاهر من ينكرون انخراطهم في لعبة السطوة بأنهم أبرياء ساذجون لا يقدرون على الكيد والخداع. احذر مجددًا من أن التظاهر بالبراءة يعد هو الآخر من الحيل البارعة في الخداع (انظر القاعدة 21: استدرج فرائسك بالتظاهر بأنك أقل منهم دهاء). بل حتى البراءة الصادقة لا تخلو من حيل للسطوة، فحتى الأطفال وهم أكثر الناس براءة يعرفون كيف يتلاعبون بالكبار ليحققوا لهم ما يريدون كما يحقق الأبرياء الحقيقيون من الكبار سطوة كبيرة لأن براءتهم تؤثر في الناس دون حاجة لتعقيدات المكر والتدبير. لكن عليك أن تعلم أن من يبرعون في التظاهر بالبراءة غالبًا ما يكونون أقل الناس براءة.
يمكنك أن تتعرف بسهولة على من يتبرؤون من اللعب للسطوة من تباهيهم بالتقوى والورع والفضيلة، لكن لو تأملتهم جيدًا لوجدتهم مثلنا جميعًا متعطشين للسطوة بل أنهم من أمهر اللاعبين من أجلها، وما استعراضهم المسرحي للتقوى إلا وسيلة لذر الرماد في العيون حتى لا يكتشف الآخرون حيّلهم. بعض هؤلاء لا يشعرون بالفعل أنهم يتلاعبون من أجل السطوة، وإن واجهتهم بالألاعيب والحيل الواضحة التي يمارسونها طوال الوقت يفزعون ويعترضون ويتهمونك بالافتراء.
العالم حاشية عملاقة ولا يمكن لأحد أن يفر من قواعدها، ومحاولة الخروج من المنافسة لن تورثك إلا البؤس والحسرة. لا تضيّع وقتك في الجدل والتألم مما يسببه لك الواقع من مظالم، وتعلم كيف تتفوّق في اللعبة. اكتساب مهارات السطوة يمكنّك من أن تكون ما تحب أن تكون ويكسبك تقدير واحترام أصدقائك وأحبائك. وإتقانك لخصائل رجل الصفوة البارع (الواردة في القاعدة 24) يُشعر كل من يتعامل معك بمشاعر أفضل نحو أنفسهم ويجعلهم يعتمدون عليك لتحقيق السعادة والازدهار، ويجعلهم راغبين في صحبتك. تمكّنك من القواعد الثمان والأربعين الواردة في هذا الكتاب يحميك ويحمي الآخرين من خسائر التعامل بسفه مع السطوة ومن مضار اللعب بالنار دون معرفة خواصها. وطالما أن السعي للسطوة قدر فخير لك أن تتقنه عن أن تجهله أو تنكره.
لا يمكن اتقان استراتيجيات السطوة تلقائيًا ولا أحد يولد وهو يملكها؛ فهي تتطلب طريقة معينة للنظر للعالم والتدرب لسنوات لاكتساب المهارات التي تمكنك من تطبيق هذه القواعد بسهولة.
أول هذه المهارات وأهمها أن تتحكم بانفعالاتك، فالتعامل مع المواقف بانفعال هو أكبر ما يعيقك عن اكتساب السطوة. ربما يشعرك التعبير بحرية عن انفعالاتك بالراحة اللحظية لكنه يخسرك الكثير على المدى الطويل.. المشاعر تشوش العقل وتفقدك الرؤية الواضحة وهذا يمنعك من التأهب والاستجابة باقتدار لما يواجهك من تحديات.
الغضب هو أخطر الانفعالات لأنه يتصاعد كالموج ويُخرج الموقف عن سيطرتك ويزيد من عزم واستعداد أعدائك. إن اردت أن تدمر عدوًا فخير لك أن تظهر له الود حتى لا يرى ما تعده له بدلًا من الغضب الذي يجعله متأهبًا لمواجهتك.
الحب هو شعور آخر مدمر لأنه يعميك عن الألاعيب التي يقوم بها من تحب لتحقيق مصالحه. لا يمكنك أن تكبت الغضب أو الحب ومن العبث أن تحاول ذلك؛ لكن عليك أن تتعلم أن تعبر عنهما بحكمة والأهم أن لا تدعهما أبدًا يشوشان تفكيرك واستراتيجياتك.
من المهارات الهامة الأخرى مهارة ترتبط كثيرًا بالسيطرة على الانفعالات وهي قدرتك أن تحرر نفسك من أسر اللحظة الحاضرة لتنظر بموضوعية وفي آن واحد للماضي والمستقبل معًا حتى يسهل عليك أن تعرف من أين تأتيك المخاطر.
للمستقبل ارفع شعار «لن أغفل أبدًا ولن أفقد يومًا ما يقظتي» توقع دائمًا المشاكل قبل أن تحدث، وبدلًا من قضاء الوقت في تمني أن تكلل مخططاتك بالنجاح اجتهد وفكر في الهفوات والمخاطر التي قد تعيقك. كلما فكرت أكثر تزداد الخطوات التي يمكنك أن تخطط لها مسبقًا وتزداد فرصتك في تحقيق السطوة.


عليك أيضًا أن تتأمل الماضي ولكن ليس لتذكر الجروح أو لاجترار الضغائن، فنصف هذه المهارة هي أن تتخلص من التحسر على الماضي لأن ذلك يلتهمك ويشوش تفكيرك. تأمل ما مضى يعني أن تستفيد من تجاربك وتحارب الآخرين (وسوف يساعدك في ذلك الأمثلة التاريخية الكثيرة الواردة في هذا الكتاب). مع النظر للماضي عليك أيضًا أن تتأمل أفعالك وأفعال أصدقائك في الوقت الحاضر لأن هذه الخبرات الشخصية سوف تعلمك الكثير.
ابدأ بفحص الأخطاء التي أعاقتك من قبل وحللها في ضوء القواعد الثمان والأربعين واستخلص منها دروسًا، واقسم لنفسك «لن أقع أبدًا في هذه الأخطاء والشراك مرة أخرى». لو استطعت أن تقيّم نفسك بهذه الطريقة ستتمكن من التخلص من الخصال التي دفعتك لارتكاب الأخطاء وتلك مهارة هامة للغاية.
تتطلب السطوة أيضًا اتقان اللعب بالمظاهر ولكي تحقق ذلك عليك أن تتعلم التنكر في الكثير من الأقنعة واستخدام الكثير من الحيل للخداع. لا تنظر للتنكر والخداع كأفعال قبيحة أو لا أخلاقية، فالتعاملات الإنسانية المتحضرة تتطلب في كل مستوياتها ممارسة نوع من الخداع والتنكر، فإظهارك للآخرين غير ما تشعر به حقًا هو الفن الذي طورته الحضارة، وهو ما يميزنا عن الحيوانات، كما أنه من أقوى الأسلحة في لعبة السطوة.
لن تستطيع أن تتعلم التنكر ما لم تعلم نفسك أن تتحرر من شخصيتك الحقيقية وأن تكون الشخص الذي تريده في أي لحظة وأن ترتدي القناع الذي يناسب الموقف. هذا التحرر من الالتزام بمظهر محدد بما في ذلك مظهرك الحقيقي يخلصك من الأثقال التي تعيق الآخرين. درّب نفسك أن تكون كالممثل الذي يخفي بمهارة مشاعره الحقيقية ويغير تعبيرات وجهه حسب الدور الذي يقوم به. اللعب بالمظاهر واتقان فن الخداع يعدان من الجماليات الاجتماعية وهما أيضًا من الأسس التي لا غنى عنها لاكتساب السطوة.


إن كان الخداع هو أقوى الأسلحة في لعبة السطوة فإن التحلي بالصبر والتأني هو أهم دروعها. الصبر يحميك من ارتكاب التصرفات السفيهة ويُظهرك للآخرين واثقًا ومقتدرًا، وسوف يأتيك خير ما في الأمور إن منحتها الوقت وخططت بعقلانية لعدة خطوات قادمة. أما التسرع فيظهرك ضعيفًا وسفيهًا ويعد عائقًا رئيسيًا يمنع عنك السطوة.
عليك أن تتخلص تمامًا من إطلاق الأحكام الأخلاقية وأن تقيّم كل الأمور حسب ملائمتها للظروف المتاحة. السطوة مباراة وفي المباريات لا تقيس أفعال الآخرين حسب نواياهم بل حسب تأثيراتها عليك؛ فما الجدوى أن يريد أحدهم لك الخير إن كانت كل أفعاله تؤدي بك إلى الدمار؟ الناس يبررون أفعالهم دائمًا بمبررات أخلاقية ويؤكدون أنهم لم يقصدوا بها إلا الخير. تعلم أن تهزأ من داخلك بهذه المبررات وأن تتجاهلها، وأن لا تترك نفسك أبدًا لإغراء الحكم على أخلاقيات الناس من أفعالهم فهم دائمًا يغلّفون سعيهم للسطوة بغلاف جذّاب من المبررات الأخلاقية.
السطوة مباراة يتعامل فيها المنافسون البارعون بتحضر رجال الصفوة ويلتزمون بقواعد اللعبة ولا يأخذون ما يحدث بحساسية شخصية. في اللعبة تعد استراتيجياتك وتراقب تحركات خصمك محتفظًا على قدر ما تستطيع بالاتزان والهدوء، وفي النهاية تشكر منافسيك على أدبهم وليس على نواياهم الحسنة. درّب نفسك على توقع ما ينتج عن أفعال الآخرين في ضوء الظروف المتاحة ولا يشغلك عن ذلك أي شيء آخر.
[إن كان تصف النجاح في لعبة السطوة يأتي من براعتك فيما تفعله] فإن النصف الآخر يأتي مما تمتنع عن فعله أي مما لا تسمح لنفسك بالاستدراج إليه، ولكي تتقن ذلك عليك أن تعوّد نفسك على الحكم على كل الأمور بكلفتها، فكما قال نيتشه «أهمية الأشياء تُقّدر أحيانًا بما تدفعه فيها وليس بما تربحه منها». قد تجد طريقًا يحقق


لك هدفك لكن عليك أن تسأل نفسك كم سيكلفك هذا. طبّق هذه المعيار في كل أمور حياتك سواء في الشراكة مع الآخرين أو الاندفاع لنجدتهم؛ فالحياة قصيرة وفرصها شحيحة وعليك أن تبذل أقصى جهدك لتحقيق ما تريد. الوقت له أهمية كبيرة مثله مثل مواردك الأخرى فلا تهدر أبدًا وقتك وراحة بالك على شئون الآخرين فذلك ثمن باهظ ليس عليك أن تدفعه.
السطوة مباراة اجتماعية تتطلب منك القدرة على قراءة الناس وفهمهم، وكما كتب رجل الصفوة الشهير في القرن السابع عشر بالتسار جراتسيان «كثيرون من الناس يقضون أوقاتًا طويلة في دراسة الحيوانات والنباتات. أهم من ذلك بكثير أن تدرس الناس وتفهمهم لأن ذلك قد يعني الفارق بين الحياة والموت». لكي تكون منافسًا جيدًا عليك أن تكون محللًا نفسيًا جيدًا تتقن قراءة الدوافع الحقيقية للناس خلف الضباب الكثيف الذي يغلّون به أفعالهم. فهم هذه الدوافع هو اهم المهارات التي تساعدك على اكتساب السطوة لأنه يفتح لك آفاقًا كبيرة للمكر والاستدراج والتلاعب.
تعقيدات الناس لا تنتهي وقد تقضي عمرك كله دون أن تفهمها تمامًا؛ لذلك عليك أن تبدأ في تدريب نفسك من الآن. لكي تنجح في فهم الناس لا تحدد لنفسك من عليك أن تدرسهم ومن تثق بهم ثقة عمياء. لا تثق بأحد ثقة مطلقة وادرس الجميع ومنهم أصدقاءك أو حتى أحباؤك.
أخيرًا؛ عليك دائمًا أن تستخدم الطرق المراوغة وغير المباشرة للوصول للسطوة. خطط لتحركاتك ونفذها بأكبر قدر من الخفاء والمراوغة مثل كرة البلياردو التي ترتد عدة مرات قبل أن تصيب هدفها. المراوغة هي التي تجعلك تزدهر في حاشية العصر الحديث لأنها تجعلك المثل الأعلى للياقة والأدب وفي نفس الوقت الأمهر في المكر والخداع.
كتاب قواعد السطوة كتاب عملي في فنون المراوغة والاستدراج، وهو مستمد من خبرات أساتذة مارسوا اللعبة واكتشفوا أسرارها في حقب تمتد لثلاثة آلاف عام

وفي حضارات متنوعة مثل الصين القديمة وإيطاليا في عصر النهضة وغيرهما. الكتاب هو الخلاصة المركزة لهذه الحكمة التي وردت في الكتابات العبقرية لمخططين استراتيجيين (صن تسو وكلوشفيتز)، ورجال دولة ماكرين (بسمارك وتاليران)، ومحترفين في الغغواء (نينو دي لينكلو وكازانافو) وأخيرًا أبرع المحتالين في العصر الحديث (الفتى الأصفر وايل). وقد تم ترتيب هذه الحكمة في قواعد يسهل فهمها واستيعابها.
الفكرة من الكتاب بسيطة للغاية وهي أن هناك أفعال إن قمت بها تتحقق لك السطوة (بمراعاة القواعد) وإن خالفتها تفقدك السطوة أو تحرمك منها (بانتهاك القواعد). وقد أوردنا الكثير من الأمثلة التاريخية للمراعاة والانتهاك وسوف تفيدك كثيرًا لأن هذه القواعد لا تتغير في جوهرها بتغير الزمن.
توجد أكثر من طريقة لقراءة هذا الكتاب. هناك القراءة الشاملة التي تعطيك فكرة عامة عن السطوة. في البداية قد تجد أن بعض القواعد لا تخصك ولكن مع الوقت سترى أن لها تطبيقات تفيدك في حياتك، فالقواعد الثمان والأربعون مترابطة معًا كنسيج متجانس. هذا النوع من القراءة يمكنك من التعرف على الأخطاء التي كنت دائمًا ترتكبها ويساعدك في إصلاح شئونك الجارية. أما النوع الثاني وهو القراءة المدققة فسوف تلهمك التفكر بشكل مختلف تمامًا في ماضيك ومستقبلك وتعمق إدراكك لأهدافك وتصرفاتك وعلاقتك بالآخرين لفترة أطول بكثير من قراءتك الشاملة للكتاب.
الكتاب مصمم بحيث يسهل عليك تصفح ومراجعة القاعدة التي قد تحتاجها في وقت ما. فلنقل مثلًا أنك تعاني من توتر في علاقتك برئيسك ولا تعرف لماذا لا تحظى جهودك بالعرفان والترقي؛ ستجد الكثير من القواعد التي تركز على علاقة المرؤوس برئيسه وستجد حتمًا أنك تنتهك إحدى هذه القواعد. بتفحصك لملخص القواعد في فهرس الكتاب ستتعرف على القاعدة التي يجب عليك أن تركز عليها.


أخيرًا فإن هناك من سيقرئون هذا الكتاب بغرض التسلية والاستمتاع بأمجاد وإخفاقات مشاهير التاريخ، لكننا نحذر هؤلاء من أن السطوة مغوية وتفتن كل من يقترب منها، وتأخذك في نشوة التفكير في حل معضلاتها التي لا تنتهي. السطوة ممتعة لمن يأخذها بجدية لكنها تعاقب من يتعامل معها باستخفاف.
من يلتزم بالطيبة طوال الوقت يسحقه المد الهائل من الأشخاص الذين ليسوا طيبين. هكذا فإن على الأمير الذي يريد أن يحافظ على سلطته أن يعرف كيف لا يكون طيبًا ثم لا يستخدم هذه المعرفة إلا حين تتطلبها منه الضرورة.
الأمير؛ نيقولو ميكافيللي 1469. 1527


القاعدة
1
لا تُظهر أبدًا تفوقك على وليّك
الحكمة:
أشعر رؤسائك بالاطمئنان لمكانتهم وتفوقهم، ولا تجع رغبتك للتأثير فيهم تدفعك لاستعراض مواهبك أمامهم لأن ذلك على عكس ما تريد سيشعرهم بالتهديد والقلق منك. أظهر أوليائك أعلى من قدرهم الحقيقي وسوف يرفعك ذلك إلى أعلى مقامات السطوة.


انتهاك القاعدة:
كان نيقولاس فوكويه وزير خزانة لويس الرابع عشر رجلًا سخيًا يحب الحفلات والنساء والشعر، كما كان يحب المال وكان ينفقه ببذخ على حياته المسرفة. كان ماهرًا في عمله ولم يكن الملك يستغني عنه، ولذلك حين مات رئيس الوزراء جول مازارين سنة 1661 توقع فوكويه أن يخلفه لكن الملك قرر إلغاء المنصب. لذلك ولأسباب أخرى اعتقد فوكويه أنه يخسر الحظوة لدى الملك فقرر أن يستعيد تقدير الملك له بإقامة حفل لم يشهد له العالم مثيلًا من قبل. كان السبب المزعوم للاحتفال هو انتهاء فوكويه من تشييد قصره الذي أسماه فو لو فيكونت؛ لكن الغرض الحقيقي كان إظهار الإجلال للملك الذي حضر كضيف شرف للحفل.
ضم الحفل أشهر النبلاء في أوربا وبعضًا من أعظم مفكريها من أمثال لا فونتين ولا روشفوكو ومدام سفينييه، وكتب موليير مسرحية لهذه المناسبة مثّل فيها بنفسه في نهاية السهرة. بدأ الحفل بعشاء من سبع أطباق متتابعة تضم أطباق من الشرق لم يتذوقها الفرنسيون من قبل إضافة لأطباق تم إبداعها خصيصًا من أجل هذه الليلة، وقد صاحب العشاء موسيقى أوصى فوكويه بتأليفها تكريمًا للملك.
بعد العشاء بدأت جولة في حدائق القصر، كانت أرضيات ونافورات القصر إلهامًا فنيًا رائعًا لقصر الفرساي الذي بُني فيما بعد.
اصطحب فوكويه الملك الشاب شخصيًا في جولة بين الشجيرات ومزاهر الورود الموزّعة في تشكيلات هندسية جميلة. عند وصولهما لقنوات الحديقة كان عرض الألعاب النارية قد بدأ ثم تلاه عرض لمسرحية موليير. انتهى الحفل في وقت متأخر من الليل وشهد الجميع بأنه أروع ما حضروه من حفلات.
في اليوم التالي قادم دارتينيان أحد فرسان الملك بالقبض على فوكويه، وبعد أشهر تمت محاكمته بتهمة السرقة من خزانة الدولة (رغم أن معظم السرقات التي اتُهم بها كانت لصالح الملك وبأمر منه). أدين فوكويه بالتهم المنسوبة إليه وأرسل إلى أكثر السجون عزلة في فرنسا في أعالي جبال بيريني حيث قضى العشرين عامًا الأخيرة من عمره في حبس انفرادي.


التعليق:
كان الملك لويس الرابع عشر «الملك شمس» مغرورًا ومتكبرًا وراغبًا في أن يكون دائمًا في بؤرة الضوء ولم يكن ليسمح بأن يفوقه شخص آخر في المجد والتألق خاصة إن كان هذا الشخص يعمل تحت إمرته. اختار لويس خلفًا لفوكويه جان بابتيست كولبير وهو رجل معروف ببخله وبأنه يقيم أسوأ الحفلات في باريس، وقد حرص كولبير على أن يذهب أي مال يخرج من الخزانة مباشرة ليد لويس. بهذه الأموال بنى لويس قصر الفرساوي وهو أعظم حتى بكثير من قصر فوكويه؛ وقد استخدم في بنائه نفس المهندسين ومصممي الزخارف والحدائق. وفي الفرساوي أقام لويس حفلات أكثر بذخًا من الحفل الذي أفقد فوكويه حريته.
دعونا نتفحص الموقف، ليلة الحفل كان فوكويه يعرض على الملك مشاهد يتفوق كل منها على سابقه ظنًا منه أن ذلك يظهر ولاءه وتقدير للملك. كان يحسب أن ذلك يعيد إليه الحظوة ويبين للملك رقي ذوقه وعلاقاته وشعبيته ليعرف كم سيكون رئيس وزراء متميز إن عيّنه في هذا المنصب. لكن على العكس كان كل مشهد يُعرض وفي كل مرة كان فوكويه يتلقى إعجاب الحاضرين كان لويس يشعر بالغيظ من أن فوكويه يأخذ منه إعجاب أصدقائه وأتباعه ومن أنه يتباهى أمامه بثروته وسطوته. كان الحفل إهانة لكبرياء الملك. لم يبح لويس لأحد بمشاعره بل انتهز عذرًا ملائمًا ليتخلص من الرجل الذي عن غير قصد أشعره بالخور والتهديد.
يتلقى ما يشبه هذا المصير كل من يربك إحساس أوليائه بذاته أو يهدد كبرياءهم أو يقلل من تألقهم.
في بداية السهرة كان فوكويه على قمة العالم
وحين انتهت كان يرقد في القاع
فولتير، 1694- 1778


مراعاة القاعدة:
في أوائل القرن السابع عشر وجد عالم الفلك والرياضي الإيطالي جاليليو نفسه في وضع حرج، فقد كان يعتمد على هبات الحكام العظام لدعم أبحاثه وكان يفعل ما يفعله كل علماء عصر النهضة بأن يهدي اختراعاته واكتشافاته للرعاة المعروفين في وقته. في إحدى المرات أهدى بوصلة عسكرية اخترعها لدوق جونزاجا ثم أهدى كتابًا يشرح عمل البوصلة إلى أسرة المديتشي، قدّر الحاكمان الإهداء وسهّلا له الحصول على المزيد من الطلاب ليعلمهم، لكن مهما كانت روعة اكتشافاته كان الرعاة يدفعون له بالهدايا وليس مالًا. كانت تلك الحياة غير مستقرة وتبقيه تحت رحمة الآخرين، ورأى أن عليه أن يجد حلًا يخلصه من هذا الوضع الخطر.
في عام 1610 فكر جاليليو أن يستخدم استراتيجية أخرى حين اكتشف أقمار المشترى، فبدلًا من تقسيم الاكتشاف بين الرعاة مثل أن يعطي التليسكوب الذي استخدمه لأحدهم وكتابًا لآخر وهي الاستراتيجية التي كان يستخدمها في السابق قرر أن يركز حصرًا على آل مديتشي. اختار المديتشي لسبب واحد وهو أنه بعد أن أسس كوزيمو الأول سلالة المديتشي الحاكمة في عام 1540 اتخذ المشترى –وهو أقوى الآلهة في الأساطير الرومانية- رمزًا لسطوته التي تتعدى السياسة والأعمال المصرفية وتربطه بمجد روما القديم.
حوّل جاليليو اكتشافه لأقمار المشترى إلى حدث كوني يمجد عظمة المديتشي. بعد اكتشافه بفترة قليلة أعلن أن «النجوم البراقة [أي أقمار المشترى]» أباحت نفسها في السماء لتلسكوبه في نفس الوقت الذي اعتلى فيه كوزيمو الثاني العرش، وقال أن عدد الأقمار وهو أربعة يتناغم مع أبناء المديتشي (فقد كان لكوزيمو الثاني ثلاثة أخوة) وأن هذه الأقمار تدور في فلك المشترى كما يدور الأخوة الأربعة حول كوزيمو الأول مؤسس السلالة، وأن ذلك يبين أن ذلك أكثر من مصادفة فالسماء ذاتها تعلن تصاعد مجد أسرة المديتشي. بعد أن أهدى جاليليو اكتشافه للمديتشي كلّف أحد الفنانين بتصميم شعار يمثل المشترى يجلس في غمام تدور حوله الأقمار الأربعة وقدم الشعار لكوزيمو الثاني كرمز يربطه بالسماء.
سنة 1610 اختار كوزيمو الثاني جاليليو فيلسوفًا ورياضيًا رسميًا لبلاطه براتب كامل؛ وبالنسبة لعالم كانت هذه فرصة العمر فلم يعد بعدها محتاجًا لاستجداء الرعاة من جديد.
التعليق:
بضربة واحدة حقق جاليليو باستراتيجيته الجديدة أكثر مما حققه في كل سنوات التسول، السبب بسيط: كل السادة يودون أن يظهروا أكثر نبوغًا عن غيرهم من الناس.
لا يرغب السادة في العلم أو الحقيقة التجريبية أو أحدث الاختراعات، ولا يهتمون سوى بأسمائهم ومجدهم. المؤكد أن جاليليو منح المديتشي من المجد بربط أسمائهم بقوى كونية أكثر مما قد يمنحه لهم رعايتهم لأي اختراع أو اكتشاف علمي.
العلماء ليسوا مستثنين من تقلبات حياة الحاشية ومحسوبيها، فهم أيضًا يخدمون أولياء لديهم حافظات نقود، وقد تسبب قدراتهم الفكرية الكبيرة بعض القلق لأوليائهم والذين قد يشعرون بأن دوره الوحيد هو دفع النفقات –وهو عمل قبيح ومهين. منتج أي عمل عظيم يرغب في أن يظهر أكثر من مجرد ممول، يريد أن يبدو خلاقًا ومبدعًا بل حتى أن يبدو أكبر من العمل الذي يُنتج باسمه. امنح وليّك الإحساس بالمجد وليس التهديد. لم يتباه جاليليو بذكائه على المديتشي ولم يشعرهم أبدًا أنهم أقل منه بأي منظور بل أدى تشبيهه لهم بالنجوم إلى تألق بريقهم ومجدهم في كل قصور إيطاليا، فهو لم يقلل من بهاء صورة أوليائه بل جعل ألقهم يعلو فوق كل السادة الآخرين.
مفاتيح للسطوة:
لا أحد يثق بنفسه ثقة تامة فلدينا جميعًا نقائص تجعلنا بالخور والتهديد، وحين تُظهر نفسك وتستعرض مواهبك تحرك لدى الآخرين الأحقاد والحسد والمشاعر الأخرى التي يوّلدها الخور. عليك أن نتوقع ذلك. ليس عليك أن تخشى إثارة هذا الشعور بالدونية لدى الجميع، لكن يختلف الأمر حين تتعامل مع رؤسائك: فأكبر الأخطاء في لعبة السطوة هو أن تظهر تفوقك على وليك.


لا تخدع نفسك بالظن بأن الحياة قد تغيرت عن عصر لويس الرابع عشر والمديتشي، فمن يحصلون على المراكز العليا في المجتمع لا يقلون في مكانتهم عن الملوك والملكات: ويرغبون جميعًا في الإحساس بالأمان في مناصبهم والشعور بأنهم يتفوقون على كل من حولهم في الذكاء والمكر والجاذبية. هناك اعتقاد خاطئ لكنه شائع بأن إظهارك وتباهيك بقدراتك ومواهبك يجعلك تنال رضا أوليائك وثقتهم. قد يتظاهر وليك بتقدير قدراتك لكن في أول فرصة سيستبدلك بأشخاص أقل ذكاء وجاذبية وتهديدًا منك كما فعل لويس الرابع عشر بإحلاله كولبير الفاتر محل فوكويه المتألق، وسوف يفعل وليك ما فعله لويس فلن يعترف بالسبب الحقيقي ولكن سيجد عذرًا للتخلص منك ومن تهديدك لمكانته.
هناك امتدادان خفيان لهذه القاعدة عليك أن تنتبه إليهما. أولًا هناك بعض الرؤساء لديهم خور شديد في ثقتهم بأنفسهم وسيشعرون بأنك تتألق عليهم طبيعيًا ودون أن تقصد بجاذبيتك ومواهبك.
لم يملك أحد في إيطاليا في عصر النهضة مت ملكه آستوري مانفريدي أمير فاينزا من مواهب طبيعية، فإضافة لكونه أكثر أمراء زمنه وسامة كان يستطيع أيضًا أن يأسر قلوب من حوله بكرمه وروحه المرحة.
في عام 1500 استطاع سيزار بورجيا حصار فاينزا، وبعد سقوط المدينة توقع الناس أسوأ تنكيل من بورجيا قاسي القلب إلا أنه قرر العفو عن المدينة: فقد اكتفى باحتلال قلاع المدينة ولم يعدم أحدًا من مواطنيها وسمح للأمير مانفريدي بالبقاء مع حاشيته يمارسون حياتهم بحرية تامة.
لكن بعد أسابيع قليلة قاد العسكر آستوري مانفريدي إلى أحد سجون روما، وبعدها بعام تم انتشال جثته من نهر تايبر وقد رُبط حول عنقه حجر. برر بورجيا هذه الميتة الرهيبة بالادعاء بأن مانفريدي كان خائنًا ومتآمرًا، لكن الحقيقة كانت في غرور بورجيا وخوره. كان الشاب الصغير يتألق عليه دون حتى أن يحاول، فقد كانت صفاته الطبيعية كافية لأن تطفئ جاذبية وهبة بورجيا بمجرد حضوره.


الدرس بسيط: إن لم تستطع أن تتحكم بظهور جاذبيتك وتفوقك تعلم كيف تتجنب هذه الوحوش خائرة النفس من أمثال سيزار بورجيا، إما هذا أو أن تجد سبيلًا لوأد خصالك الحسنة حين تكون في حضرتهم.
الامتداد الثاني، هو أن لا تظن أبدًا أن حب رئيسك لك يسمح لك بفعل كل ما تريد. هناك آلاف الأمثلة عن أناس ذلوا بعد عزة لان توهمهم أن مكانتهم ستدوم لهم جعلهم يتجرؤون على التألق على رؤسائهم. في اليابان في أواخر القرن السادس عشر كان المقرب من الإمبراطور هديوشي رجل يدعى صن نو ركيو. كان ركيو الفنان الأفضل في طقوس حفلات الشاي والتي كانت أشبه بالهوس لنبلاء هذا العصر، وكان المستشار الأول لهديوشي، وكان له جناحًا بالقصر وكان مكرّمًا في كل أنحاء اليابان. لكن في عام 1591 ألقى هديوشي القبض عليه وحكم عليه بالموت ففضل ركيو أن ينتحر. عُرف لاحقًا السبب وراء تغير حظ ركيو: كان ركيو الذي صعد من فلاح بسيط إلى عزيز الإمبراطور قد أمر بصنع تمثال من الخشب صوره يرتدي حذاءً مميزًا (وكان ذلك علامة على النبل والمكانة) ويقف بخيلاء في مكان بارز داخل بوابات القصر على مرأى واضح من الأسرة الملكية حين كانوا يعبرون الطريق. رأى هديوشي أن هذا يدل على أن ركيو لم يعد يعرف حدوده. التكريم الذي حصل عليه ركيو أنساه أن مكانته تقوم على رضا الإمبراطور عنه وأوهمه أنه نال ذلك بجهده، وكان هذا خطأ لا يغتفر في تقدير وضعه دفع ثمنه حياته. تذكر دائمًا: أن مكانتك لن تدوم لك مهما فعلت، ولا تدع نشوتك بما تنال من حظوة تسيطر عليك وتصيبك بالغرور.
معرفتك بمخاطر تباهيك وتألقك على رئيسك يمكّنك من أن تستخدم هذه القاعدة لصالحك. أولًا عليك أن تتملق وتطري على رئيسك. التملق الصريح يفيدك لكن له حدود فهو مباشر وفج ويفسد علاقتك بأندادك، أما التملق الحاذق فهو أقوى بكثير. مثلًا إن كنت أذكى من رئيسك اجعله يبدو أذكى منك، تصرف


بسذاجة واجعله يشعر أنك محتاج لخبرته، افتعل ارتكاب أخطاء لا تضرك على المدى الطويل واسأله العون، فالرؤساء يحبون هذه المطالب، والرئيس الذي لا يشعر أنه يعطيك خبرته سيعطيك بدلًا منها الحقد والضغينة.
إن كانت أفكارك أكثر إبداعًا من أفكار رئيسك انسبها إليه على الملأ، واظهر للجميع أن إبداعاتك مستمدة من توجيهاته.
إن كنت تتفوق على رئيسك في خفة الزل والحضور فلا مانع من أن تلعب دور مهرج الحفل الذي يلّطف الأجوار؛ لكن احرص على أن لا تلفت الانتباه وتجعل الناس يرون رئيسك كئيبًا ومملًا مقارنة بك. خفف دعاباتك عند الضرورة وتحرى الطرق التي تجعل الحاضرين يرونه ممتعًا وظريفًا. إن كنت أكثر لباقة واجتماعية من رئيسك احرص على أن لا تكون كالغيم الذي يحجب إشعاعه. اجعله يبدو كالشمس التي يدور حولها الآخرون مشرقًا بالسطوة والتألق ومحلًا لانتباه الجميع.
إن أظهرت له أنك تبذل كل ما تستطيع لإرضائه وبدا له أن قدراتك محدودة فسوف تنال تعاطفه وإعجابه؛ أما محاولة إبهاره بكرمك ومواهبك فقد تدمّرك. تعلم الدرس من فوكويه أو استعد لتحمل العواقب.
ليس من الضعف أن تخفي قوتك لأن ذلك يورثك السطوة في النهاية. وسماحك للآخرين بإظهار تألقهم عليك سيمنحك السيطرة ويحميك من غدر خورهم، ويساعدك على الارتفاع إن كانت أصولك متواضعة. افعل ما فعل جاليليو واجعل رئيسك يتألق في عيون الآخرين وسوف يراك هبة من السماء ويظل يقرّبك ويرّقيك باستمرار.
الصورة:
النجوم في السماء
في أي لحظة لا يمكن إلا لشمس واحدة أن تسطع. لا تحجب أبدًا نور الشمس أو تنافسها ألقًا، قف خفيًا في السماء واعمل على أن يشع نجم رئيسك باهرًا.



اقتباس من معلم: لا تظهر أبدًا تفوقك وتألقك على وليك. التعالي مكروه دائمًا ولكن تألقك على رئيسك ليس غباء فحسب لكنه قاتل. تعلم من نجوم السماء فهي لا تقل عن الشمس في جوهرها أو إشعاعها ولكنها تخفت ولا تُظهر نفسها أبدًا حين تشرق الشمس في السماء. (بالتسار جراتسيان، 1601- 1658).
عكس القاعدة:
ليس عليك أن تخشى من استياء جميع من تقابلهم لكن عليك أن تكون انتقائيًا في قسوتك، إن كان رئيسك نجمًا آفلًا فلا أن تخشى من إظهار تفوقك عليه، ولا تكن رحيمًا معه –فهو لم يتردد عن ذلك في صعوده إلى القمة. قدّر قوته وإن وجدته ضعيفًا اعمل في الخفاء على التعجيل بسقوطه: وفي اللحظة القاتلة اظهر تفوقك عليه في الكفاءة والحضور والذكاء. لكن إن وجدته ضعيفًا للغاية وعلى حافة الانهيار اتركه يسقط وحده ولا تجازف بإظهار تفوقك عليه لأن ذلك يجعلك تبدو في عيون الآخرين حاقدًا ودنيئًا. وإن وجدت رئيسك راسخًا في مركزه ورأيت أنك أكفأ منه فلا تتعجل وانتظر بصبر حتى تأتي لحظتك المواتية. سُنة الطبيعة هي أن كل سطوة تخفت وتذبل، وفي النهاية سوف يسقط رئيسك وإن أدرت اللعبة بكفاءة ستستمر بعده ويومًا ما ستفوقه ألقًا ومكانةً.


القاعدة
2
لا تثق كثيرًا في أصدقائك
وتعلم أن تستفيد من أعدائك
الحكمة:
أحذر الأصدقاء لأنهم أول من يخونك بدافع الحسد، كما أن الصداقة تفسد ولاءهم وتجعلهم يتسلطون عليك. لكن إن وظفت من كان يومًا ما عدوك فإنه سيسعى أن يثبت لك جدارته وولاءه وسيكون أوفى من الأصدقاء. الحق أن أذى الصديق دائمًا أشد وأخطر بكثير من أذى العدو، وعليك إن لم تجد لك عدوًا أن تصطنع عدوًا.


انتهاك القاعدة:
في منتصف القرن التاسع الميلادي اعتلى عرش الإمبراطورية البيزنطية شاب اسمه مايكل الثالث؛ خليفة لأمه الإمبراطورة تيودورا التي أُطيح بها وحُكم عليها بالنفي إلى أحد الأديرة بعد أن قُتل عشيقها تيوكتيتوس. كان على رأس مؤامرة عزل تيودورا وتنصيب مايكل بارداس عم مايكل وكان رجلًا داهية وطموحًا. كان مايكل شابًا عديم الخبرة محاطًا بالمتآمرين والقتلة والانتهازيين، وكان في حاجة في مثل هذه الظروف الخطرة إلى أحد يثق به ليعينه مستشارًا فاتجه بفكره إلى باسيليوس صديقه الحميم. لم تكن لدى باسيليوس أي فكرة عن الحكم أو السياسة –فلم يكن وقتها سوى المسئول عن حظائر الخيول الملكية لكنه كان قد أثبت حبه وإخلاصه لمايكل في مناسبات عديدة.
كان مايكل قد التقى باسيليوس قبل ذلك بسنوات أثناء زيارته لحظائر الخيل حينها فر أحد الخيول البرية وهاجم مايكل. تدخل باسيليوس وكان وقتها شابًا ويعمل سائسًا في الحظائر الريفية بمقدونية وأنقذ حياة مايكل. أُعجب مايكل بقوة وشجاعة هذا السائس فرفعه فورًا من حضيضه كمدرب للخيل وعيّنه رئيسًا للإسطبلات الملكية، وأرسله إلى أرقى المدارس في بيزنطة، وبسرعة أصبح هذا الريفي الخامل رجل صفوة مثقفًا ومتأنقًا.
حين اعتلى مايكل العرش لم ير أن أحدًا يمكن أن يأتمنه على مهام الحاجب والمستشار أنسب من هذا الشاب الذي يدين له بكل شيء.
تم تدريب باسيليوس على متطلبات الوظيفة وأحبه مايكل كأخ له، وتجاهل نصيحة من أشاروا عليه بتعيين بارداس الداهية الأكفأ للمهمة، فلم يكن يثق ولا يطمئن إلا لصديقه الصدوق.
تعلم باسيليوس جيدًا وأخذ ينصح الإمبراطور في كل شئون الدولة. المشكلة الوحيدة كانت المال –فلم يكن باسيليوس يشبع منه أبدًا، فمعايشته لبذخ حياة

القصور البيزنطية جعله متعطشًا لخيلاء السطوة. ضاعف مايكل راتبه مرتين ثم ثلاث وكرّمه كنبيل وتخلى له عن محظيته الخاصة يودوكسيا إنجرينا. كان مايكل يسعى لإرضاء مستشاره وصديقه الحميم بأي ثمن، لكن كل ذلك لم يشبع باسيليوس أو يرضي طموحه؛ فالمشكلات الحقيقية كانت لا تزال تختمر. كان بارداس قائدًا للجيوش، وبدأ باسيليوس يقنع مايكل أن عمه يطمح للمزيد وأن تآمره لتنصيبه إمبراطورًا لم تكن إلا لرغبة منه في التحكم بابن أخيه حتى يستطيع أن يتآمر من جديد ويتخلص من مايكل ويتوّج نفسه إمبراطورًا، وظل يحقن سمومه في أذن مايكل حتى وافق على اغتيال عمه. أثناء أحد سباقات الخيل اقترب باسيليوس من بارداس وطعنه طعنات قاتلة وسط الزحام. بعدها بقليل طلب باسيليوس أن يخلف بارداس على قيادة الجيش حتى يتمكن من فرض الاستقرار على المملكة ويردع التمرد، وقد حقق له مايكل ما طلب.
بمرور الوقت كانت ثروة وسطوة باسيليوس قد تضخمت كثيرًا. بعد بضع سنوات مر مايكل بضائقة مالية بسبب إسرافه وتبذيره وطلب أن يرد له باسيليوس بعض الأموال التي كان يقترضها منه طوال فترة صداقتهما. كانت صدمة كبيرة لمايكل أن يرفض باسيليوس طلبه بنظرة تمتلئ بالوقاحة فأدرك فجأة حجم المأزق الذي صنعه لنفسه؛ فمن كان سائسًا للحظائر أصبح يمتلك الآن مالًا وحلفاء في الجيش ومجلس الشيوخ وفي الإجمال سطوة أكبر مما يمتلكها الإمبراطور نفسه. بعدها بأسابيع استيقظ مايكل ليلًا ليجد نفسه محاطًا بالجنود بينما باسيليوس يراقبهم وهم يطعنونه حتى أردوه قتيلًا. نصّب باسيليوس نفسه إمبراطورًا وطاف بحصانه شوارع بيزنطة ممسكًا برأس الرجل الذي أحسن إليه واتخذه صديقًا حميمًا مثبتة على طرف رمح.
التعليق:
علّق مايكل الثالث مستقبله على الظن بتقدير واعتراف باسيليوس بمعروفه وإحسانه. من المؤكد أن باسيليوس كان يخدمه بإخلاص لأنه كان مدينًا له بثروته

وتعليمه ومنصبه؛ لكن بمجرد أن شعر بطعم السطوة أصابه الشره للمزيد. كان على مايكل أن يلبي كل مطالبه كي يحتفظ برضاه ومحبته، ولم يدرك فداحة الخطأ الذي ارتكبه إلا في اليوم المصيري الذي أيقظته فيه الابتسامة الوقحة والمهينة على وجه باسيليوس.
يومها عرف مايكل أنه قد صنع وحشًا؛ أذاق الرجل نشوة السطوة وغذّاها بتحقيق كل مطالبه. وحين ثقل على نفس باسيليوس ما ناله من إحسان فعل ما يفعله معظم الناس في مثل هذا الموقف: أنكر أن يكون ما ناله تفضلًا بل حقوقًا اكتسبها بجدارته.
لحظة أدرك مايكل الحقيقة كان لا يزال لديه القدرة على إنقاذ نفسه ولكن الصداقة والحب تعميان كل إنسان عن مصالحه. لا أحد قد يتصور صديقه خائنًا، وظل مايكل لا يتصور ذلك حتى اليوم الذي انتهى فيه ورأسه معلقًا فوق رمح.؟
اللهم ارحمني من أصدقائي، أما أعدائي فأنا كفيل بهم
فولتير، 1694. 1778
مراعاة القاعدة:
بعد سقوط سلالة هان (222 ميلادية) ظل التاريخ الصيني لقرون يشهد نسقًا واحدًا متكررًا من الانقلابات الدموية العنيفة واحدًا بعد الآخر: كان رجال الجيش يتآمرون لقتل الإمبراطور الضعيف ليحل محله على عرش التنين الصيني قائد عسكري قوي، بعدها يتوّج القائد نفسه إمبراطورًا ويبدأ سلالة حاكمة جديدة وليضمن نجاته يقتل أنداده من القادة العسكريين، وبعد سنوات يتكرر النمط ذاته فيصعد قادة جدد ينقلبون ضده ويغتالونه هو أو من يخلفه من أبنائه. كان عليك لتكون إمبراطورًا في الصين أن تقبل أن تظل وحدك محاطًا بحشود من الأعداء –كان وضع الإمبراطور أقل الأوضاع سطوةً وأمانًا في المملكة.


سنة 959 ميلادية تم تتويج القائد شساو كوانج ين إمبراطور باسم صانج. كان يعرف المخاطر بأنه قد يتعرض للقتل خلال عام أو عامين، وأخذ يفكر كيف يكسر هذا النسق من التآمر والانقلابات، وجاء قراره سريعًا بعد تتويجه أن يعد مأدبة للاحتفال بالسلالة الجديدة دعا إليها القادة الأكثر سطوة في الجيش. بعد أن تجرعوا الكثير من الخمر أمر بصرف الحراس والجميع فيما عدا لجنرالات والذين خشوا أن ينقض عليهم الإمبراطور ويقتلهم جميعًا، إلا أنه خاطبهم قائلًا «مر اليوم بكامله مليئًا بالخوف ولا أشعر بالسعادة لا على مائدتي ولا في فراشي. فمن منكم لا يرغب في العرش؟ لا أشك في ولائكم لكن إن سنحت لأحدكم الفرصة أن ينزع عني هذا الرداء الإمبراطوري الأصفر ويأخذه لنفسه فمن المؤكد أنه لن يرفض». بدأ الجنرالات يرتعدون من الخوف والسكر معًا وأقسموا بولائهم وبرائتهم من هذه النوايا. لكن لم تكن لدى صانج نية لقتلهم بل قال لهم «ليس هناك حياة أفضل من أن يقضي الإنسان أيامه وادعًا يحظى بالغنى والتكريم. من يريد منكم أن يتخلى عن منصبه سأمنحه ممتلكات ومنزلًا راقيًا يتمتع فيه بغناء وملاطفة الجواري الحسان».
أدرك الجنرالات المذهولون أن صانج يمنحهم الغنى والأمان بدلًا من حياة القلق والكفاح. في اليوم التالي قدم الجنرالات جميعًا استقالتهم وتقاعدوا كنبلاء للتمتع بالممتلكات التي نحها لهم صانج.
بضربة واحدة استطاع صانج أن يحيل زمرة الذئاب «الصديقة» الذين يعرف أنهم قد يخونوه في أي لحظة إلى حملان وادعة بعيدة عن أي سطوة.
في السنوات التالية استمر صانج في حملته لترسيخ حكمه، وفي عام 971 ميلادية استسلم له الملك ليو من أسرة هان الجنوبية بعد سنوات من التمرد. لدهشة ليو منحه صانج لقبًا في البلاط الإمبراطوري ودعاه لقصره لشرب الأنخاب احتفالًا بصداقتهما الجديدة. حين تناول ليو الكأس التي قدمها له صانج تردد وحشي أن تكون مسمومة، وصاح قائلًا «جرائم خادمك تستحق جزاء الموت بالتأكيد، لكني أتوسل جلالتكم أن تعفو عني، وتعفيني من شرب هذه الكأس». ضحك


الإمبراطور صانج وأخذ الكأس من ليو وشربها. لم يكن هناك سم ومن يومها أصبح ليو الصديق الأكثر ثقة وولاء لصانج.
في هذه الفترة كانت الصين مفتتة إلى ممالك صغيرة، وحين انهزم شيان شو ملك إحدى هذه الممالك نصح الوزراء صانج أن يسجن هذا المتمرد، وأتوا بوثائق تثبت أنه مازال يتآمر لقتل الإمبراطور. لكن حين أتى شيان شو لزيارة صانج لم يسجنه بل أكرمه وأحسن استقباله وأعطاه صندوقًا طلب منه أن يفتحه حين يصل إلى منتصف طريق عودته. حين فتح شيان شو الصندوق وجد كل المستندات التي تثبت تآمره. علم أن صانج كان يعرف كل خطط الاغتيال ومع ذلك عفا عنه، وقد تأثر بهذا الكرم وأصبح هو أيضًا من ولاة صانج المخلصين.
التعليق:
يشبه أحد الأمثال الصينية الأصدقاء بأنياب وأسنان الحيوان المفترس: إن لم تحذرها ستجدها تنهش لحمك. كان الإمبراطور صانج يعرف أن هذه الأنياب تترصد له بعد أن استولى على العرش، فقد كان «أصدقاؤه» بالجيش على استعداد لمضغه كاللحم وإن نجا منهم سيتعشى به «أصدقاؤه» في الحكومة. أنهى صانج روابطه مع «الأصدقاء» وأبعدهم عنه برشوة الجنرالات بممتلكات رائعة، وتلك كانت طريقة أفضل كثيرًا لإضعاف تأثيرهم من قتلهم والذي كان سيحفز الجنرالات الآخرين للأخذ بالثأر منه. كذلك لم يختر له وزراء من «المتوددين» لأن ذلك سينهي حياته كما كان يحدث عادة بوضعهم السُم في شرابه.
بدلًا من الاتكال على الأصدقاء استفاد صانج من أعدائه، فبينما يظل الصديق يتوقع المزيد والمزيد من الحظوة ويضطرب قلبه بالحسد، لم يكن هؤلاء الأعداء يتوقعون منه شيئًا ومنحهم كل شيء. الرجل الذي يُعفا عنه من الموت بالمقصلة يكون على استعداد لأن يذهب إلى نهاية الأرض لصالح الرجل الذي عفا عنه ورد له حياته. مع الوقت، أصبح هؤلاء الأعداء أصدقاء صانج الموثوقين.

في النهاية استطاع صانج أن يحطم النسق القديم من الانقلابات والعنف والحرب الأهلية –واستطاعت سلالته أن تحكم الصين لثلاثمائة عامًا.
في خطاب لإبراهام لنكولن في ذروة الحرب الأهلية ورد وصفه للجنوبيين بأنهم «إخواننا من البشر أخطأوا». وبّخته عجوز لعدم وصفهم بالأعداء الذين لا يمكن الصلح معهم والذين عليه أن يمحقهم، فأجابها «لم سيدتي، أوليس جعل الأعداء أصدقاء هو محق لأعدائي؟».
مفاتيح للسطوة:
من الطبيعي أن ترغب في توظيف أصدقائك حين تكون في حاجة لمن يعينك، فالعالم مكان موحش والأصدقاء يخففون من وحشته، كما أنك تعرفهم، وقد تتساءل لماذا تستعين بغرباء حين يكون لديك أصدقاؤك؟
المشكلة أنك لا تعرف أصدقاءك بالقدر الذي تظنه، فالأصدقاء غالبًا ما يتظاهرون باتفاقهم على الأمور لتجنب الخلافات، ويخفون خصالهم البغيضة حتى لا يغضب أحدهم من الآخر، ويبالغون في الضحك على دعابات بعضهم البعض. ولأن الصراحة غالبًا ما تضعف الصداقة فليس من السهل أبدًا أن نعرف المشاعر الحقيقية لأصدقائنا، فأصدقاؤك قد يقولون أنهم يحبون شِعرك أو يعشقون موسيقاك أو ينبهرون بذوقك في انتقاء الملابس؛ وقد يعنون ذلك أحيانًا لكن في الغالب يقولونه لإرضائك.
حين تقوم بتوظيف صديق تكتشف تدريجيًا الخصال التي كان يخفيها، وستعجب حين تجد أن عطفك وأفضالك عليه هي أكثر ما تفسد الأمور بينكما، فكل إنسان يحب أن يفتخر بأنه حقق نجاحه بجدارته ولا أحد يحب من داخله أن يمن عليه صديقه بمركزه ومكانته. هناك مسحة من التعالي في توظيف صديقك تجعله يشعر في أعماقه بالتجريح والمرارة، وسيزداد بالتدريج تعبيره عن هذه المرارة في تصرفات تتسم بالصراحة الفجة أو بالاستياء أو حتى الحسد وكراهية نجاحك، وقبل أن تدرك حقيقة ما يحدث ستكون صداقتكما قد انتهت، وإن حاولت أن تستعيدها


بمنحه المزيد من الهدايا أو الأفضال فلن تجد منه إلا المزيد والمزيد من الجحود والنكران.
جحود وغدر الأصدقاء معروفان منذ زمن طويل، ونعجب أن الناس لا يزالون غافلين عن هذه المخاطر. وستكتشف أن حذرك في التعامل مع أصدقائك وعدم توقع العرفان والإخلاص منهم يمكّنك من الاحتفاظ بصداقتهم وباحترامهم وتقديرهم لك.
مشكلة توظيف الأصدقاء أنها تقلل حتمًا من سطوتك، فالأصدقاء نادرًا ما يكونون أكفأ من ينجز لك أعمالك. عليك بصفة عامة أن تقدر الكفاءة والبراعة أكثر من الصداقة (كان بين يدي مايكل الثالث وقريب منه رجل قادر على إدارة الأمور لصالحه وعلى حمايته من الموت غدرًا: ذلك الرجل هو بارداس).
كل مواقف العمل تتطلب قدرًا من الجفاء بين الناس، فالأعمال يتطلب الإنجاز وليس الود، والتودد (سواء كان صادقًا أم كاذبًا) يعكر هذا الجفاء العملي. أحد المفاتيح الهامة للسطوة هو أن تعرف من يفيد مصالحك في كل موقف، وأن تحتفظ بالأصدقاء للصداقة وأن تستعين لإنجاز أعمالك بالمهرة والأكفّاء.
من ناحية أخرى، أعداؤك منجم من الذهب عليك أن تستغله. في عام 1807 حين أردك تاليران وزير خارجية نابليون أن الإمبراطور يقود فرنسا نحو الهلاك كان عليه أن يفعل شيئًا ولكنه كان يعرف مخاطر التآمر ضد الإمبراطور وكان يحتاج شريكًا يثق به –وبالطبع لم يكن من الغباء أن يستأمن أصدقاءه على هذا السر، اختار بدلًا منهم جوزيف فوشيه رئيس الشرطة السرية عدوه اللدود الذي تآمر ذات مرة لاغتياله. كان يعرف أن عداوتهما القديمة ستجعل من ذلك فرصة للتصالح، كما أنه لا يدين بشيء لفوشيه بل كان عليه أن يثبت لتاليران حسن نواياه ومثل هذا الدافع يجعل من تتعامل معه يحرّك الجبال لكسب ودك. أخيرًا كان يعلم أن علاقته بفوشيه تقوم على المصالح المتبادلة ولا تعكرها المشاعر الشخصية. أثبت الاختيار براعته،


فعلى الرغم من أن المؤامرة لم تنجح في الإطاحة بنابليون إلا أن تآمر هذين الرجلين القويين أضعف مكانة الإمبراطور وأطلق معارضة قوية ضده، ومنذ ذلك اليوم أثمرت العلاقة بين تاليران وفوشيه عن تحالف فعّال قوّى شوكتيهما كثيرًا. في الوقت المناسب عليك أن تدع السيف الذي بينك وبين عدوك وأن تستدرجه ليعمل لصالحك.
وكما قال إبراهام لنكولن يمكنك أن تمحق عداء عدوك بأن تجعله صديقًا. في عام 1971 أثناء حرب فيتنام تعرض هنري كيسنجر لمحاولة فاشلة لاختطافه وكان من بين المتورطين رجال دين ناشطون في عداء الحرب هم الأخوة بريجان وأربعة قساوسة كاثوليك وأربع راهبات. في السر ودون إطلاع الشرطة السرية أو وزارة العدل رتّب كيسنجر اجتماعًا صباحيًا مع ثلاثة من المتهمين وقد تأثر ضيوفه كثيرًا حين أخبرهم أنه ينوي إخراج كل الجنود الأمريكيين من فيتنام بحلول منتصف سنة 1972، وفي الختام قدموا إليه الشكر والهدايا وظل أحدهم صديقًا له لسنوات يعوده فيها بالزيارة. لم تكن تلك حادثة منفردة في مسار كيسنجر: فقد كان معروفًا أن من سياسته العمل مع من يختلفون معه، وكان زملاؤه يرددون أنهم يرون أنه يتفاهم مع أعدائه بشكل أفضل من تفاهمه مع أصدقائه.
وجود الأعداء يفيدك حتى إن لم تحوّلهم إلى أصدقاء أو حلفاء، بدون الصراع [ودفع الله الناس بعضهم ببعض] تتراخى الهمم وتتكاسل الأذهان، أما وجود الأعداء فيجعلك دائمًا يقظًا ومتأهبًا.
كان ماو تسي تونج يرى في الصراع وسيلته لاكتساب السطوة. في عام 1937 حين احتل اليابانيون الصين توقفت الحرب الأهلية التي كانت تدور بين الشيوعيين بقيادة ماو وأعدائهم من القوميين.
اقترح بعض القادة الشيوعيين أن يتركوا القوميين يحاربون اليابانيين الأقوياء وأن يستفيدوا هممن الوقت في التعافي وحشد الأنصار. رفض ماو هذا الرأي لأنه كان يعرف أن اليابانيين سينهزموا في النهاية لأنهم لن يستطيعوا أن يحتلوا بلدًا متسعًا

كالصين لفترة طويلة، وإن ظل الشيوعيون خاملين بلا قتال لهذه السنوات سيصيبهم الفتور والتراخي ولن يتمكنوا من استئناف الصراع مع القوميين. كانت مواجهة عدو قوي كاليابان ستوّحد الجيش المهلهل للشيوعيين وتدّربهم على تركيز ضرباتهم. وافق القادة على خطة ماو، وحين انسحب اليابانيون لاحقًا كانت لدى الشيوعيين الخبرة القتالية الكافية لهزيمة القوميين.
في مرحلة متأخرة تقدم دبلوماسي ياباني باعتذار لماو عن غزو بلاده للصين، فقاطعه ماو «أوليس الأنسب لي أن أشكرك؟» وشرح للزائر أنه بدون عدو كفء لا يمكن لأي كيان سواء فرد أو جماعة أن يقوى ويرّسخ مكانته.
كانت استراتيجية ماو في الصراع المستمر تقوم على ثلاثة عناصر أساسية. أولًا أن لا تدخل صراعًا أو نزاعًا مع أحد إلا إن كنت واثقًا من الانتصار في النهاية كما كان ماو واثقًا من أن اليابانيين سوف ينهزمون بعد حين. ثانيًا؛ إن لم يكن لك عدو واضح ومعلم تخير عدوًا ملائمًا أو حتى اجعل من أحد أصدقائك عدوًا. وقد استخدم ماو هذه التقنية كثيرًا طوال مساره السياسي. ثالثًا؛ أن تستخدم صراعك مع أعدائك لعرض مبادئك وأهدافك على الجمهور وأن تظهره لهم على أنه صراع الخير ضد الشر. وقد شجع ماو على خصومة الصين مع الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة؛ وبدون هذه الخصومة لم يكن الشعب الصيني سيعرف تحديدًا ما تعنيه الشيوعية الصينية، فخوض الصراع مع أعداء تختارهم يعرض أهدافك ومبادئك للناس بوضوح أبلغ من أي كلمات.
لا تجعل وجود الأعداء يحبطك أو يحط من عزيمتك، فأداؤك مع وجود خصم أو اثنين تعرفهم جيدًا يكون أفضل من التعامل مع أعداء حقيقيين لا تعرف من أين يأتونك. رجل السطوة لا يخشى الصراع ويستفيد من أعدائه في نشر صورة عن نفسه كمحارب ثابت الجأش يمكن الاعتماد عليه في مواقف الحيرة والتشكك.


الصورة
أنياب الغدر والجحود
أنت تعرف بالقطع ما قد يحدث لك إن وضعت إصبعك في فم الأسد ولذلك تحذر من فعل ذلك. لكن مع أصدقائك لا يكون لديك مثل هذا الحذر وإن وظفتهم يفترسونك حيًا بالغدر والجحود.
اقتباس من معلم: تعلّم كيف تجعل أعداءك يعملون لصالحك تمامًا كما تسّخر السيف للدفاع عنك بإمساكه من مقبضه وليس من نصله الجارح. الحكيم يستفيد من أعدائه أكثر مما يستفيد الأحمق من أصدقائه (بالتسار جراتسيان، 1601- 1658).
عكس القاعدة:
على الرغم من أنه من الأفضل عامة أن لا تخلط بين الصداقة والعمل هناك أوقات يفيدك فيها توظيف الصديق أكثر من الاستعانة بالعدو. كل رجل سطوة مثلًا يضطر أحيانًا للقيام بأعمال قذرة وليحافظ على مظهره يفضل عامة أن يستعين بآخرين ليقوموا عنه بهذه الأعمال، والأصدقاء غالبًا هم خير من يقوم بهذا الدور لأن مشاعرهم نحوك تجعلهم مستعدين للمخاطرة، وإذا فشلت مخططاتك وافتضحت أساليبك لأي سبب سيسهل عليك استخدام أحد أولئك الأصدقاء ككبش فداء. كانت «التضحية بالأعزاء» من الخدع المعروفة التي يستخدمها الملوك والحكام حيث كانوا يحمّلون أصدقائهم المقربين وزر أخطائهم لأن العوام لم يكونوا ليصدقوا أن الحاكم سيدبر عمدًا التضحية بصديقه لهذا الغرض. من المؤكد أن اللعب بهذه الورقة يفقدك صديقك للأبد، لذا فمن الأفضل أن تترك هذا الدور لشخص مقرّب ولكن ليس حميمًا تمامًا.
أخيرًا، فإن مشكلة العمل مع الأصدقاء أنه يشوش الحدود والمسافات المطلوبة لإنجاز الأعمال، لكن إن كان الشريكان يدركان المخاطر فإن الصديق غالبًا ما يعمل بكفاءة كبيرة؛ لكن لا تغفل أبدًا عن أي علامة تدل على ظهور المشاعر البغيضة بينكما كالحسد والجحود، ولا تنس أن لا شيء ثابت في عالم السطوة وحتى أخلص الأصدقاء قد يصبح ألد أعدائك يومًا ما.


القاعدة
3
استعن على تحقيق أهدافك بإخفاء مقاصدك
الحكمة:
تكتّم على مقاصد أفعالك لتربك وتحير من حولك وتمنعهم من الكيد أو الاستعداد لك، شجّعهم على الخطأ في تفسير تحركاتك. اتركهم في الظلام حتى إذا أدركوا ما أنت مقدم عليه يكون الأوان قد فات على إيذائك أو تعطيلك.


الجزء الأول: ضلل الناس بعيدًا عن مقاصدك الحقيقية بالتظاهر بأنك ترغب في شيء آخر:
إن اكتشف الناس خدعك ومكائدك تخسر كل شيء؛ فلا تمنحهم أبدًا الفرصة لمعرفة ما أنت مقدم عليه. ضلل أنوفهم عن تشمم مقاصدك الحقيقية بالتظاهر بالصدق وبالتلميحات المتعارضة وبأنك تسعى لشيء آخر غير الذي تريده، فالناس بطبيعتهم لا يفرّقون بين الزائف والحقيقي وتظاهرك برغبتك في شيء آخر تعميهم عن الذي تريده حقًا.
انتهاك القاعدة:
ظلت نينو دي لنكلو أشهر محظيات البلاط الفرنسي لعدة أسابيع تصغي باهتمام للمركيز دي سفينيه يحكي لها عن مساعيه للإيقاع بكونتيسة شابة تتسم بالجمال لكن مع حدة في الطباع. كانت نينو وقتها في الثانية والستين وكانت أكثر من خبيرة في شئون العشق؛ بينما كان المركيز غرًا في الثانية والعشرين. كان وسيمًا وجريئًا لكنه كان ساذجًا وبلا حيلة في شئون الحب. في البداية كانت نينو تضحك على ما يرويه المركيز لها من الأخطاء التي يرتكبها في التقرب من الكونتيسة لكنها سأمت في النهاية لأنها لم تكن قادرة على احتمال الخيبة والفشل في أي مجال وعلى الأخص في إغواء النساء فقررت أن تحتضن هذا الشاب وتعلمه أسرار العشق والغواية. أولًا كان عليها أن تبين له أن هذه الأمور تشبه الحرب وأن هذه الكونتيسة مثل حصن عليه أن يحاصره ويستولي عليه بحرص قائد عسكري يخطط لكل خطوة وينتبه عند تنفيذها لأدق التفاصيل.
علّمت نينو المركيز أن عليه في البداية أن يتقرب من الكونتيسة بشيء من البرود والتحفظ وأن يتعامل معها في المرة القادمة التي ينفرد بها كصديق يثق بها وليس كحبيب يطلب ودها، فذلك يشتت ذهنها عن مراده الحقيقي ويمنعها من النظر إليه وكأنه أحد أسرى هواها ويجعلها تفكر أنه قد لا يريد منها بالفعل إلا الصداقة.
بمجرد أن لعبت الحيرة برأس الكونتيسة حول ما يريده المركيز من اهتمامه بها كانت
الخطوة التالية في خطة نينو هي أن يبدأ في إشعال غيرتها. أشارت عليه عند ذهابه لأحد الاحتفالات الكبرى بباريس والتي كان سيلتقي فيها بالكونتيسة أن يصطحب معه شابة جميلة لها صديقات لسن أقل منها جمالًا بحيث لا تراه الكونتيسة إلا محاطًا بأجمل نساء باريس. لم يشعل ذلك غيرة الكونتيسة فحسب بل جعلها تراه مرغوبًا من الأخريات، ولم تكن نينو قادرة على إفهام المركيز الحكمة من ذلك لكنها شرحت له بصبر أن المرأة تحب أن ترى رجلها مرغوبًا من النساء ليس فقط لأن ذلك يرفع من قيمته بل لأنه يجعلها تشعر أنها استطاعت أن تخطفه من بين براثن الأخريات.
وفي هذه المرحلة وبعد أن تملك التعلق والغيرة من قلب الكونتيسة جاء دور التلاعب بمشاعرها. حسب تعليمات نينو بدأ المركيز يغيب عن الحفلات التي تتوقع الكونتيسة حضوره إليها ويحضر فجأة المجالس التي لم يكن يرتادها ويعرف أن الكونتيسة تتردد عليها باستمرار. كان المغزى من كل ذلك هو إرباك مشاعرها وذلك شرط أساسي لنجاح الإغواء.
استغرق تنفيذ هذه الحركات عدة أسابيع، كانت نينو تراقب فيها أداء المركيز: من خلال شبكة الجواسيس عرفت أن الكونتيسة بدأت تطيل الضحك على دعاباته والإصغاء لحكاياته وتطرح الأسئلة عنه فجأة في المناسبات الاجتماعية إذا لم يحضر وترمقه مطولًا إذا حضر. تأكدت نينو أن الكونتيسة قد استسلمت للسحر وأنه ما لم يحدث مفاجآت لم يتطلب الأمر أكثر من شهر إلى شهرين حتى يسقط الحصن.
بعد أيام كان المركيز مع الكونتيسة وحدهما في بيتها. فجأة تحول المركيز إلى شخص آخر، تجاهل تعليمات نينو وأخذ يتصرف بشغف واحتضن يدي الكونتيسة بين يديه وأخبرها عن مدى حبه لها. ارتبكت الكونتيسة وهو رد الفعل الذي لم يكن يتوقعه منها المركيز وتصرفت بتحفظ وأدب وأخذت طول السهرة تتجنب نظراته إليها واستأذنت لتنصرف ولم توّدعه عند رحيله. وفي زياراته التالية أمرت الخادم أن

يخبروه أنها ليست بالمنزل. وحين التقيا أخيرًا شعر الاثنان بثقل اللقاء وعدم ارتياح أي منهما للآخر؛ فقد أفسد السحر.
التعليق:
كانت نينو دي لنكلو تعرف كل شيء عن فنون الحب، فقد كانت في شبابها عشيقة لأعظم الكتاب والمفكرين والسياسيين في عصرها، رجال من أمثال روشفوكو وموليير وروتشيلو. كان الإغواء بالنسبة لها مباراة يجب أن تتقن بالتدريب والمهارة، وحين تقدم بها العمر وذاع صيتها كانت أهم الأسر في فرنسا ترسل أبناءها إليها لتعلمهم أسرار العشق وفنونه.
عرفت نينو أن الرجال يختلفون في أشياء كثيرة عن النساء، لكن في الإغواء يجمعهم نفس الشعور: ففي أعماق سريرتهم غالبًا ما يعرفون أنهم يُساقون للإغواء ولكنهم يسلمون أنفسهم له استمتاعًا بالشعور بأنه يتم استدراجهم، ويشعرون بلذة الاستسلام وترك أنفسهم لشخص آخر يتجول بهم في مدن العشق الغريبة. لكن الإغواء يعتمد على الإيحاء ويفسده التصريح والكلام المباشر ويتطلب منك أن تضلل من تريد بعيدًا عن نواياك الحقيقية. ولكي تدفع من تريد للاستسلام لك عليك أن تربكها بالطريقة الملائمة، بأن تجعل تلميحاتك تحتمل أكثر من معنى وتظهر وكأنك معجب بامرأة أخرى ثم يوحي لمن تريدها بأنها تعجبك ثم تعاملها من جديد بتحفظ وهكذا مرارًا. هذه الطريقة لا تربك فقط وإنما تثير.
تخيّل الأمر من منظور الكونتيسة. بعد تحركات قليلة قام بها المركيز أحست أنه يتلاعب بها بطريقة ما ولكن اللعبة أعجبتها، لم تكن تعرف إلى أين سينتهي بها الأمر لكنها كانت تحب أن يطول. كانت تحركاته تأسرها وكانت كل حركة تثير شغفها انتظارًا للحركة التالية –كانت حتى تستمع بغيرتها وارتباكها لأن المشاعر تكون أحيانًا أفضل من ملل الأمان الذي تمنحه الوحدة. ربما أدركت أن هدف المركيز في النهاية هو ما يبتغيه معظم الرجال، لكنها كانت راغبة في الانتظار والترقب، ورأت أنه ربما لو انتظرت كفاية لم تكن لتستاء مما قد يفعله بها.

لكن حين باح المركيز بالكلمة القاتلة «الحب» تغير كل شيء، لم يعد الأمر مباراة لها تحركات بل أصبح مجرد بوحًا فجًا بالمشاعر. وانكشف لها بوضوح أنه كان يغويها. جعلها ذلك ترى كل ما كان يفعله في ضوء جديد، وما كان يبدو من قبل سحرًا وأخاذا أصبح الآن قبحًا وتآمرًا. شعرت الكونتيسة بالإحباط والامتهان وانغلق بينها وبينه الباب الذي لم يعد من الممكن أن ينفتح له مرة أخرى.
لا تجعل أحدًا يكتشف أنك تخادع، رغم أن لا أحد يستطيع في زماننا هذا أن يعيش دون أن يخادع، لكن اجعل أكبر مكرك هو في في أن تخفي كل ما قد يكشف للآخرين مكرك.
بالتسار جراتسيان 1601.1658
مراعاة القاعدة:
كان عام 1805 عامًا مصيريًا في حياة أوتو فون بسمارك الشاب. كان في الخامسة والثلاثين وكان نائبًا في البرلمان البروسي. كانت أهم مواضيع الساعة وقتها هي توحيد الولايات الألمانية العديدة (ومنها بروسيا) التي تفتتت إليها القومية الألمانية وكذلك الحرب ضد النمسا الجارة القوية في الجنوب والتي كانت تسعى لإبقاء الألمان ضعفاء وعاجزين بل وكانت تهدد بالتدخل لو أقدمت الولايات الألمانية على الوحدة. كان الأمير وليام ولي عرش بروسيا يؤيد الحرب وكان البرلمان يتفق معه وعلى استعداد لدعم أي حشد وتحريك للكتائب. الوحيد الذي كان يعارض الحرب هو الملك فردريك وليام الرابع ومعه وزراؤه فقد كانوا يفضلون استرضاء النمساويين الأقوياء.
طوال تاريخه السياسي كان بسمارك وفيًا ومتحمسًا لجعل بروسيا قوية وذات سطوة، وكان يحلم بتوحيد ألمانيا ضد النمسا وإهانة تلك الدولة التي أبقت على ألمانيا مفتتة، وكرجل قضي ما سبق من حياته العسكرية كان يرى في الحرب الشرف والكرامة.

كذلك فإن بسمارك هو الرجل الذي قال بعد ذلك بسنوات أن «قضايا العصر لا تُحل بالخطب والشعارات لكن بالحديد والنار».
على الرغم من حماسه الوطني وحبه للمجد العسكري ألقى بسمارك خطبة في البرلمان في ذروة التحمس للحرب أثارت دهشة كل من سمعوها؛ جاء فيها: «اللعنة على كل من يشعل حربًا دون سبب يبرر الخسائر التي تبقى بعد انتهائها. بعد الحرب تتغير النظرة للأمور، فهل ستجد لديك من الشجاعة ما يكفي لتبريرها لمزارع يؤلمه الخراب الذي حل بمزرعته أو لرجل أصابته الحرب وأقعدته أو لأب خسر فيها أبناءه؟». لم يكتف بسمارك بالهجوم على من يتحمسون للحرب بل الأغرب أنه أثنى على النمسا ودافع عن أفعالها. كان هذا ضد كل ما يؤيده ويؤمن به وجاءت النتائج فورية، فقد تحير النواب الآخرون حين رأوا بسمارك يناهض الحرب، وتراجع الكثيرون عن تصويتهم وفاز حزب الملك وألغى قرار الحرب.
بعد أسابيع من الخطاب الشهير وامتنانًا منه على تأييد بسمارك للسلام عيّنه الملك وزيرًا وبعد سنوات قليلة أصبح رئيسًا لوزراء بروسيا، ومن موقعه هذا قاد بلاده وملكه المحب للسلام إلى الحرب ضد النمسا وسحق هيمنتها الإمبراطورية وأسس لدولة ألمانية قوية تقودها بروسيا.
التعليق:
قام بسمارك قبل أن يلقى خطابه في عام 1805 بحسابات عديدة، فأولًا رأى أن العسكرية البروسية غير مؤهلة للحرب لأنها لم يتم تحديثها كالجيوش الأوروبية الأخرى وكان واثقًا أن النمسا ستفوز في هذه الحرب فوزًا سهلًا ومحتومًا ستكون له عواقب وخيمة في المستقبل. ثانيًا كانت خسارة الحرب ستؤدي إن دعمها بسمارك إلى تحطيم مستقبلها السياسي. كان الملك وأتباعه يؤيدون السلام وكان بسمارك يريد السطوة، وكان الحل هو أن يضلل الآخرين بدعمه لقضية يرفضها وأن يقول أشياء كان ليسخر منها لو قالها أحد غيره، أي أنه خدع بلدًا بكامله. بسبب خطابه عيّنه الملك وزيرًا وهو المنصب الذي صعد به سريعًا إلى رئاسة الوزارة وملّكه السطوة التي

مكنته من تقوية الجيش البروسي وتحقيق ما كان يرغب فيه طوال حياته العملية وهو إهانة النمسا وتوحيد ألمانيا بقيادة بروسيا.
كان بسمارك حقًا من أمهر السياسيين في كل العصور وكان بارعًا في الاستراتيجية والمكر، لم يكتشف أحد ما كان يريده حقًا في هذه القضية. لو كان قد أعلن عن نواياه الحقيقية محتجًا بتأجيل القتال لمرحلة تالية لما كان لينتصر لرأيه لأن معظم البروسيين كانوا راغبين في القتال فورًا لاعتقادهم خطأ أن جيشهم أقوى من جيش النمسا. ولو تزّلف للملك بأنه سيؤيد السلام على أن يجعله وزيرًا لم يكن ليفوز بهذا أيضًا لأن الملك كان سيشك في إخلاصه وأمانته.
حين تعامل بسمارك وتضليل شديدين استطاع خداع الجميع، أخفى أهدافه وحقق كل ما أراد، وتلك هي السطوة التي يمنحها لك كتمان نواياك عن الآخرين.
مفاتيح السطوة:
معظم الناس كتب مفتوحة يفضون بما يشعرون به ويعبرون عن آرائهم في كل مناسبة ويظهرون دائمًا خططهم ونواياهم، وهم يفعلون ذلك لأسباب عديدة. أولًا لأن من السهل دائمًا أن تنساق للرغبة في الحديث عن مشاعرك ونواياك حول المستقبل، الأصعب هو أن تراقب لسانك لتحكم ما تقول. ثانيًا لأن الكثيرين يظنون أن صراحتهم وعفويتهم تكسبهم قلوب الآخرين وتظهر لهم طبائعهم الطيبة، وهذا تضليل خطير لأن الصراحة تشبه سكينًا ثلمة تدمي أكثر مما تقطع. الصراحة تجرح الناس ومن الحكمة أن تُسمع الناس ما يحبون سماعه وليس ما تظنه أو تستشعره من حقائق فجة وقبيحة تؤذيهم. الأهم من ذلك أن الصراحة والعفوية يجعلانك واضحًا ومقروءًا للآخرين ويستحيل بعدها أن تجني منهم الاحترام والهيبة وهما شرطان لا يمكن من دونهما لأي شخص أن يكتسب السطوة.
إن كنت ترغب بالسطوة تخلي عن الصراحة وتدرب على فن كتمان نواياك. إن أتقنت

هذا الفن ستكون لك دائمًا اليد العليا. السر في نجاح الكتمان يكمن في حقيقة بسيطة عن الطبيعة البشرية: فغريزتنا تفرض علينا أن نصدق المظاهر ولا يمكن لنا أن نمضي في حياتنا إن كنا نتشكك في كل ما نراه، والارتياب المستمر من أن المظاهر تخفي أمورًا أخرى يجهدنا ويرعبنا. هذه الحقيقة تجعل إخفاء النوايا أمرًا سهلًا. اظهر للآخرين أنك تريد شيئًا معينًا وسوف يصدقون ما ترونه، وبمجرد أن يركزوا أعينهم على هذا الطعم لن يتبين لهم ما الذي تسعى إليه حقًا. في الإغواء اجعل تلميحاتك متناقضة بإظهار الرغبة واللامبالاة معًا، هذا لن يضلل من ترغبها عن غرضك الحقيقي فحسب بل سوف يشعل رغبتها في أن تمتلكك.
من تكتيكات التضليل التي غالبًا ما تنجح أن تظهر وكأنك تؤيد فكرة أو قضية تناقض ما ترغب به حقًا (فعل بسمارك ذلك بنجاح كبير في خطبة عام 1850). سوف يظن كثيرون أنك غيرت ولاءاتك لأنه من غير المعتاد أن يتنكر الشخص بهذا البرود لشيء يؤمن به في أعماقه مثل القيم والآراء. وينطبق نفس المنطق على كل الأشياء التي تستخدمها كطعم بإظهار رغبة زائفة نحوها: اظهر وكأنك ترغب شيئًا لا يعنيك في الواقع ويخفي مسارك الحقيقي وسوف تجد أعدائك يركزون عليه ويرتكبون كل أنواع الأخطاء في حساباتهم وتوقعاتهم.
أثناء الصراع على خلافة أسبانيا سنة 1711 كان الدوق مارلبورو قائد الجيش الإنجليزي يرغب بشكل ملح في تحطيم قلعة فرنسية لأنها كانت تحمي طريقًا حيويًا للتوغل داخل فرنسا ولكنه كان يعرف أنه لو دمر هذه القلعة كان الفرنسيون سيعرفون أنه يريد التوغل عبر هذا الطريق، ولذلك وبدلًا من تدميرها اكتفى الدوق بالاستيلاء عليها وترك بعض الجنود ليظن الفرنسيون أنه يريد الاحتفاظ بها لغرض في نفسه. هاجم الفرنسيون القلعة وتركها الدوق تسقط في أيديهم وبمجرد أن استعادوا قاموا بتدميرها خوفًا من أن الدوق يريدها لسبب هام. بعد أن زالت القلعة بقي الطريق دون حماية واستطاع الدوق الزحف بسهولة إلى داخل فرنسا.
استخدم هذا التكتيك بالطريقة التالية: أخف نواياك ليس بالكتمان (والذي سوف

يظهرك غامضًا ويشكك الناس بك) بل بالحديث كثيرًا عن رغباتك وأهدافك- لكن ليست الحقيقة، حينها سوف تصطاد ثلاثة عصافير بحجر واحد: سيراك الناس ودودًا ومنفتحًا وأهلًا للثقة، وتخفي نواياك الحقيقية، وتجعل أعدائك يجهدون أنفسهم في مطاردة الأوهام.
من الوسائل الأخرى الفعالة لتضليل الآخرين عن نواياك الحقيقية المصارحة الزائفة، فالناس يخلطون بين المصارحة والصدق ولتتذكر أن غريزتهم تجعلهم يثقون فيما يظهر لهم، ولأنهم يحبون الصدق ويودون أن يروا الصدق فيمن حولهم لذا يندر أن تجدهم يتشككون بك أو يتفحصون أفعالك، فإظهارك لاقتناعك بما تقول يجعل لكلماتك تأثيرًا قويًا. تلك هي الطريقة التي استطاع بها ياجو أن يدمر عطيل: اقتناع عطيل بمشاعر ياجو نحوه جعله ينخدع بمصارحته الزائفة بالشك في خيانة ديدمونة. إلا أنه علينا بالطبع أن نحذر من المبالغة في المصارحة لأنها وسيلة هشة، فظهورك مفرطًا في التعاطف يشكك الآخرين فيك. كن معتدلًا وقابلًا للتصديق وإلا سينكشف خداعك ويرتد عليك.
كي تجعل المصارحة الزائفة سلاحًا فعالًا تخفي به نواياك ناصر المصارحة والصدق ودافع عنهما كقيم اجتماعية هامة، وانشر ذلك بين الناس على قدر ما تستطيع، وأكد تحمسك لهما بأحاديث تمس القلب- على أن تكون بالطيع تافهة ولا تفشي سرك. كان تاليران وزير نابليون مشهورًا بكسب ثقة الناس بالبوح بأشياء تبدو أسرارًا، فهذه الثقة الزائفة بالآخرين تعمل كطعم يجعلهم يمنحونك ثقتهم الحقيقية.
تذكر أن أفضل الماكرين هم من يبذلون كل جهدهم لإخفاء خداعهم، فهم يزرعون الصدق في جانب ليحصدوا ما يريدون من عدم الصدق في جوانب أخرى، فالصدق مجرد سلاح إضافي في ترسانة مكرهم.

الجزء الثاني: استخدم ستائر الدخان لإخفاء مقاصدك
الخداع والمكر هما أهم استراتيجيات السطوة، لكن لكي تتقن الخداع عليك أن تستخدم ستائر الدخان التي تضلل الناس عن مقاصدك الحقيقية. من أبرع الطرق لوضع ستائر الدخان استخدام تعبيرات وجه المقامر الباردة والمحايدة والتي تصعب قراءتها. استخدامك للتعبيرات المحايدة والمألوفة يطمئن الآخرين ويستدرجهم إلى الفخ الذي أعددته لهم.
مراعاة القاعدة 1:
في عام 1910 صفّى السيد سام جيزيل أعماله وحصل على ما يقرب من المليون دولار ثمنًا لمخازنه ومقتنياتها، وبدأ يباشر إدارة ممتلكاته العديدة فيما يشبه التقاعد، لكن من داخله كان لا يزال يشعر بالحنين لأيامه الخوالي حين كان يعقد الصفقات. في أحد الأيام زاره شاب يدعى حوزيف وايل ليشتري شقة عرضها جيزيل للبيع. بيّن له جيزيل الشروط: الثمن 8000 دولار منها 2000 دولار دفعة مقدمة. وافق وايل ولكنه عاد في اليوم التالي وعرض أن يدفع المبلغ كاملًا نقدًا إن انتظره جيزيل بضعة أيام يتمم فيها صفقة يجريها. لم يكن رجل أعمال ماهر مثل جيزيل ليتجاهل حتى في تقاعده ماهية الصفقة التي تحقق مبلغًا كهذا (150000 دولار بمعايير اليوم) في مثل ذلك الوقت القصير. بدا وايل مترددًا في إخباره وحاول تغيير الموضوع لكن جيزيل أصر أن يعرف. أخيرًا وبعد أن أكد عليه وايل أن لا يخبر أحدًا آخر حكي له القصة التالية.
كان عم وايل يعمل سكرتيرًا لمجموعة من الممولين يمتلكون ملايين الدولارات، وقد اشترى هؤلاء المملون ضيعة للصيد في ميتشجان قبل عشر سنوات بسعر رخيص، ولأنهم لم يستعملوها من سنوات قرروا بيعها وطلبوا من عم وايل أن يحصل لهم على أي سعر فيها. ولأسباب معقولة شرحها وايل لجيزيل كان العم يحمل لسنوات حقدًا وضغينة ضد هؤلاء الأثرياء وكانت تلك فرصته للانتقام منهم. قرر العم أن يبيع الضيعة بسعر رخيص وليكن 35000 دولارًا لرجل ما

(كان دور وايل أن يختاره)، ولم يكن الممولون الأثرياء ليهتموا بمثل هذا السعر الرخيص، ويمكن للرجل المختار أن يبيع الضيعة بعد ذلك بسعرها الحقيقي، أي حوالي 155000 دولار على أن يقسم وايل والعم والرجل الثالث الأرباح بينهم. كان كل شيء قانوني ولسبب مقبول وهو انتقام عم وايل العادل من الأثرياء الذين أجحفوا بحقه.
أنصت جيزيل وطلب أن يكون هو المشتري المختار، بدا ويل مترددًا في أن يشركه ولكن جيزيل لم يتراجع: فكرة الربح الكبير دون مخاطرة جعلته يتمسك بالفرصة. شرح له وايل أنه سيكون عليه أن يحضر مبلغ 35000 دولار لإتمام البيع، فأخبره جيزيل المليونير أنه لن يصعب عليه توفير هذا المبلغ.
رضخ وايل ووافق على ترتيب لقاء يجمعه وجيزيل والعم والممولين في بلدة جاليسبرج بولاية إلينوي.
في القطار التقى جيزيل بالعم، وبدا له شخصًا نافذًا وتناقشا معًا في الأعمال. أحضر وايل رجلًا آخر متدلي البطن نوعًا ما اسمه جورج جروس. قال وايل لجيزيل أنه كان يعمل مدربًا للملاكمة وأن جروس كان أحد المتدربين الواعدين وإنه دعاه معهما ليعرف إن كان ما زال محتفظًا بلياقته البدنية. لم يكن لجروس مظهر الملاكم الذي يبشر بالنجاح فقد كان أشيب الشعر وأكرش البطن، لكن جيزيل كان من الحماس لإتمام الصفقة لدرجة أنه لم ينتبه للترهل في بنية الرجل.
ما أن وصلوا إلى جاليسبرج حتى ذهب وايل وعمه لإحضار الممولين بينما انتظر جيزيل في حجرة الفندق مع جروس والذي بادر بارتداء لباس الملاكمة. أخذ جيزيل يراقبه دون اهتمام لكنه لاحظ تحشرج أنفاس الملاكم بعد تدريبات قصيرة، إلا أن أداءه عامة لم يكن سيئًا تمامًا. بعد ساعة عاد وايل وعمه مع الممولين والذين بدا عليهم سيماء الهيبة والوقار وكانوا يرتدون سترات غالية الثمن. نجح الاجتماع ووافق الممولون على بيع الصفقة لجيزيل والذي توجه يدوره لبنك محلي لإبراق تحويل مبلغ 35000 دولارًا المطلوبة.

استراح الممولون بعد أن أتموا هذه الصفقة الصغيرة وبدئوا في الحديث عن الأعمال الكبرى وذكروا اسم ج. ب. مورجان وكأنهم يعرفون الرجل شخصيًا، وفجأة لاحظ أحدهم الملاكم عند أحد أركان الحجرة وشرح لهم وايل ما يفعله الرجل هناك. قال أحد الممولين أنه هو أيضًا يرعى ملاكمًا وذكر اسمه فضحك وايل وقال أن ملاكمه يستطيع أن يسحق رجله بسهولة، وتصاعدت حدة المناقشة وتحولت إلى شجار، وفي حماس اللحظة تحداه وايل لترتيب مباراة ملاكمة على رهان فوافق الممولون وغادروا لإعداد رجلهم وإحضاره للقتال في اليوم التالي.
ما أن غادر الممولون حتى صرخ العم في وايل وعنّفه بأن ليس معهم المال للرهان وأنه حين يعرف الممولون أنهم خدعوا سيفصلونه من عمله. اعتذر وايل عن تهوره وعن وضعهم في مثل هذا الموقف ولكن كانت لديه خطة؛ فقد كان يعرف الملاكم الآخر ويمكنهم بدفع رشوة صغيرة له أن يفوزوا بالقتال وبالرهان. سأل العم ومن أين يأتون بمال الرهان؟، فبدونه سينتهي أمرهم. كان جيزيل قد سمع ما يكفي، ورغبة منه في عدم إفساد الصفقة قدم المبلغ 35000 دولار نقدًا كجزء من الرهان، وفكر أنه حتى لو خسر هذا المبلغ فيمكنه الإبراق طلبًا لمبلغ جديد دون أن يكون خاسرًا بعد بيع الضيعة. شكره وايل والعم، فإضافة 15000 دولار من عندهم إلى 35000 دولار من جيزيل يغطيان مبلغ الرهان. في المساء أخذ جيزيل يراقب الملاكمين يتدربان على المباراة المفتعلة، وكان ذهنه منتشيًا بالنصر -الذي سوف يحققه من مباراة الملاكمة ومن بيع الضيعة.
تم إجراء المباراة في صالة رياضية في اليوم التالي، وتم وضع أموال الرهان في صندوق مؤمن، وكان كل شيء يتم حسب ما خططوا له في الفندق. بدا على وجوه الممولين استيائهم من السوء الذي يقاتل به ملاكمهم، بينما كان جيزيل منشغلًا بالأموال السهلة التي سوف يجنيها، لكن فجأة أصابت ضربة فك جروس وأوقعته أرضًا وسال الدم من فمه، ثم سعل مرة وسكت. قام أحد الممولين –وكان من قبل يعمل طبيبًا- بفحص نبض جروس وعرف أنه قد مات. فزع الممولون وكان على

الجميع أن يهربوا بسرعة قبل أن تأتي الشرطة وتتهمهم بالمشاركة في ارتكاب جريمة القتل.
بسرعة عاد جيزيل خائفًا إلى شيكاغو تاركًا المبلغ الذي دفعه مسرورًا بأنه لا يعدو ثمنًا صغيرًا لنجاته من العقاب على ارتكاب جناية، ولم تعد لديه أي رغبة في رؤية وايل والآخرين مرة أخرى.
بعد أن رحل جيزيل نهض جروس، كان الدم الذي تدفق من فمه يخرج من كيس يخبئه تحت أشداقه يحوي دم دجاجة مخلوطًا بماء دافئ. كان الذي دبر الأمر هو وايل والمشهور باسم «الفتى الأصفر»، وهو من أبرع المحتالين في التاريخ. اقتسم وايل مبلغ 35000 دولار مع العم والملاكمين والممولين (وكلهم شركاؤه في الاحتيال). كان مكسبًا وفيرًا مقابل أيام قليلة من العمل.
التعليق:
كان وايل قد اختار جيزيل كالمغفل الملائم لعمليتهم قبل تنفيذها بفترة طويلة، ورأى من البداية أن استخدام ملاكم من حثالة الملاكمين هو الخدعة التي يمكنه بها أخذ المال من جيزيل بسرعة وحسم، ولكنه كان يعلم أنه لو حاول إثارة اهتمامه مباشرة بمباراة الملاكمة فإنه كان سيفشل فشلًا ذريعًا. كان عليه أن يخفي نواياه تحت ستار من الدخان –وكان الستار في هذه الحالة هو صفقة بيع الضيعة.
في حجرة الفندق وأثناء كان عقل جيزيل مستغرقًا في التفكير في الصفقة الوشيكة والمال السهل وفي فرحته بالتعامل مع رجال بهذا الثراء. فوّت عليه شروده أن يلاحظ أن جروس يفتقد اللياقة البدنية وهو في أحسن الأوصاف كهل. هذا التشتيت هو ما تفعله ستائر الدخان، وقد بلغ تشتيت جيزيل ذروته حين أوهموه بموت الملاكم، وفي هذا التشوش كان مهيئًا لينسى كل شيء عن ماله.
تعلم من الفتى الأصفر أن تعبيرات الوجه المألوفة والمعتادة هي أفضل ستائر دخان. اقترب من هدفك بطرح فكرة تبدو عادية مثل صفقة عمل أو مغامرة مالية وسوف

يتشتت ذهن من تخادع وتزول عنه شكوكه، وسوف ينقاد معك إن أخذته برفق عبر المسار المنزلق الذي في نهايته سيكون فريسة سهلة لمكيدتك.
مراعاة القاعدة 2:
في منتصف 1920 –بدأ أمراء الحرب الأقوياء في إثيوبيا يدركون أن شابًا من أصول نبيلة– اسمه هيلا سيلاسي ويدعى أيضًا راس تافاري-سيتفوق عليهم جميعًا عما قريب ويعلن نفسه قائدًا عليهم ويوّحد البلد لأول مرة منذ عقود. لم يعرف غالبية منافسي سيلاسي كيف استطاع هذا الرجل الرقيق والهادئ أن تكو له هذه السطوة، لكن في عام 1927 استطاع سيلاسي بالفعل أن يسيطر على أمراء الحرب واحدًا بعد آخر وأن يدخل العاصمة أديس أبابا وينال تأييد الجماهير والقادة وتم تنصيبه حاكمًا.
أسرع بعض القادة في الإذعان وتردد آخرون لكن واحدًا فقط هو الذي تجرأ على أن يتحدى سيلاسي تحديًا كاملًا وصريحًا، هذا الرجل هو ديجارزماخ بالشا من سيدامو. كان بالشا محاربًا قويًا ورجلًا شديدًا ورأى الحاكم الجديد ضعيفًا وغير جدير بالحكم، وقرر أن يبقى مستقلًا وبعيدًا عن العاصمة. في النهاية طلب سيلاسي بطريقته الرقية والحازمة من بالشا أن يأتي إليه. قرر الباشا أن يطيع لكن كان في خلده أن يقلب الأمور على من يراه منتحلًا لعرش أثيوبيا: سيأتي إلى إدريس أبابا بتوقيته الخاص بصحبة 1000 مقاتل وهي قوة لا تكفي للدفاع عنه فحسب بل لبدء حرب أهلية. عسكر بقواته في وادي على بعد ثلاثة أميال من العاصمة وانتظر كما ينتظر الملوك وكان على سيلاسي أن يأتي إليه.
أرسل سيلاسي مبعوثين يدعون بالشا إلى مأدبة أقامها على شرف حضوره، ولكن بالشا لم يكن ساذجًا وكان يعرف أن ملوك أثيوبيا وقادتها كثيرًا ما كانوا يستخدمون المآدب ككمائن، فبمجرد أن يذهب الخمر بعقله يمكن لسيلاسي أن يقبض عليه أو يقتله. أرسل بالشا بموافقته على حضور المأدبة لكن بشرط أن يحضر معه 600 رجلًا من أفضل الجنود لديه مسلحين ومستعدين للدفاع عنه وعن

أنفسهم. تعجب بالشا أن يأتي رد سيلاسي بالموافقة وبأدب شديد بأنه سيكون من الشرف له أن يستضيف هؤلاء المحاربين.
في الطريق شدد بالشا على المحاربين أن لا يشربوا الخمر وأن يبقوا يقظين، وحين وصلوا القمر كان سيلاسي في شرف استقبالهم، وداهن بالشا وعامله كما لو كان في حاجة لتأييده وتعاونه. لكن بالشا لم يترك نفسه ينخدع بهذا الإغواء وحذّر سيلاسي من أن الجنود لديهم أوامر بمهاجمة العاصمة إن لم يعد إليهم بالشا قبل منتصف الليل. بدا سيلاسي كما لو كان مصدومًا من تشكك بالشا بنواياه. أثناء المأدبة وحين أتى وقت عزف الأناشيد التقليدية التي تمجد قادة أثيوبيا طلب سيلاسي من الفرقة أن لا تعزف إلا الأناشيد التي تمجد قائد سيدامو، فشعر بالشا أن سيلاسي خائف وعاجز عن مواجهته وأحس بأنه هو من يبدأ بالهجوم في الأيام القادمة.
قبل الغروب عاد بالشا وجنوده إلى المعسكر وسط الهتافات وإطلاق النار للتوديع. ألقى نظرة على العاصمة خلفه وأعد خطته للهجوم وتخيل جنوده يجوسون في شوارع المدينة منتصرين، وفكر في أن سيلاسي سيلقى مصيره الذي يستحقه سواء بالسجن أو الموت. لكن حين عاد سيلاسي إلى معسكره رأى شيئًا مروعًا، فلم ير خيام جنوده التي كانت تغطي الأفق. لم ير إلا دخان ورماد نيران تنطفئ، وتساءل: أي سحر شيطاني هو الذي فعل هذا؟
روى أحد الشهود لبالشا ما حدث، فأثناء توجه بالشا إلى المأدبة جاء جيش كبير يقوده أحد الموالين لسيلاسي وتسلل إلى المعسكر من طريق لا يعرفه بالشا، لكن هذا الجيش لم يقاتل: فقد كان سيلاسي يعرف أنه لو سمع بالشا بضجيج المعركة لهاجم برجاله الستمائة وعاد لقيادة قواته. بدلًا عن هذا زود سيلاسي جنوده بسلال مملوءة بالذهب والمال وحاصر جيش بالشا واشترى كل قطعة سلاح من الجنود، وكان من السهل ترهيب الذين رفضوا. في ساعات قليلة تم نزع سلاح جنود بالشا وتشتيتهم في كل اتجاه.

مدركًا كل ما يحيط به من مخاطر قرر بالشا أن يتجه جنوبًا بمن معه من الجنود لحشد قوات جديدة، لكن الجيش الذي نزع سلاح قواته قطع عليه الطريق، كان الاختيار الآخر الذي أمامه هو الاتجاه إلى العاصمة لكن سيلاسي كان قد أعد جيشًا هائلًا للدفاع عنها. لأول مرة في حياته استسلم بالشا، ومن أجل التكفير عن خطاياه من الكبر والجشع وافق على الالتحاق بالدير.
التعليق:
طوال الفترة الممتدة لحكم سيلاسي لم يستطع أحد أن يضع تصورًا لطبيعته الحقيقية. كان الإثيوبيون يحبون من قائدهم أن يكون شديدًا، لكن سيلاسي كان يرتدي دومًا قناع الرجل اللطيف المحب للسلام، ومع ذلك استمر أطول من أي من القادة الأشداء. ولأنه لم يفقد الصبر أبدًا أو يخرج عن شعوره كان يستطيع دائمًا أن يغري ضحاياه بابتسامات عذبة ويسحرهم باللطف والتذلل قبل أن يضرب ضربته. في حالة بالشا استطاع سيلاسي أن يتلاعب بحذر الرجل من أن تكون المأدبة كمينا، وكانت بالفعل كمينًا لكن ليس كما تخيله بالشا. طريقة سيلاسي في إزالة مخاوف بالشا –بأن سمح له بإحضار حرسه الخاص إلى المأدبة وبإعطائه الحظوة في التكريم وجعله يشعر بأنه المسيطر على مقاليد الأمور- عملت كستار كثيف من الدخان أخفى حقيقة ما يحدث على بعد ثلاثة أميال من العاصمة.
تذّكر: أن المرتابين والمتشككين هم أسهل من يمكن خداعهم، فكسبك لثقتهم في ناحية يمنحك ستارًا من الدخان يعميهم ويسمح لك بالتسلل وكيل الضربات المميتة لهم في نواح أخرى. وأن من آليات التضليل البارعة أن تأتي ببادرة تثبت صدقك وحسن نواياك واستعدادك للتعاون وكذلك التصرف بطريقة تشعر من تتعامل معه بتفوقه عليك.
لا تستهن بقدرة تافاري (هيلا سيلاسي) فهو يتسلل كالفأر ويضرب كالأسد كلمات بالشا الأخيرة قبل أن يلتحق بالدير.

مفاتيح السطوة:
إن كنت تحسب أن المخادعين هم من يضللون الناس بالكلام المزخرف والحكايات المؤثرة فأنت مخطئ تمامًا. المخادعون الحقيقيون يتكلمون ويتصرفون بطريقة مألوفة ومعتادة لأنهم يعلمون أن المبالغة توّلد الشك والريبة، ولذلك يخففون ضرباتهم بواجهة بريئة لا تلفت الأنظار إلى مقاصدهم. كانت الواجهة المعتادة في استدراج وايل لجيزيل هي عقد صفقة تجارية أما في الحالة الأثيوبية فكانت الواجهة التي استخدمها سيلاسي هي إظهار التذلل وهو بالضبط ما كان يتوقعه بالشا من أمير حرب ضعيف.
بمجرد أن يطمئن خصمك للواجهة المألوفة فلن يلاحظ أي خداع تحكيه له، والسبب في ذلك حقيقة بسيطة وهي أن الناس لا يستطيعون التركيز في أكثر من شيء في وقت واحد، ويصعب عليهم أن يتخيلوا أن الشخص الوديع والمسالم الذي يتعاملون معه يمكنه أن يدبر لهم شيئًا في الخفاء. وكلما كانت ستائر الدخان أقرب للمألوف يزيد نجاحها في إخفاء مقاصدك. في الجزء الأول من القاعدة تحدثنا عن تضليل الآخرين بالافتعال المتعمد لشيء يلهيهم عن مقاصدك؛ أما في ستائر الدخان فإنك تطمئنهم حتى يدخلوا الشرك بأنفسهم. هذا التأثير المطمئن هو الذي يجعل ستائر الدخان من الطرق المثلى للخداع.
أبسط شكل من سائر الدخان يأتي من استخدام تعبيرات الوجه التي تصعب قراءتها والتي يمكنك أن تخفي بها كل أنواع التلاعب. وقد أتقن هذا السلاح أكثر الرجال سطوة في التاريخ. كان يقال أن أحدًا لم يكن يستطيع قراءة تعبيرات وجه فرانكلين د. روزفلت، وكان البارون جيمس روتشيلد يتدرب طوال حياته على إخفاء آراءه وأفكاره خلف ابتسامات باردة ونظرات فارغة من المعنى. وقال ستاندال عن تاليران أنه «لم يكن له وجه بل مقياس لتغيرات المناخ». وكان كيسنجر يأخذ قلوب خصومه في التفاوض بصوته الرتيب ونظراته المحايدة وتكراره

المستمر للتفاصيل وحين كانت أعينهم تلمع بالتأثر متخلين عن تحفظهم كان يصدمهم فجأة بقائمة مطالبه الجريئة. وقد جاء في أحد كتب تعليم المقامرة «أثناء اللعب لا يغير المقامر الجيد تعبيرات وجهه كأنه ممثل بل يتدرب ليتقن تعبيرًا يصعب على الآخرين قراءته لأن ذلك يحبط خصومه ويشوشهم ويمنحه البراح للتركيز».
ستائر الدخان مفهوم مرن ويمكن ممارسته بطرق ومستويات عديدة لكنها تقوم جميعًا على مبدأ نفسي واحد وهو تضليل الآخرين وتشتيت انتباههم عن غرضك الحقيقي. من أكثر طرق ستائر الدخان فعالية القيام بأفعال وتلميحات تدل على النبل لأن الناس يحبون أن يقنعوا أنفسهم بأن هذا النبل صادق وحقيقي لأن ذلك يمتعهم ويرضيهم ويجعلهم ينسون أن هذا النبل قد يكون مفتعلًا وخادعًا.
واجهت جوزيف دوفين تاجر المقتنيات الفنية مشكلة رهيبة ذات مرة، وهي أن أصحاب الملايين الذين كانوا يشترون منه لم تعد لديهم مساحات فارغة على الجدران يعلقون عليها اللوحات، وكذلك ارتفاع ضريبة توريث اللوحات مما جعلهم يتوقفون عن الشراء. كان الحل هو إنشاء متحف قومي للفنون في واشنطن العاصمة وقد ساعد دوفين كثيرًا في إنشائه عام 1937 بأن شجع المليونير أندرو ميلون بالتبرع بمقتنياته للمتحف. كانت الدعوة للتبرع لإنشاء المتحف القومي هي الواجهة المتقنة التي جعلت دوفين بضربة واحدة يجنّب عملاءه الضرائب ويحرر مساحات على جدرانهم تسمح لهم بشراء لوحات جديدة ويقلل من عدد اللوحات المعروضة في السوق وبذلك يستمر الارتفاع في أسعارها وأخيرًا يمّكن المانحين من الظهور بمظهر المحسنين المحبين للخير العام.
من طرق ستائر الدخان الأخرى أن تجعل لتحركاتك نسقًا محددًا بحيث يتوقع خصمك أن تستمر في التصرف على نفس المنوال في تحركاتك التالية. تعتمد هذه الحيلة على حقيقة نفسية وهي أن أفعال الناس تميل للتكرار في نسق معين أو على الأقل يتوقعون ذلك من بعضهم بعضًا.
في عام 1878 أسس جاي جولد وكان من بارونات العصابات شركة بدأت تهدد

احتكار شركة ويسترن يونيون لأعمال التلغراف. قرر المشرفون على ويسترن يونيون شراء شركة جولد بمبلغ كبير لكنهم رأوا أن ذلك خير لهم لأنه سيخلصهم من منافس مزعج. بعد بضعة أشهر عاد جولد للمنافسة من جديد شاكيًا أنهم لم يدفعوا له جيدًا وأنشأ شركة ثانية لمنافسة ويسترن يونيون، ومن جديد اشترت ويسترن يونيون الشركة وأسكتته بالمال. ثم تكرر الأمر للمرة الثالثة لكن في هذه المرة كان جولد قاصدًا النحر: بدأ صراعًا داميًا للاستيلاء على ويسترن يونيون واستطاع بالفعل أن يسيطر عليها سيطرة تامة. اتبع جولد نسقًا ضلل به مديري الشركة وجعلهم يظنون أن غرضه هو الحصول على عرضٍ مغرٍ لبيع شركاته، وبمجرد أن دفعوا له واطمأنوا لم يلاحظوا أنه يلعب لهدف أكبر. للنسق هذه القدرة على خداع الآخرين لأنه يجعلهم يتوقعون منك عكس ما تقصد إليه في الحقيقة.
من نقاط الضعف النفسية الأخرى التي يمكن أن تؤسس عليها ستائر الدخان ميل الناس للانخداع بالمظاهر، والظن بأن من يتصرف وكأنه واحد منهم يكون بالفعل مخلصًا لهم. هذه العادة تجعل الامتزاج التام بالناس من الواجهات الفعّالة للغاية، وتحقيق ذلك سهل: أن تخالط من حولك وكلما زاد امتزاجك بهم يقل شك الآخرين فيك. اكتشف في وقت متأخر أن عددًا كبيرًا من موظفي الخدمة المدنية في بريطانيا كانوا يرسلون أسرارًا إلى السوفييت طوال فترة الحرب الباردة في خمسينات وستينات القرن العشرين، ولم يتم اكتشافهم طيلة هذه السنوات لأنهم كانوا ظاهريًا شبابًا لطفاء تعلموا في أفضل المدارس والجامعات. وبصفة عامة فإنه كلما أتقنت الامتزاج يزداد تمكنك من إخفاء مقاصدك.
تذكر: أن الأمر يتطلب منك صبرًا وتواضعًا لتتمكن من إخفاء صفاتك البارزة والمتألقة وارتداء قناع معتم لا يشف عن حقيقتك، ولا يحزنك أن يحرمك هذا القناع الرمادي من انبهار الناس بحيويتك ومواهبك لأن أغلب ما يُظهرك بمظهر السطوة ويجذب الناس إليك هو عدم قدرتهم على قراءتك.


الصورة
جلد الضأن.
الضأن شديد الطيبة والوداعة؛ لا يغدر ولا يخدع أبدًا. حين يرتدي الثعلب جلد الضأن يمكنه أن يتجول بحرية في حظيرة الدجاج.
اقتباس من معلم: هل سمعت أبدًا عن قائد يعلن خططه للعدو قبل أن يهاجمه؟. عليك أنت أيضًا أن تخف مقاصدك وتموّه تحركاتك، ولا تكشف مقاصدك إلا بعد أن يصبح من الصعب مقاومتها؛ أي عند نهاية المعركة. تأكد من النصر قبل أن تعلن الحرب. كن كرجال الحرب الذين لا يفهم مخططاتهم سوى البلاد التي يكونوا قد دخلوها فاتحين. (نينو دي لينكلو 1623- 1706).
عكس القاعدة:
لا يمكن لستائر الدخان أو تضليل الناس بإظهار السعي لغير ما تريد أو بإظهار الإخلاص الزائف أو أي وسيلة أخرى لتشتيت الانتباه أن تنجح في إخفاء مقاصدك إن كنت مشهورًا بالخداع، فحين يتقدم بك العمر وتُعرف حكاياتك يكون من الصعب عليك أن تخفي طبيعة خداعك، فالكل سيعرف أنك ماكر وإن ظللت تلعب دور الساذج سيعتبرونك منافقًا وسوف يحد ذلك كثيرًا من قدرتك على المناورة. الأفضل لك في هذه الحالات أن تعترف وتلعب دور المحتال الصريح وأفضل من ذلك أن تلعب دور المحتال التائب، لأن ذلك لن يكسبك الاحترام فحسب ولكنه سيسمح لك بالاستمرار في استراتيجيات المناورة.
حين تقدم العمر بأمير الخداع في القرن التاسع عشر ب. ت. بارنوم تعلم أن لا ينكر سمعته كمخادع كبير. في إحدى المرات نظّم بارنوم مسابقة لصيد الجاموس في نيوجيرسي. وذكر أن الجاموس هندي وبعضه مستورد، وجاء في الإعلان أن المسابقة والصيد حقيقيين ولكن تبين فيما بعد أن المسألة كلها خداع لدرجة جعلت الجمهور بدلًا من الغضب والمطالبة باسترداد مالهم يجدون في الأمر طرفة استمتعوا ببها استمتاعًا كبيرًا. كانوا يعلمون أن بارنوم لا يتوقف عن الخداع، وكان ذلك سر

نجاحه وهو ما جعلهم يحبونه. تعلم بارنوم من ذلك أن لا يخفي وسائله بل أنه أفشى للجميع كل ما قام به من خداع في سيرته الذاتية المنشورة. وكما كتب الفيلسوف كيرجارد «إن الناس يحبون من يخدعهم».
ختامًا نقول أنه على الرغم من أن الحكمة تقضي بتضليل الناس عن مقاصدك بواجهة محايدة لا يمكن قراءتها، فإن الواجهات الملونة والحيوية تكون أحيانًا التكتيك الأفضل للتضليل. كان المشعوذون الكبار في أوروبا في القرنين السابع عشر والثامن عشر يستخدمون الترفيه والتسلية لخداع الجماهير، فكانوا يبهرونهم باستعراضات رائعة تجعلهم لا يستطيعون أن ينتبهوا للنوايا الحقيقية لهؤلاء المشعوذين. كان المشعوذ البارع يطوف المدينة في مركب حالكة السواد تجرها خيول سوداء، وكان يصحبه مهرجون يمشون على الحبال بينما محتالون آخرون بارعون في الترفيه والإثارة يستدرجون الناس إلى شراء ما معهم من ترقيات زائفة. كان المشعوذون يظهرون وكأن الترفيه عن الناس هو شاغلهم ولكن شاغلهم الحقيقي كان بيع ما معهم من ترياق وإكسيرات زائفة.
الترفيه والتسلية هما حقًا من الوسائل الممتازة لإخفاء النوايا لكن لا يمكن استخدامها للأبد. ففي النهاية يمل الجمهور ويتشكك ثم يكتشف الخدعة. وبالفعل كان على المشعوذين أن ينتقلوا من مدينة لأخرى قبل أن ينتشر بين الناس أن الترياق كذب لا يجدي وأن العروض خدعة، في حين نجد أن الأشخاص الأقوياء الذين يستخدمون واجهة رمادية محايدة مثل تاليران روتشلد وسيلاسي يستطيعون استخدام خداعهم في نفس المكان طوال حياتهم، ولا تضعف حيلهم ونادرًا ما يتشكك بهم الآخرون، لذل عليك أن تحذر من ستائر الدخان الملونة وأن لا تستخدمها إلا حين تتطلبها الظروف.

القاعدة
4
اقتصد دائمًا في كلامك
الحكمة:
كثرة الكلام تضيع هيبتك وتظهرك أقل عزمًا، وحتى الكلام التافه سيبدو أكثر وقارًا وتأثيرًا إن كان مقتضبًا وغير محدد ومفتوحًا على كل التفسيرات. وأصحاب السطوة يؤثرون في الناس ويرهبونهم بإيجاز كلامهم. وكلما تكلمت أكثر يزيد احتمال أن تقول شيئًا تافهًا أو غبيًا.

انتهاك القاعدة:
كان جنايوس ماركيوس الشهير باسم كريولانوس بطلًا عسكريًا عظيمًا في روما القديمة، استطاع في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد أن يحقق انتصارات كبيرة في معارك هامة كما أنقذ روما من الدمار مرات عديدة، ولأنه كان قد قضى الشطر الأكبر من حياته في ساحات المعارك لم يكن الكثيرون في روما يعرفونه شخصيًا مما جعل منه أسطورة حية.
في عام 554 ق. م كوريولانوس أن يستغل مكانته العسكرية في ميدان السياسة وأن يرشح نفسه للانتخاب كقنصل وكان هذا أرفع منصب ف روما. كان المرشح لهذا المنصب يلقي في بداية السباق الانتخابي خطابًا للجمهور. حين ظهر كوريولانوس أمام الجماهير بدأ بعرض عشرات الندوب التي أصابته طوال سبعة عشر عامًا من القتال من أجل روما، بعدها لم يستمع الكثيرون إلى الخطبة المطّولة التي ألقاها، كان الندوب وحدها كدليل حي على شجاعته وإخلاصه للوطن كافية لتحريك دموع الناس وأسر قلوبهم، وبدا انتخاب كوريولانوس للمنصب قد بات مؤكدًا.
لكن حين جاء يوم الاقتراع انضم كوريولانوس مباشرة إلى الموكب المكّون من مجلس الشيوخ والنبلاء. انزعج الجموع من هذه الثقة المتغطرسة بالذات في يوم الانتخاب.
خطب كوريولانوس في الناس مرة أخرى لكن هذه المرة كان كلامه موجهًا في أغلبه للنبلاء والأغنياء الذين جاء بصحبتهم. كانت كلماته متخمة بالغطرسة والخيلاء، معلنًا ثقته التامة في الفوز بالانتخابات ومتباهيًا بإنجازاته في المعارك، وألقى دعابات سمجة لا تروق إلا للسادة وكال الاتهامات الغاضبة لخصومه مبشرًا بالثراء الواسع الذي سوف يجلبه لروما. هذه المرة كان الناس يصغون: لم يدركوا من قبل أن في داخل هذا الجندي الأسطورة شخص متبجح ودنيء.

انتشرت أخبار خطبة كوريولانوس الثانية بسرعة في أرجاء روما وتحول عنه الناس وعزموا على أن لا يفوز في الانتخابات. انهزم كوريولانوس وعاد إلى أرض المعارك وفي داخله شعور بالمرارة وأقسم على الانتقام من العوام الذين خذلوه. بعدها بأسابيع وصلت إلى روما سفينة حبوب وكان الشيوخ متأهبين لتوزيعها بين جميع سكان المدينة، لكن في لحظة التنفيذ جاء كوريولانوس إلى قاعة مجلس الشيوخ وخاطبهم محتجًا بأن التوزيع سيضر بالمصالح العليا لروما، واستطاع بالفعل أن يشكك في جدوى التوزيع، ولم يقف عند هذا الحد بل شكك في مبدأ الديمقراطية ذاته، ودافع عن التخلص من نواب الشعب والمدافعين عن حقوق العوام ودعاهم إلى جعل الحكم في يد النبلاء.
حين وصلت أخبار تلك الخطبة إلى أسماع الناس فاق غضبهم كل الحدود، وتم إرسال مندوبين إلى مجلس الشيوخ يطالبون أن يعتذر كوريولانوس لكنه رفض. اندلعت المظاهرات والشغب في كل مكان بالمدينة، فصوّت الشيوخ بتوزيع الحبوب خوفًا من عقاب الشعب، رضي المندوبون لكن غضب الناس لم يهدأ وظلوا يطالبون بأن يخاطبهم كوريولانوس ويعتذر لهم، وسوف يسمحون له بالعودة إلى أرض المعركة إن أبدى ندمه واحتفظ بآرائه لنفسه.
خطب كوريولانوس مرة أخيرة في الناس فاستمعوا إليه في استغراق صامتين. بدأ كوريولانوس بطيئًا وناعمًا ولكن مع مرور الوقت كانت كلماته تزداد فظاظة وغلظة وبدأ من جديد في السب والإهانات. كان في صوته غطرسة وفي تعبيراته ازدراء وكان غضب الناس يستعر أكثر فأكثر مع كل كلمة يقولها وأخيرًا صاحوا فيه لإسكاته وأنزلوه عن المنبر.
تشاور ممثلو الشعب وحكموا على كوريولانوس بالموت، وأمروا الحكام أن يأخذوه فورًا ويلقوه من فوق صخرة تاربيان. أيدت الجموع الغاضبة هذا القرار لكت تدخل النبلاء وتم تخفيف الحكم إلى السجن المؤبد. حين عرف الناس أن بطل

روما العسكري لن يعود إلى المدينة بعدها أبدًا احتفلوا في الشوارع احتفالات لم تشهدها روما من قبل حتى عند انتصارها على عدو خارجي.
التعليق:
قبل أن يدخل كوريولانوس معترك السياسة كان اسمه يستثير الرهبة والإعجاب في قلوب الناس.
كانت إنجازاته في الحروب تظهره رجلًا عظيمًا في شجاعته، ولأن الجموع لم تكن تعرف عن شخصه الكثير فقد أحاطوا اسمه بكل هالات المجد الأسطورية، لكن في اللحظة التي ظهر فيها أمام الجمهور زال عنه السحر والعظمة، كان يثرثر ويتبجح كأي جندي مبتذل. أهان الناس وهاجمهم كما لو كان يشعر من داخله بالخور والتهديد. كان الفارق بين الواقع والأسطورة صادمًا لكل من آمنوا به، وكلما تحدث أكثر كانت سطوته تقل على الناس؛ فالشخص الذي لا يستطيع أن يتحكم بكلماته لا يستطيع أن يتحكم بنفسه ولا يستحق احترام الناس.
لو كان كلام كوريولانوس أقل لم يكن الناس ليشعروا بازدرائه لهم وما كان لهم أن يعرفوا أفكاره الحقيقية، وكان سيحتفظ بهالة المجد الأسطورية. كان سينتخب كقنصل وحينها كان يمكنه العمل على تحقيق أهدافه المعادية للديمقراطية، لكن اللسان هو الفرس الجامح الذي لا يستطيع معظم الناس لجمه فهو يحرر نفسه من مقوده مرارًا وإن لم تروّضه سينطلق ويدمرك. ولتعلم أن السطوة لا تأتي لمن يهدرون كنوزهم من الكلمات.
عند اكتمال القمر يفتح المحار صدفته وعندها يسرع حيوان السرطان ويضع حجرًا ليمنعها من الانغلاق ثانية ويصبح المحار وجبة له. ذلك هو مصير كل من يفتح فمه أكثر من اللازم ويضع نفسه تحت رحمة المستمع.
ليوناردو دافنشي 151901452

مراعاة القاعدة:
في بلاط الملك لويس الرابع عشر، كان النبلاء والوزراء يقضون الأيام والليالي يناقشون شئون الدولة، يتشاورون ويجادلون ويعقدون اتفاقات ويفسخون أخرى ثم يعاودون الجدال إلى أن تأتي اللحظة المناسبة: يتم اختيار اثنين منهم لتمثيل وجهات النظر المتعارضة أمام لويس نفسه والذي سوف يقرر ماذا يختار. بعد اختيار الأشخاص يكون على الجميع المزيد من المناقشة: كيف يمكنهما صياغة كلامهما؟ ما الذي يزعج لويس وما الذي يسره؟ وما هو الموعد والمكان المناسبين في قصر الفرساي للالتقاء به؟ وما تعبيرات الوجه التي عليهما اتخاذها حين يقابلانه؟
وأخيرًا وبعد إقرار كل ذلك تأتي اللحظة الحاسمة، يقترب الرجلان من لويس- وكانت دائمًا مسألة حرجة، وحين ينولان إصغائه يكون عليهما طرح المسألة الراهنة ويشرحان له كل الخيارات المتاحة بالتفصيل. ينصب لويس صامتًا وعلى وجهه نظرة محيرة، وأخيرًا وبعد أن ينهي كل منهما كلامه ويسألان الملك عن رأيه ينظر إليهما قائلًا «سوف نرى» ويمضي عنهما.
بعد ها لا يسمع الوزراء ولا رجال البلاط كلمة أخرى من الملك حول هذا الموضوع- فقط يرون النتائج بعدها بأسابيع بعد أن يتخذ قراره وينفذه ولا يشغل نفسه باستشارتهم في الموضوع مرة أخرى.
التعليق:
كان لويس الرابع عشر شحيحًا في كلماته، ومن التعليقات التي اشتهر بها «أنا الدولة» وهو تعليق مختصر وبليغ ونادرًا ما نجد مثله. ومن أكثر تعليقاته تكرارًا «سوف نرى» وهو تعليق كان يرد به على أغلب أنواع المطالب والتساؤلات.
لم يكن لويس دائمًا على هذا الحال، فقد كان معروفًا في شبابه بكثرة الكلام وكان فرحًا ببلاغته في الحديث. فرضت قلة الكلام نفسها عليه كقناع يربك كل من هم تحت إمرته. لم يكن أحد يستطيع أن يعرف رأيه أو أي موقف سيتخذه ولا ما يريد

سماعه حتى يقوله له. كلما زاد حديث رجال الصفوة مع لويس كان يتبين له ما في داخل نفوسهم وهي معلومات كان يستخدمها ضدهم ببراعة في الوقت المناسب.
كان صمت لويس يرهب من حوله ويخضعهم له، وكان من أسس سطوته وكما كتب القديس سيمون «لم يكن أحد يقارن به في بيع كلماته وابتساماته بل وحتى نظراته. كان كل شيء لدى لويس قيمًا لأنه كان يعطيه قيمة. وكانت مهابته وجلالته تترسخ من شح كلماته».
من الأخطر على الوزير أن يتفوّه بالحماقات من أن يرتكبها
الكاردينال دي ريتز 1613. 1679
مفاتيح للسطوة:
السطوة بالأساس لعبة مظاهر، وحين تقتصد في كلامك تظهر حتمًا أقوى من حقيقتك. الصمت يجهد الآخرين، لأن الناس بطبيعتهم يميلون لتفسير وفهم من يتعاملون معه، وحين تقلل من كلامك لا يمكنهم الاختراق لمعرفة مقاصدك. إجاباتك المقتضبة وصمتك يوترهم ويجعلهم في موقف الدفاع ويبدؤون في طرح التفسيرات عنك، وكل ذلك يمنحك معلومات عنهم وعن نقاط ضعفهم. وحين ينصرفون عنك يشعرون وكأنك استلبت منهم شيئًا ويراجعون كل كلمة قلتها. هذا التركيز المفرط عليك يمنحك هالة من السطوة والاقتدار.
الاقتصاد في الكلام ليس حكرًا على السادة والملوك، بل أنه يمنحك هالة من العمق والوقار في أي مجال من مجالات الحياة. أدرك الرسام آندي وارهول في شبابه أن الناس بصفة عامة لا يفعلون ما تطلبه منهم بالكلمات بل أن ذلك قد يجعلهم يتمنعون عن تحقيق مطالبك لمجرد التعالي والعناد. قال وارهول مرة لأحد أصدقائه «لقد تعلمت أن الرجل يكون أقوى حين يصمت».
في كبره استخدم أندي وارهول هذه الاستراتيجية بنجاح كبير، وكان يدرب نفسه في المقابلات على التحدث بكلمات مبهمة. كان يقول شيئًا غامضًا ويجعل

السائل يجهد ذهنه ليفسر ما يقول ظنًا منه أن هذه العبارات الفارغة من المهني تخفي شيئًا عميقًا. وكان نادرًا ما يتحدث عن عمله بل كان يترك للآخرين التفسير، وأدلى بأنه قد تعلم هذه التقنية من سيد الغموض مارسيل دوشان وهو فنان آخر من فناني القرن العشرين الذين تعلموا أن قلة كلامهم عن أعمالهم نجعل الناس يتكلمون عنها أكثر ويرفع ذلك من قيمتها.
الاقتصاد في الكلام يمنح أفعالك وكلماتك جلالًا وسطوة ويقلل من تعرضك لقول شيء يهدد مكانتك أو حتى حياتك. في عام 1825 ومباشرة بعد أن اعتلى نيقولاس الأول عرش روسيا اندلع تمرد يقوده الليبراليون يطالبون بتحديث روسيا لتلحق مؤسساتها المدنية والصناعية بباقي أوروبا. بوحشية سحق نيقولاس التمرد (المعروف بثورة الديسمبريين) وحكم بالإعدام على أحد قادة الليبراليين هو كوندراتي ريلييف. يوم الإعدام وقف ريلييف على خشبة الإعدام والحبل ملتف حول عنقه وانفتحت خشبة الإعدام [الطبلية] وتدلى ريلييف لكن لحظتها انقطع الحبل وأسقطه على الأرض. في هذا الزمن كانت أحداث من هذا النوع تعني تدخل العناية الإلهية وكانت العادة أن يتم العفو عن الشخص الذي نجا بهذه الطريقة. حين وقف ريلييف على قدميه مجروحًا ومتسخًا لكن واثقًا من نجاته قال في الجموع «أرأيتم أن روسيا لا تقدر أن تصنع شيئًا جيدًا حتى الحبال».
وصلت الرسالة بسرعة إلى قصر الشتاء تخبر القيصر بفشل عملية الشنق، فاغتاظ من هذه المفاجأة ولكنه بدأ في توقيع العفو، لكن فجأة توقف وسأل «هل قال ريلييف شيئًا بعد المعجزة التي حدثت له؟» فأجاب الرسول «نعم سيدي، لقد قال أن في روسيا لا يعرفون أن يصنعوا شيئًا حتى الحبال».
حين سمع القيصر ذلك قال «عندئذ علينا أن نثبت له عكس ما يقول» ومزّق العفو، وفي اليوم التالي أعيد شنق ريلييف وفي هذه المرة لم ينقطع الحبل.
تعلم من هذا الدرس: الكلمات التي تخرج من فمك لا يمكنك أن تعيدها إليه لذلك أطبق عليها بإحكام وحاذر خاصة من السخرية، فما تشعر به من نشوة قصيرة من قولك كلمات لاذعة لا تساوي ما تدفعه فيها من ثمن بعد ذلك.

الصورة
متنبئات ديلفي.
حين كان الزائر يسأل متنبئة ديلفي كانت تنبس بكلمات قليلة مبهمة توحي بالأهمية والمهابة. لم يكن أحد يعصي كلمات متنبئات ديلفي لأنه كان يشعر أن لها السطوة على الحياة والموت
اقتباس من معلم: لا تحرك لسانك قبل أن يتكلم من هم أقل منك، إن أطلت الصمت يسرعون في الكلام وبهذا تقرأ نواياهم الحقيقية... إن عرف الوزراء ما تميل إليه نفس الحاكم فسوف يستغلون كل فرصة لنيل المزيد والمزيد منه. (هان فاي تسو- حكيم صيني- القرن الثالث قبل الميلاد).
عكس القاعدة:
هناك أوقات لا يكون من الحكمة فيها أن تصمت خاصة عند التعامل مع رؤسائك؛ فالصمت قد يولد لديهم الشك والخوف منهم، وأي تعليق مبهم أو غامض قد يفتح عليك تفسيرات وردود فعل لست مستعدًا لمواجهتها، ولذل عليك أن تكون حذرًا وأن لا تستخدم طريقة الصمت والاقتصاد في الكلام إلا في المواقف الملائمة. أحيانًا يكون من الحكمة أن تكون كمهرج القصر الذي يدعي الحماقة وهو يعلم أنه أذكى من الملك، فالمهرج يتكلم ويُضحك ويسلي ولا يظن فيه أحدًا شيئًا آخر غير الحماقة.
كما أن الكلمات قد تعمل أحيانًا كساتر دخان يخفي أي خدعة تقوم بها. جذبك لآذان المنصتين يشتت انتباههم ويلهيهم، وكلما تكلمت أكثر يقل في تشككهم بك، فالناس لا يرون في الثرثارين الخبث والتلاعب بل السذاجة والخرق، وهذا عكس سياسة الصمت التي يتبعها أصحاب السلطة والنفوذ: تكلم أكثر فتبدو أضعف وأقل ذكاء من حقيقتك، وحينها يسهل عليك أن تمارس ما تريد من المكر والخداع.

القاعدة
5
السمعة عماد السطوة
دافع عنها باستماتة
الحكمة:
السمعة وحدها يمكنها أن ترهب وتنتصر، وسقوطها يعرضك للهجوم والضربات من كل جانب. حافظ على سمعتك وتنبه لأي هجمات تحاك ضدها واحبطها قبل أن تمسّك. وتعلم أن تدمر خصومك بإحداث خروق في سمعتهم ثم اتركهم للجماهير ينصبون لهم المشانق.

مراعاة القاعدة 1:
أثناء حرب الممالك الثلاث في الصين (207- 265 ميلادية) أرسل الجنرال شيوكو ليانج- قائد جيوش مملكة شو-قواته إلى منطقة نائية بينما بقي هو في مدينة صغيرة مع قليل من الجنود، وفجأة جاءه الحراس بنبأ اقتراب قوة معادية قوامها 150000 جندي من المشاة بقيادة سيما يي. كان الوضع حرجًا ويائسًا فلم يكن مع ليانج سوى مائة جندي لحمايته، وبدا محتومًا أن يأسر العدو هذا القائد العظيم.
لم يهدر ليانج وقته في التحسر على حاله أو تأمل كيف تم أسره بل أمر مشاته بخفض راياتهم وفتح أبواب المدينة والاختباء. جلس ليانج فوق أبرز مكان بأسوار المدينة مرتديًا معطفًا طاويًا وأشعل البخور وبدأ ف العزف على العود والإنشاد. بعدها بدقائق لاح جيش العدو في الأفق كحشود لا تنتهي من الجنود. تظاهر ليانج بعد الاكتراث واستمر في الإنشاد والعزف على العود.
توقف الجيش أمام أبواب المدينة يقودهم سما يي والذي تعرف بسرعة على الرجل فوق الأسوار. رغم ذلك ورغم رغبة الجنود في دخول المدينة الخالية من الحماية تردد سيما يي وأوقفهم وتأمل ليانج الجالس على الأسوار ثم أمر جنوده بالتقهقر فورًا وبسرعة.
التعليق:
كان شيوكو ليانج معروفًا باسم «التنين النائم»، وكانت إنجازاته في حرب الممالك الثلاث أسطورية. مرة جاء إليه ضابط كبير من جيش الأعداء يدّعي تمرده على قادته عارضًا العون والمعلومات لليانج والذي فهم بسرعة أنها مكيدة وأن هذا الضابط كاذب في ادعائه التمرد ويجب قطع رأسه. في اللحظة الأخيرة وقبل أن تقع الفأس على عنق الرجل أوقف ليانج الإعدام وعرض أن يُبقي على حياة الرجل بشرط أن يصبح عميلًا مزدوجًا. وافق الضابط شاكرًا ومرتعبًا وبدأ في إعطاء معلومات كاذبة للعدو مانحًا ليانج انتصارًا بعد آخر.
في مرة أخرى سرق ليانج خاتمًا عسكريًا وزيّف وثائق تأمر كتائب العدو بالتحرك لمناطق بعيدة، وبمجرد ابتعادها أسر ثلاث مدن وتحكم بممر كامل إلى مملكة العدو. مرة ثالثة جعل أعداءه يعتقدون أن أفضل جنرال لديهم خائن مما أجبر الرجل على الهرب والالتحاق بجيش ليانج. بحرص كوّن التنين النائم سمعته كأمهر رجل في الصين، وأن في جعبته دائمًتا حيلة يخفيها، وكانت هذه السمعة وحدها سلاح بقوة أي سلاح آخر يبث الرعب في قلوب أعدائه.
حارب سيما يي ضد شيوكو ليانج مرات عديدة وعرف الرجل جيدًا، وتحيّر حين أتى فوجد المدينة الخالية بينما ليانج يتعبد وينشد على الجدار. كان رداء الطاويين والبخور والإنشاد جزءًا من مباراة للترهيب، فكان يبدو الأمر جليًا لسيما يي أن الرجل يستدرجه للتقدم نحو فخ، كان الأمر واضحًا لدرجة أنه مر بالفعل بخاطر سيما يي أن ليانج بالفعل وحده ويائس لكن خوفه منعه من التقدم لاكتشاف الأمر تلك هي قوة السمعة فهي قد تضع جيشًا بكامله في موقف دفاع بل وتجبرهم على التقهقر دون إطلاق سهم واحد.
قال شيشرون ذات مرة أن حتى من يهاجمون الشهرة ويسخرون منها تظل لديهم الرغبة في أن تظهر أسماؤهم على أغلفة الكتب التي يهاجمون بها الشهرة وأن يشتهر ب ين الناس نقدهم للشهرة. يمكن للناس اقتسام أي شيء فيما بينهم إلا الشهرة. قد نرى من يعطي لأصدقائه من خبزه ومن حياته لكننا لم نسمع أبدًا بأحد يرغب في اقتسام شهرته مع أي شخص آخر.
مونتاتي 1533. 1592
مراعاة القاعدة 2:
عام 1841 كان ب. ت. بارنوم الشاب يسعى لترسيخ سمعته كأشهر رجل عرض في أمريكا فقرر شراء المتحف الأمريكي بمنهاتن وتحويله إلى مجمع للتحف، المشكلة أنه لم يكن يملك المال. كان السعر الذي يطلبه القائمون على المتحف هو 150000 دولار لكن استطاع بارنوم أن يقدم عرضًا راق للمالكين رغم أنه استبدل بالنقد عشرات الرهونات والسندات. وافق المالكون شفويًا على عرض بارنوم لكن في اللحظة الأخيرة غيّر الشريك الرئيسي رأيه وتم بيع المتحف والمقتنيات لمتحف

بيل. غضب بارنوم لكن أجابه الشريك الرافض أن العمل عمل وأن المتحف بيع لمتحف بيل لأنه له اسمًا مشهورًا بينما بارنوم شخص غير معروف.
رأى بارنوم أنه طالما لم يكن لديه اسم يضمنه فلن يكون أمامه سوى خيار واحد هو تدمير سمعة بيل، فبدأ حملة من الكتابة للصحف واصفًا مالكي متحف بيل بأنهم عصابة من «مديري البنوك الفاسدين» لا يعرفون شيئًا عن الترفيه، وحذر الناس من شراء أسهم بيل لأن شراء بيل لمتحف آخر سوف مواردهم ويضعفها. نجحت الحملة وتهاوت أسعار الأسهم وأدى فقدان الثقة في أداء بيل إلى تراجع المالكين بالمتحف الأمريكي عن الصفقة وباعوا كل شيء لبارنوم.
تطلّب الأمر سنوات من متحف بيل لينتعش من جديد ولم ينسوا أبدًا لبارنوم ما فعله بهم، وقرر السيد بيل الانتقام من بارنوم ومهاجمته بنفسه وذلك بأن يربي سمعة لبرامجه بأنها راقية ومدهشة وبأنها أكثر علمية على عكس برامج بارنوم المبتذلة. كان التنويم المغناطيسي من الأشياء «العلمية» الجذّابة لدى بيل وقد جذب الكثيرين من المشاهدين لفترة وكان ناجحًا تمامًا. في الطرف المقابل قرر بارنوم أن يهاجم سمعة بيل مرة أخرى.
نظّم بارنوم عرضًا تنويميًا منافسًا لخصمه وقام هو نفسه بتنويم طفلة، وبمجرد أن دخلت الطفلة حالة الغشية طلب متطوعين من الجمهور لكنه كان يفشل في تنويمهم مهما حاول وضحك الجمهور، فقال لهم بارنوم أنه لكي يثبت أن تنويم الفتاة حقيقي فإنه سيقطع إصبعًا من أصابعها دون أن تشعر، ولكن حين بدأ في سن السكين فزعت الفتاة وهربت ففرح الجمهور. كرر هذه العروض لأسابيع؛ بعدها لم يعد أحد يصدق عروض بيل وانفضوا عنها وأغلق العرض بعد ذلك بأسابيع. في السنوات التالية ترسخت سمعة بارنوم بأنه رجل العروض الجريئة والبارعة وهي سمعة استمرت معه طوال حياته، بينما لم تتعاف سمعة بيل بعدها أبدًا.
التعليق:
استخدم بارنوم تكتيكين مختلفين لتدمير سمعة بيل. كان التكتيك الأول بسيطًا:

فقد زرع بذرة الشك في استقرار المتحف وقدرته على الوفاء بديونه. الشك من الأسلحة القوية، فبمجرد أن تحرك الشكوك بالشائعات المتأنيّة تضع أعداءك في موقف لا يحسدون عليه، فمن ناحية يمكنهم إنكار الشائعة وإثبات أنك حاقد لكن إن فعلوا ذلك يتوّلد التساؤل المريب: لماذا يدافعون عن أنفسهم بهذه الحدة؟ هل السبب هو أن الإشاعة فيها شيء من الحقيقة؟. من الناحية الأخرى يمكنهم الترفع عنك أو تجاهلك لكن ستستمر الشكوك إن لم يتم إنكارها. إن أتقنت إطلاق الشائعات تغضب منافسيك وتوّترهم في الدفاع عن أنفسهم وتجعلهم يرتكبون أخطاء عديدة. هذا سلاح ناجح لكل من ليس لديه سمعة يخاف عليها.
بمجرد أن اكتسب بارنوم سمعته الخاصة بدأ في استخدام التكتيك الثاني الألطف في العرض التنويمي الزائف: سخر من سمعة منافسه، وكان ذلك أيضًا ناجحًا جدًا. فبمجرد أن يكون لك أساس ثابت من الاحترام، فإن سخريتك تضع خصمك في موقف المدافع وتجذب الانتباه إليك والأمران معًا يعملان على ترسيخ سمعتك. في هذه المرحلة عليم أن لا تستخدم الكيد الشخصي والتجريح لأنهما قبيحان وقد يؤذيك أكثر مما يساعدانك، لكن الدعابات اللطيفة والتقليد الساخر يظهرانك واثقًا من نفسك لدرجة تجعلك تستمتع بالضحك من حماقة خصمك في منافسته لك. فالدعابة تُظهرك مسليًا ووديعًا وتفتح خروقًا في سمعة منافسك.
جراح الضمير أسهل في الشفاء من جراح السمعة فريدريك نيتشه 1844. 1900
مفاتيح للسطوة:
لا يفتح الناس قلوبهم تمامًا لأصدقائهم المقرّبين، فتظل بعض خصالهم سرًا لا يفشونه أبدًا، وهذا الغموض في فهم الآخرين قد يوترنا لو فكرنا فيه مليًا لأنه يجعل من المستحيل الحكم على الناس حكمًا حقيقيًا، ولذلك نحب أن نتجاهل هذه الحقيقة وأن نبني حكمنا على الآخرين من مظاهرهم ومما يبدو منهم لأعيننا

كملابسهم وإيماءاتهم وكلماتهم وأفعالهم. فالمظهر هو ميزان أحكامنا ولا تنخدع أبدًا بغير ذلك، فمجرد ذلة أو عمل أخرق أو تغير متهور في مظهرك قد يسبب لك الكوارث.
ذلك هو السبب الذي يجعل عليك أن تبذل كل جهدك لتصنع لنفسك سمعة ترضاها ثم تحافظ عليها.
هذه السمعة سوف تحميك من مخاطر لعبة الحكم بالمظاهر وتبعد عنك أعين من يتربصون ليعرفوا حقيقتك وتمنحك درجة من التحكم بحكم الناس عليك وهذا التحكم يضعك في موضع السطوة. السمعة لها سطوة السحر: فلمسة واحدة من عصاها الخارقة تضاعف قوتك وتبعد عنك حقد الحاقدين. وقد يتغير الحكم على فعل ما من رائع إلى مروّع بتغير سمعة من يقوم به.
كان في بلاط مملكة واي الصينية القديمة رجل اسمه مي تسو هسيا عُرف بالتحضر والكرم وكان مقّربًا من الحاكم. وكان من قوانين المملكة أن «أي رجل يستخدم سرًا عربة الملك سمح له بذلك. حين عرف الحاكم بهذا الأمر قال «كم يتفانى تسو هسيا في حب أمه إلى حد ارتكاب جريمة قد تعرضه لقطع قدميه».
مرة أخرى كان الرجلان يجولان معًا في البستان، أكل تسو هسيا ثمرة كمثرى ولم يكملها فأعطى النصف الآخر للحاكم ليأكله، فعلّق الحاكم «أنت تحبني لدرجة تنسيك أن طعم لعابك على الثمرة فتعطيني لآكلها».
إلا أن الحاقدين على مي تسو هسيا استطاعوا تدمير سمعته وترويج أنه في حقيقته شخص متغطرس ومراوغ، فأعاد الحاكم رؤية أفعاله في هذا الضوء الجديد. قال لحاشيته في غضب «لقد استخدم عربتي مدعيًا أني سمحت له، وفي مرة أخرى أعطاني ما تبقى من ثمرة أكلها». نفس الأفعال التي أعجبت الحاكم حين كانت لمي تسو هسيا الحظوة هي التي يُعاقب عليها الآن، وكان مصير قدميه معتمدًا فقط على قوة سمعته.
في البداية عليك أن تسعى لترسيخ سمعة تقوم على خصلة بارزة لديك كالكرم أو الأمانة أو الذكاء، وسوف تميّزك هذه الخصلة وتجعل الناس يتحدثون عنك، ثم عليك أن تعمل على نشر هذه الخصلة بين أكبر عدد من الناس (بهدوء لكن دون تباطؤ وتأكد من أن تؤسس لها قاعدة متينة من المقتنعين بها)، بعد ذلك تأملها وهي تنطلق كالنار في الهشيم.
السمعة القوية يزيد من سطوتك واقتدارك دون أن تبذل مزيدًا من الجهد، وهي تضع حولك هالة تكسبك الاحترام وحتى الهيبة. أثناء معارك شمال أفريقيا في الحرب العالمية الثانية اكتسب الجنرال الألماني إورين رومل سمعته كداهية في المناورة والخداع، وكان ذلك يبث الرعب في كل من كان يواجهه. وحتى مع استنزاف قواته وتفوق الإنجليز عليه خمس مرات في عدد من الدبابات كانت مدن عديدة يتم إخلاؤها بالكامل عند وصول الأنباء باقترابه.
وكما يقال فإن سمعتك تسبقك دومًا، وإن كانت لك سمعة تكسبك الاحترام فإن جزءًا كبيرًا من أعمالك يتحقق قبل أن تطلب بل حتى قبل أن تصل إلى المكان المنشود.
عادة ما يتحدد نجاحك في أمر ما بما حققت من نجاحات في أمور سابقة. كان الكثير من إنجازات هنري كيسنجر في دبلوماسيته المكوكية تعتمد على سمعته في تسوية الخلافات، وكان الكثيرون لا يرغبون في أن يُنظر إليهم بأنهم من جمود التفكير بحيث لا يستطيع كيسنجر أن يليّن آراءهم. كانت نتيجة المفاوضات تعتبر محتومة إن ورد اسم كيسنجر بين الوسطاء.
اجعل لنفسك سمعة بسيطة قائمة على خاصية مميزة لك، وسوف يصبح هذا التميز سواء كان في الموهبة أو المكر مثل منارات الموانئ تجذب إليك الناس وتحببهم في حضورك. اشتهارك بالأمانة مثلًا سوف يسمح لك بممارسة كل أنواع الخداع. كان كازانوفا يستخدم شهرته في غواية النساء لتمهد له الطريق لغزواته الغرامية التالية، وكانت النساء اللاتي يسمعن بقدراته يغلبهن الفضول لاكتشاف ما الذي جعله يحقق هذا النجاح في ممارسة الحب والغواية.

ربما تكون قد أفسدت سمعتك من قبل بحيث لا تستطيع أن تؤسس سمعة جديدة، حينها قد يفيدك أن تربط اسمك بشخص تتناقض سمعته مع سمعتك وسوف يسمح لك هذا الارتباط بإعلاء وتبييض اسمك. من الصعب أن تمحو اشتهارك بين الناس بالغدر لكن استعانتك بشخص يعرفه الناس بالأمانة قد يساعدك. حين أراد ب. ت. بارنوم التخلص من انتقاد الناس له بنشر الفن البذيء أحضر المغنية جيني ليند من أوروبا وكانت مشهورة برق الأداء، ونجح انتشار رعاية بارنوم لفنها إلى تكوين صورة راقية عنه، ومثل ذلك ما فعله بارونات النهب الكبار في القرن التاسع عشر للتخلص من اشتهارهم بالقسوة والعنف، وذلك برعايتهم للفنون، وهكذا أدى ربط عائلات مورجان وفريك أسماءها بأسماء مثل دافنشي ورامبران إلى نسيان الناس لماضيهم القبيح.
السمعة ثروة عليك أن تصنعها بعناية وتحافظ عليها وترد دائمًا كل الهجمات عنها. حين تترسخ سمعتك فاحذر أن تستسلم للغضب أو أن تقف موقف الدفاع في وجه افتراءات أعدائك فذلك يظهرك مهزوزًا غير واثق من نفسك، بل اسلك طريق الترفع والتعالي ولا تظهر أبدًا مدافعًا باستماتة عن نفسك. وحين تكون شهرتك أقل من شهرة شخص آخر فإن سلاحك الفعال هو الهجوم على سمعته، لأن خسائرك في هذه المعركة ستكون أقل من خسائره كما أنه لن يجد في سمعتك الضئيلة ما يجعله يرد إليك الضربة. استخدم بارنوم هذا النوع من الهجمات ببراعة في مقتبل حياته المهنية، لكن عليك أن تمارس هذا التكتيك بحذر حتى لا يظهر أن ما تفعله مجرد انتقام هزيل، لأنك إن لم تكن ماهرًا في تدمير سمعة عدوك يرتدد إليك سلاحك بتدمير سمعتك أنت.
كان توماس إديسون –والمعروف بأنه المخترع الذي روّض الكهرباء- يظن أن الاستخدام العملي للكهرباء يجب أن يعتمد على التيار المستمر، وغضب كثيرًا حين ظهر نجاح العالم الصربي نيقولا تسلا في اختراع نظام يعتمد على التيار المتردد، فعزم على تدمير سمعة تسلا بجعل الجمهور يعتقد أن التيار المتردد خطير بطبيعته، وأن من الاستهتار بالناس أن يروّج له تسلا.

لتحقيق غايته لجأ إديسون إلى صعق كافة الأنواع من الحيوانات المنزلية بتيار كهربي متردد، وحين لم يجد ذلك كافيًا أقنع سلطات سجن نيويورك في عام 1890 بتنفيذ أول حكم بالإعدام صعقًا بالكهرباء باستخدام تيار متردد، لكن فشل الإعدام لأن تجارب إديسون السابقة كانت على حيوانات صغيرة، وقد أدى التيار الكهربي المستخدم في الإعدام إلى إنهاك الرجل وليس موته، واضطرت السلطات إلى تكرار الإجراءات في واحدة من أكثر عمليات الإعدام التي سمحت بها السلطات قسوة.
على الرغم من نجاة سمعة إديسون لاحقًا إلا أنه في وقت هذه الحملة كان ما لحق بسمعته من دمار بكثير مما لحق بسمعة تسلا، فقد أُبعد عن بؤرة الضوء والاهتمام. والدرس هنا بسيط: لا تفرط أبدًا في هجمات من هذا النوع لأنه يظهرك حاقدًا ومنتقمًا أكثر مما يظهر عيوب الشخص الذي تريد تشويه سمعته. حين تستقر شهرتك عليك أن تستخدم طرقًا ألطف للهجوم مثل السخرية والاستهانة لإضعاف خصمك بينما تظهر أنت في صورة المتجبّر اللطيف، مثل الأسد الذي لا يفعل مع فأر قطع عليه الطريق إلا أن يعبث ويتلاعب به لأن أي رد فعل آخر يقلل من قوته وجبروته.
الصورة
منجم ملآن بالماس والياقوت.
تحفر لتجده وتصنع ثروتك، ثم تدافع عنه بحياتك. سوف يأتي إليك اللصوص والنهابون من كل اتجاه. لا تظن أن ثروتك خالدة. فعليك دائمًا أن تجددها؛ فالزمن يخفت من بريق الجواهر، وعليك أن تحفظها بعيدًا عن كل العيون
اقتباس من معلم: لذلك أتمنى من كل رجال الصفوة أن يؤكدوا مكانتهم الموروثة بالمهارة والحيلة، وأن يعرف كل منهم أنه مهما ارتحل غريبًا فسمعته تسبقه.... لأن الشهرة التي تصنعها آراء الناس بجدارة رجل ما تهيئ عقول الآخرين لتقبل هذه الشهرة حين يرون أي نجاح ولو بسيط يحققه هذا الرجل. (بالدسار كاستليوني، 1478- 1529).

عكس القاعدة:
ليس هناك عكسًا محتملًا لهذه القاعدة، لأن السمعة لا غنى عنها أبدًا. وعدم اكتراثك بما يظنه الناس بك يكسبك السمعة بأنك مغرور ومتغطرس، وقد تكون هذه الصورة ذاتها مفيدة –وقد استخدمها أوسكار وايلد ببراعة. نحن جميعًا نحيا داخل مجتمعات من البشر ولن ينفعنا إهمالنا لرأي الناس فينا. وعدم تحكمك بكيفية رؤية الناس لك يجعل آخرين يتحكمون بها ويقررون لك مكانتك. عليك أن تكون سيدًا لمصيرك وكذلك سيدًا لسمعتك.

القاعدة
6
الفت إليك الأنظار بأي ثمن
الحكمة:
تقدر الأشياء بمظهرها ولا أحد يهتم بما لا يراه. لا تكن نكرة وسط الجموع حتى لا يتجاهلك الناس. أبرز نفسك واختلف عن الآخرين والفت إليك الأنظار بإظهار المكانة أو الحيوية أو الغموض حتى لا تضيع وسط الجموع المائعة والخجولة.

الجزء الأول: اجعل اسمك مرتبطًا في أذهان الناس بالإثارة والفضائح:
أجذب الانتباه بصنع صورة لنفسك لا تنسى أو حتى مثيرة للجدل، افتعل فضيحة أو افعل أي شيء آخر يجعلك تبدو أسطوريًا ومختلفًا عن الأشخاص العاديين. لا تشغل بالك بطبيعة ما يجذب الناس لك لأن الشهرة مهما كان نوعها تجلب السطوة، وأفضل لك أن يشّهر الناس بك ويهاجموك عن أن يتجاهلوك.
مراعاة القاعدة:
بدأ ب. ت. بارنوم رائد الاستعراض في أمريكا في القرن العشرين حياته المهنية مساعدًا لصاحب سيرك هو آرون تيرنر. في عام 1836 توقف السيرك في أنابوليس بولاية ميرلاند للقيام بسلسلة من العروض. في صباح يوم الافتتاح تجوّل بارنوم في المدينة مرتديًا بذلة سوداء جديدة وبدأ الناس في إتباعه، صاح شخص من الجمع بأن بارنوم هو الكاهن إفرايم ك. آفري الذي اشتهر بارتكابه جريمة قتل وبرأته المحكمة لكن ظل معظم الأمريكيين مقتنعين أنه القاتل. مزّقت الجموع بذلة بارنوم وكانوا متحفّزين لقتله. بعد توسلات عديدة أقنعهم بارنوم أن يتبعوه إلى السيرك وهناك تعّرفوا على هويته الحقيقية.
بمجرد أن وصلوا إلى السيرك عرفوا أن المسألة لم تكن إلا دعابة تمثيلية وأن آرون تيرنر نفسه هو الذي روّج الإشاعة بأن بارنوم هو آفري. تفرقت الجموع لكن بارنوم الذي كان على وشك أن يُهدر دمه لم يجد في الأمر متعة، وأراد أن يعرف السبب الذي جعل رئيسة يقوم بهذه الخدعة. أجابه تيرنر «أن المسألة كانت لصالحنا جميعًا، فأنت تعلم أن كل ما نحتاجه للنجاح هو جذب الانتباه»، وبالفعل أخذ الجميع يتحدثون عن هذه الدعابة وامتلأ السيرك بالجمهور هذه الليلة وفي كل الليالي التي يقوا فيها في أنابوليس. يومها تعلّم بارنوم درسًا لم يكن لينساه أبدًا.
أول إنجازات بارنوم كان المتحف الأمريكي في نيويورك وكان عبارة عن مجموعة من التحف. في أحد الأيام استعطفه شحاذ في الطريق، لكن بدلًا من أن

يمنحه المال قرر بارنوم أن يوّظفه، فعاد به إلى المتحف وأعطاه خمسة قوالب من الطوب وأخبره أن يسير ببطء لعدة مربعات سكنية وأن يضع قالب معين على جانب الطريق بحيث يفصل بين كل منها عدد محدد من المربعات السكنية وأن يُبقى قالبًا واحدًا في يده، وكان عليه عند عودته أن يستبدل القوالب الموضوعة بدءًا بالقالب الذي في يده وفي أثناء ذلك عليه أن يتقن العد ولا يجيب على أسئلة أحد، وعند عودته إلى المتحف كان عليه أن يدخل من الباب ثم يتجول في أنحاء المتحف ثم يغادر من الباب الخلفي ثم يعيد نفس الرحلة من جديد.
في الجولة الأولى للرجل شاهد المئات من المارة تحركاته الغريبة، وبعد الجولة الرابعة تجمعت حوله الحشود متسائلين عما يفعل. وفي كل مرة كان يدخل المتحف كان يتبعه أشخاص يشترون تذاكر الدخول حتى يتمكنوا من متابعته. كان الكثيرون منهم تشغلهم مقتنيات المتحف ويبقون لرؤيتها. في نهاية اليوم الأول جذب الرجل ألف شخص إلى المتحف وبعد أيام قليلة أمرته الشرطة أن يوقف جولاته لأن الجموع كانت تعيق حركة المرور. توقف الرجل الآلاف من سكان نيويورك كانوا قد زاروا المتحف والكثيرون منهم صاروا من زبائن بارنوم.
كان بارنوم يضع فريقًا موسيقيًا على أحد الشرفات المطلة على الشارع تحت لوحة كتب عليها «موسيقى مجانية للملايين»، وتعجب سكان نيويورك من هذا الكرم وتجمعوا ليسمعوا المعزوفات المجانية، لكن حرص بارنوم على أن يستأجر أسوأ العازفين. بعد أن تبدأ الفرقة في تلقي الاعتراضات كان الناس يسرعون لشراء التذاكر لدخول المتحف هربًا من الموسيقى السيئة ومن ضجيج جمهور المعترضين.
من أول الغرائب التي عرضها بارنوم بأنحاء أمريكا جويس هيث، وهي امرأة ادعى بارنوم أن عمرها 161 عامًا وأنها كانت من العبيد وكانت مربية جورج واشنطن. بعد أشهر بدأ جمهور المشاهدين في التضاؤل، فأرسل بارنوم خطابًا من مجهول إلى الصحافة مدعيًا بأن هيث ليست سوى خدعة متقنة وكتب «جويس هيث ليست بشرًا ولكنها إنسان آلي مصنوع من عظام الحوت ومطاط وزنبركات
عديدة». أثار ذلك شغف من لم يهتموا من قبل برؤيتها وعاد من رأوها لرؤيتها ثانية للتحقق من شائعة أنها إنسان آلي.
عام 1842 اشترى بارنوم جثة ادعى البعض أنها لعروس البحر. كان للجثة جسم سمكة ورأس قرد وكانت الرأس تتصل بإتقان بباقي الجسم- كانت حقا أعجوبة. بعد التحري تبين لبارنومجثة ادعى البعض أنها لعروس البحر. كان للجثة جسم سمكة ورأس قرد وكانت الرأس تتصل بإتقان بباقي الجسم- كانت لاحقا أعجوبة. بعد التحري تبين لبارنوم أن هذا الكائن تم تجميعه بحرفية في اليابان لكن الشائعة كانت مدوية.
على أية حال، قام بارنوم بنشر مقالات في الصحف حول اصطياد عروس البحر في جزيرة فوجي باليابان وأرسل رسوما لعرائس البحر وعرض الجثة التي لديه بالمتحف. انتشر الجدل بأنحاء البلاد حول حقيقة وجود مثل هذه الكائنات. قبل هذه الحملة التي شنها بارنوم لم يكن أحد ليهتم أو حتى يعرف عن عرائس البحر لكن أصبح بعدها الجميع يتكلمون عنهن كما لو كن حقيقة. توجهت الجماهير بأعداد غفيرة إلى المتحف لرؤية عروس فوجي وللاستماع إلى الجدل الدائر حولها.
بعد ذلك بسنوات جال بارنوم بأنحاء أوروبا مصطحبا الجنرال توم ثامب وهو قزم من كونيكتيكت في الخامسة من العمر ادعى بارنوم أنه صبي إنجليزي في الحادية عشرة وكان بارنوم قد درّبه على القيام بحركات كثيرة مبهرة. جذب بارنوم الأنظار بأوروبا حتى أن الملكة فيكتوريا- وكانت رمزا للرزانة- استدعته وطلبت منه أن يقدم عرضا خاصا له مع قزمه في قصر باكنجهام. سخرت الصحافة البريطانية من بارنوم لكنه كان قد نال الشرف الملكي لتسلية فيكتوريا واحتراما ظلت تكنه له بعد ذلك.
التعليق:
فهم بارنوم حقيقة جوهرية حول جذب الانتباه: بمجرد أن تلتفت إليك أعين الناس تحظى بمكانة خاص. كان تحقيق الربح لدى بارنوم يعني جذب المزيد من الحشود، وقد كتب لاحقا أن «كل حشد له بطانة من الفضة». تميل الحشود أن


تتصرف معا ككتلة واحدة متصلة، فإن توقف شخص عن الانتباه للشحاذ الذي يضع قوالب الطوب في الشارع سيحل محله آخرون ينجذبون للحشد كما تنجذب برادة الحديد للمغناطيس، وبلمسة بسيطة يمكنك أن تدخلهم إلى متحفك أو إلى مشاهدة العرض الذي تقدمه. لكي تجذب الحشود عليك أن تفعل شيئا مختلفا أو غريبا، فالجموع تنجذب للأمور غير المعتادة والمحيّرة، وبمجرد أن تجذب إليك الانتباه لا تفلته أبدا؛ لأنه لو اتجه لغيرك فإنه يتركك. كان بارنوم حريصا دائما على شد الانتباه إليه وإبعاده عن منافسيه لأنه كان يعطي لهذه السلعة القيّمة قدرها.
في بدايات طريقك إلى القمة عليك أن تبذل كل طاقتك لجذب الانتباه، ولا يهمّك نوعية ما يجذب لك الشهرة. كان بارنوم لا يتقدم أبدا بشكاوى مهما ساء ما يكتب عن عروضه أو مهما أدى فضح خدعه إلى تشويه سمعته الشخصية. الحقيقة أن كل ما كان يحرص عليه لو تجاوزت صحيفة ما الحدود في نقده هو أن يدعو الكاتب إلى افتتاح أحد العروض ويجلسه في مقعد مميز، بل كان حتى يرسل مقالات تنتقد وتتهجم على أعماله كي يظل اسمه متداولا في الصحف. كان بارنوم يرى أن جذب الانتباه سواء إيجابيا أو سلبا هو سر نجاحه. المصير الأسوأ لأي رجل يطلب الشهرة والمجد وبالتأكيد السطوة هو أن يتجاهله الناس.
لو حدث واشترك أحد رجال الحاشية في عرض جماهيري مثل المنافق.... فعليه أن يتأكد من أناقة ملبسه ومن جمال الزركشة في سرج حصانه ومن ابتداع الشعارات والرسوم التي تضمن له جذب أعين المشاهدين كما يجذب المغناطيس الحديد بالداساركاستليوني 1478. 1529
مفاتيح السطوة:
التألق على كل من حولك هو مهارة لا يولد أحد وهو يتقنها، لذا عليك أن تتعلم كيف تتضمن جذب الانتباه إليك «كما يجذب المغناطيس الحديد». في بداية مسارك المهني عليك أن تربط سمعتك واسمك بخصلة أو مظهر يميّزك عن الآخرين. قد يكون هذا المظهر أسلوبا مميزا في الملبس أو ملمحا في الشخصية يُعجب الناس ويجعلهم يتحدثون عنك. بمجرد أن يترسخ هذا التصور يصبح لك مكان في سماء الشهرة تصنع فيه نجوميتك.


من الأخطاء الشاعة أن تظن أن عليك أن تجعل الناس لا يختلفون حوله هذا المظهر وأن هجوم بعضهم عليك يسيء إليك. لا شيء أبعد عن الحقيقة من هذا الاعتقاد. لكي تتجنب أن تكون مجرد زوبعة في فنجان وكي لا يخطف أحد شهرتك عليك أن لا تفرق بين الأنواع المختلفة من جذب الانتباه فكلها تعمل في النهاية لصالحك. فكما رأينا كان بارنوم يتقبل الهجوم على شخصه ولم يشعر أبدا أن عليه أن يدافع عن نفسه، وكان ينشر بين الناس عندا فكرة أنه دجّال.
كانت حاشية لويس الرابع عشر تضم المميزينمن الكتاب والرسامين والنساء فائقات الجمال وكذلك رجال ونساء غاية في النبل والأخلاق؛ لكن أحدًا لم يبرز ويشغل حديث الجميع كما برز دوق لوزون. كان الدوق قصيرًا بل قزمًا تقريبًا وكان يتصرف بكل أشكال الغطرسة والغرور فقد ضاجع عشيقة الملك وأهان ليس أفراد الحاشية وحدهم وإنما الملك نفسه، لكن كان لويس متسليًا بغرابة أطوار الدوق لدرجة جعلته لا يتحمل البلاط دون حضوره. كان الأمر بسيطًا: كانت غرابة شخصية الدوق تجذب إليه الانتباه، وبمجرد أن افتتن الناس به كانوا يسعون بكل الوسائل إلى أ يحظوا بصحبته.
يحتاج المجتمع إلى رموز تتجاوز قصر الحياة؛ إلى أشخاص يبرزون فوق المعتاد والشائع، لذلك لا تخشى من خصالك التي تفرقك عن الآخرين وتجذب إليك الانتباه، ولا من اختلاف الناس في آرائهم حولك أو حتى من الفضائح. فالأفضل لك أن تُهاجم أ حتى تُشوه سمعتك عن أن يتجاهلك الناس. كل المهن تحكمها هذه القاعدة، فكل مهنة تحتاج إلى مسحة من الاستعراض.
كان العالم العظيم توماس إديسون يعرف أنه لكي يجني المال عليه أن يسعى بكل السبل للإبقاء على جذب انتباه الجماهير إليه، كانت طريقة عرض الاختراعات وإبرازها للجمهور على نفس القدر من الأهمية لديه كالاختراعات نفسها.
كان إديسون يعرض اكتشافاته حول الكهرباء بتجارب تخطف الأبصار، وكان يتحدث عن اختراعات مستقبلية كانت وقتها من الخيال- مثل الإنسان الآلي


والآلات التي يمكنها أن تصور الأفكار فوتوغرافيا. لم يكن يهدر وقته في مثل هذه الاختراعات بل كان يقصد بها أن تحفز الجماهير للحديث عنه، وقد فعل كل ما يستطيع ليحصل على المزيد من الانتباه عن أكبر منافسيه نيقولا تسلا والذي ربما كان أكثر عبقرية من إديسون ولكنه كان أقل منه شهرة بكثير. وفي عام 1915 انتشرت شائعة بأن إديسون وتسلا سوف يقتسمان جائزة نوبل للفيزياء في هذا العام لكنها ذهبت عنهما إلى عالمين إنجليزيين، وقد عُرف لاحقا أن اللجنة توجهت بالفعل إلى إديسون لكنه خذلهم ورفض اقتسام الجائزة مع تسلا. كانت شهرة إديسون وقتها تفوق شهرة تسلا ورأى أن الأجدى له أن يتنازل عن شرف التكريم من أن يسمح لمنافسه بالشهرة التي قد يمنحها له اقتسام الجائزة.
إ وجدت نفسك في وضع متدني لا يسمح له بجذب الانتباه إليك فالطريقة المثلى هي أن تهاجم أبرز وأشهر وأقوى شخص تجده أمامك. حين أراد بيتر آرتينو- وكان خادما شابًا في أوائل القرن السادس عشر- أن يبرز في كتابة الشعر نشر سلسلة من القصائد التي تتهكم بالبابا وبولعه بأحد الأفيال المدللة، وبسرعة التفتت إليه الجماهير. التهكم على أشخاص في موقع السلطة يكون له نفس التأثير، لكن عليك أن تقتصد في استخدام هذه الطريقة بعد أن تحظى بالشهر لأن تأثيرها يصبح هزيلاً.
بمجرد أن تُسلط عليك أضواء الشهرة عليك دائمًا أن تجددها بموائمة أسلوبك في جذب الانتباه إليك، لأنك إن لم تفعل فسوف تمل منك الجماهير وتنتقل عنك إلى نجم جديد. ويعتبر ذلك مباراة تتطلب الحذر والإبداع المستمرين. حرص بابلو بيكاسو على أن لا يختفي أبدًا في الظل فإن وجد أن اسمه أصبح مرتبطًا بأسلوب معين في الرسم كان يفاجئ الجماهير بأسلوب يخالف كل توقعاتهم، وكان يرى أن من الأفضل له أن يبتكر شيئًا قبيحًا ومزعجًا عن أن يألف المشاهدون أعماله. فعليك أن تفهم أن الناس يشعرون بالتفوق على أي شخص يمكنهم توقع تصرفاته، وإن


بينت لهم أن مقود الأمر في يدك بمخالفتك لكل توقعاتهم فسوف تنال احترامهم وتمسك إليك بزمام انتباههم المنفلت.
الصورة
دائرة الضوء في المسرح.
حين يحيط هذا البريق أحد الممثلين يمنحه حضورًا أسمى. تتجه إليه كل الأعين. ولا مكان إلا لمثل واحد في كل مرة تحت هذا الشعاع النحيل لدائرة الضوء، فافعل كل ما تستطيع كي تظل دائمًا في بؤرة الضوء. اجعل أفعالك وكلماتك بارزة وجذابة أو حتى مخزية حتى يبقى الضوء مسلطًا عليك بينما يبقى الممثلون الآخرون ساكنين في الظل
اقتباس من معلم: كن متألقًا وظاهرًا للجميع... فمن لا يحظى بالظهور كأنما لم يولد قط.... الضوء هو الذي يعطى لكل الكائنات قدرتها على إشعاع وجودها. والاستعراض يمحو الفراغات ويغطي على النقائص ويمنح شيء حياة أخرى خاصة إن كانت تدعمه جدارة حقيقية.
(بالتسار جراتسيان. 1601- 1658)
الجزء الثاني: اصطنع لنفسك هالة من الغموض والرهبة:
في عالم أصبح فيه كل شيء مبتذلاً وعاديًا تبقى للأشياء المبهمة جاذبيتها. لا تجعل أبدًا من السهل معرفة ما تفعل أو تنوي أن تفعل، ولا تظهر كل أوراق اللعب التي بين يديك. فالغموض يضفي على حضورك جلالاً ويدفع الآخرين للتخمين- فالكل سيراقبك ليعرف خطوتك التالية. استخدم الغموض للأخذ بألباب الناس وغوايتهم أو حتى ترهيبهم.
مراعاة القاعدة:
عام 1905 انتشرت الشائعات في أنحاء باريس عن فتاة شرقية ترقص في بيت خاص متسترة بحجاب تخلعه تدريجيًا أثناء الرقص. كتب صحفي محلي رأى رقصها


«أتت امرأة من الشرق الأقصى منعّمة بالعطر والحلي تعرض بعضًا من حياة الشرق النابضة والثرية وتقدمها للمجتمعات المترفة في مدن أوروبا». بعد وقت قليل أصبح الناس جميعًا يعرفون اسم هذه الراقصة: ماتا هاري.
في وقت مبكر من ذلك العام كان الناس يجتمعون في قاعة مليئة بالتماثيل والتحف الهندية بينما كانت تعزف فرقة موسيقية ألحانًا مستوحاة من التراثين الهندي والجاوي. بعد ترك الجمهور فترات من الانتظار والتلهف كانت ماتا هاري تظهر فجأة في زيها الأخاذ: كانت ترتدي صداراً [سوتيان] أبيض من القطن مطرزًا بجواهر هندية، ومعلق حول خصرها أشرطة مغطاة بالجواهر تثبت إزرارًا يكشف أكثر مما يستر يلتفت بين الأساور إلى أعلى ذراعيها. كانت ماتا هاري ترقص بطريقة لم يشهدها أحد من قبل في فرنسا، كان جسدها يتمايل في نشوة الوجد. كانت تقول لجمهورها أن رقصاتها مستوحاة من الأساطير والحكايات الشعبية في الهند وجزيرة جاوة. تنافس صفوة القوم في باريس على نيل الدعوات للحضور إلى القاعة وأتي إليها السفراء من البلاد البعيدة حيث راجت الإشاعات بأن ماتا هاري ترقص عارية رقصات صوفية.
كان الناس راغبين في معرفة المزيد من حياة ماتا هاري، وقد أخبرت الصحافة أنها هولندية الأصل تربت في جزيرة جاوة. كانت تحكي لهم عن الذكريات التي عاشتها في الهند وأنها تعلمت هناك الرقص الهندوسي وقالت لهم كيف أن النساء في الهند «يجدن الرماية والفروسية وماهرات في الرياضيات ويتحدثن في الفلسفة». في صيف عام 1905 وعلى الرغم من أن أنه لم يلتق بها إلا القليلون كان اسم ماتا هاري يتردد على كل شفاه في باريس.
كانت القصة حول نشأة ماتا هاري تتخذ تفاصيل جديدة مع كل لقاء صحفي معها: نشأت في الهند وكانت أم جدتها أميرة من جاوة وعاشت في جزيرة سومطرة حيث كانت تقضي أوقاتها «تركب الخيل والمسدس في يدها تخاطر بحياتها». لم يكن أحد متيقنا من أي شيء عنها، ولم يهتم الصحفيون بالاختلافات التي تحكيها حول

نشأتها، كانوا يقارونها بالربة الهندية التي كتب بودلير عنها- وبأي شيء يصنعه خيالهم حول هذه المرأة الغامضة الآتية من الشرق.
في أغسطس 1905 أقامت عرها الأول أمام عامة الجماهير، وأدي تدافع الجموع الراغبة في رؤيتها ليلة الافتتاح إلى الصخب والاضطراب، فقد أصبحت حينها رمزًا ثقافيًا وظهرت كثيرات يقلدنها. كتبت عنها إحدى التغطيات الصحفية «تجسد ماتا هاري كل شاعرية الهند بغموضها الساحر وعنفوانها وجمالها الفتّان». علّقت صحيفة أخرى «لو كانت الهند تملك مثل هذه الكنوز المبهرة فلسوف يهاجر كل الرجال في فرنسا إلى شواطئ نهر الجانجا [في شمال الهند]».
ذاعت شهرة ماتا هاري ورقصاتها الدينية إلى أبعد من باريس، فقد تم دعوتها في برلين، وفينا وميلانو. وقد رقصت في السنوات القليلة التالية في أنحاء أوروبا وخالطت أرقى الطبقات فيها وكان دخلها يحقق لها استقلالاً نادرًا ما كانت تتمتع به امرأة في هذا العصر، لكن في نهاية الحرب العالمية الأولى تم اعتقالها ومحاكمتها وإعدامها كجاسوسة ألمانية، ولم يتم معرفة حقيقتها إلا في المحكمة: لم تكن ماتا هاري من جاوة أو من الهند ولم تعش في الشرق بل لم يكن في دمها أي قطرة شرقية. كان اسمها الحقيقي مارجريتا زيل، وقد أتت من مقاطعة فريزلاند الشمالية الباردة والمتبلدة في هولندا.
التعليق:
لم تكن مرجريتا زيل حين أتت إلى باريس عام 1905 تملك من المال سوى نصف فرنك، وكانت مجرد واحدة من آلاف الفتيات الجميلات اللاتي يتدفقن إلى باريس كل عام ليعملن كعارضات لدى الرسامين أو راقصات في النوادي الليلة أو مؤديات في استعراضات الفولي بيرجير، ثم بعد سنوات يستبدل بهن حتما فتيات أصغر سنًا وينتهي بهن الأمر غالبًا عاهرات في الشوارع أو يعدن نادمات إلى المدن التي أتين منها.
كانت طموحات زيل أعلى من ذلك. لم تكن لديها خبرة في الرقص ولم تعمل من قبل في مسرح لكن في طفولتها كانت تسافر مع أسرتها ورأت رقصات محلية في جاوة وسومطرة. وقد تبين لمرجريتا بوضوح أن الأهم في أدائها ليس الرقص نفسه ولا حتى جمال وجهها وقوام جسدها بل في قدرتها على أن تشيع حولها جوًا من الغموض والسحر. لم يكن الغموض الذي صنعته لنفسها ينحصر في الرقص أو الملبس أو في الحكايات التي كانت تقصها أو الأكاذيب التي لا تنتهي حول نشأتها بل كان غموضًا تغلف به كل ما تفعله. فلم يكن بمقدورك التأكد من أي شيء يخصها، فقد كانت دائمة التغير، ودائما تفاجئ الجمهور بأزياء جديدة ورقصات جديدة وحكايات جديدة. كانت هذه الهالة من الغموض ترغب الجمهور في معرفة المزيد عنها وتجعله يتشوق لمعرفة خطوتها التالية. لم تكن مارتا هاري أجمل من باقي الفتيات اللاتي أتين إلى باريس ولم تكن مميزة في الرقص. كان ما مميزها عن جموع مثيلاتها وجذب إليها الجماهير ومنحها الشهرة والثروة هو غموضها. افتتن بغموضها لأنه يحفزهم لتفسيرات لا تنتهي. فلا يمكن الإمساك بأي شيء غامض، وكل ما لا يمكن اقتناصه أو استهلاكه يمنح السطوة.
مفاتيح للسطوة:
كان العالم في الماضي مليئًا بأشياء مجهولة ومروعة- كالأمراض والكوارث وتبدل الطغاة وغموض الموت نفسه. كل ما لم نفهمه كنا نتصوره كأساطير وسحر، لكن في القرن الماضي وبمعونة العلم والعقلانية استطعنا أن نضئ هذه الظلمات، فما كان من قبل غامضًا وعصيًا أصبح الآن معتادًا ومألوفًا. لكن لهذا التنوير ثمن: في عالم أصبح فيه كل شيء مبتذلاً بعد أن اعتصر كل ما فيه من غموض وأساطير أصبحنا نميل إلى أن نصنع سرًا ألغازنا المحيرة من أناس أو أشياء لا يمكننا تفسيرها أو حصرها أو استهلاكها.
تلك هي قدرة الغموض: فهو يحفزنا إلى التفسير ويستشير خيالنا ويفتننا للاعتقاد بأنه يحوي سرًا مدهشًا. أصبح عالمنا معتادًا ومبتذلاً ويمكننا توقع ما فيه ومن فيه لدرجة تجعلنا دائمًا تقريبًا نسلط الضوء على كل ما يبدو غامضًا ونندفع لتأمله.
لا تظن أنك لكي تنال هالة الغموض عليك أن تكون عظيمًا أو مدهشًا، فالغموض الخفي المضفور في تصرفاتك اليومية له قدرة أكبر على نيل افتتان الناس بك وانجذابهم إليك. لا تنس: معظم الناس تسهل قراءتهم كالكتاب المفتوح فهم لا يتحكمون بكلماتهم أو صورتهم ولا يصعب توقع تصرفاتهم، ولتعرف أنه بالتحفظ والصمت والإدلاء أحيانًا بعبارات ملتبسة وتعمد بمظهر عدم الاتساق والتصرف بغرابة بطرق لطيفة وخفية يمكنك أن تشيع حولك هالة من الغموض، وسوف يضخم الناس من حولك هذه الهالة بمحاولاتهم المستمرة لفهمك.
يعرف الفنانون والمحتالون العلاقة بين الغموض وجذب الانتباه. أجاد الكونت فيكتور لوستيج- وكان يعد أمير للمحتالين- هذه اللعبة إلى حد الإتقان، فكان دائمًا يقوم بتصرفات تبدو مختلفة أو خالية من المعنى، فكان يذهب إلى الفندق في سيارة فارهة يقودها سائق ياباني، وكان ذلك غريبًا ومختلفًا لأن أحدًا في بلاده لم ير سائقًا يابانيًا من قبل. كان لوستيج يرتدي أفهم الملابس لكنه دائمًا ما كان يحرف شيء ما- كميدالية أو زهرة أو ياقة الرسغ- عن موضعه المعتاد على الأقل لعصره. لم يكن ذلك يبدو كفقدان للذوق السليم بل غريبًا وملفتًا. وفي الفندق كان يتلقى تلغرافًا كل ساعة يرسلها له سائقه الياباني- وهي تلغرافات كان يمزقها متظاهرًا باللامبالاة (والحقيقة أنها كانت تلغرافات مزيفة وفارغة). كان يجلس في غرفة الطعام فاتحًا كتابًا كبيرًا وملفتًا ويبتسم للمارين لكي يبقى متحفظًا ومنعزلاً. خلال أيام قليلة كان جميع من في الفندق يتملكهم الفضول للتعرف على هذا الرجل الغريب.
كان هذا الاهتمام يتيح للوستيج خداع ضحاياه، فكانوا يتوسلون لنيل ثقته واهتمامه، وكانوا يرغبون في أن يراهم الناس بصحبة هذا الثري الغامض، وكانت سطوة هذا الغموض تلهيهم عن ملاحظة أنهم يُخدعون وتُسلب منهم أموالهم.


هذا الجو من الغموض يتيح لمتوسطي القدرات أن تظهر عليهم سمات الذكاء والحكمة، وهو الذي سمح لامرأة عادية في الذكاء والجمال مثل ماتا هاري أن تبدو كنجمة أسطورية ويبدو رقصتها قدسيًا. وهذا الغموض يسمح لأعمال الرسامين أن تأخذ بألباب الناس فور رؤيتها، وهي حيلة استخدمها مارسيل دوشان ببراعة، وهي حيلة يسهل تنفيذها: لا تكثر من التحدث للمشاهدين عن عملك، فقط حفزهم وأغرهم بتعليقات جذابة بل وحتى متناقضة ثم تنح عن الحوار ودع الآخرين يصيغون المعنى لعملك ولتعليقاتك.
الأشخاص الغامضون يضعون الآخرين في مرتبة أدنى نوعا ما بجعلهم ينشغلون بالتفسير، كما يبثون فيهم الخوف والرهبة التي تحيط بأي شيء مجهول أو محيّر. القادة العظام جميعًا يعرفون أن هالة الغموض تجذب إليهم الانتباه وتثير الخوف فيمن حولهم. كان ماو تسي تونج مثلاً يعطي لنفسه صورة مبهمة ولم يكن يخشى أن يبدو متناقضًا أو غير متسق- فقد كان تناقض أفعاله وكلماته يعنيان أن له السطوة دائمًا، ولم يشعر أحد- حتى زوجته- أنه يفهمه ولهذا كان يبدو أسطوريًا، وكان ذلك يستدعي إصغاء الجماهير وانتباههم المستمرين له بل وتحمسهم لمعرفة خطواته التالية.
إن كان وضعك الاجتماعي يمنعك من أن تظهر غامضًا تمامًا فاحرص على الأقل أن لا تبدو مقروءًا تمامًا، فمن آن لآخر عليك أن تخالف ما يتوقعه الناس منك، فذلك يضع من حولك في موقف دفاع ويجذب إليك الانتباه الذي يمنحك السطوة، كما أن الحيرة والألغاز إن أتقنت صنعهما يمكنهما أن يبثا الرعب في قلوب أعدائك.
في حرب قرطاجة الثانية (219- 202 ق.م) كان القائد العظيم هانيبال يدمر ما يمر به في زحفه نحو روما، وقد كان معروفًا بالمر والدهاء.
بقيادته كان جيش قرطاجة قد استطاع بالتحايل أن يتفوق دائمًا على جيش روما الأكبر عددًا، لكن في إحدى المرات ارتكب جنود الاستكشاف لديه خطأ فادحًا


وأدوا بجنوده إلى الزحف وسط المستنقعات مبتعدين عن شاطئ البحر، وحصن الرومان مسالك الجبال التي تؤدي إلى داخل البلاد، وشعر فابيوس بالنشوة من أن هانيبال قد وقع أخيرًا في هذا الفخ. خصص فابيوس أفضل حراسه لسد مسالك الجبال وأعد خطة لتدمير قوات هانيبال، لكن في منتصف الليل نظر الحراس للأسفل فرأوا مشهد محيرًا: كانت كتلة ضخمة من الضوء تتجه صعودًا إلى قمة الجبل، آلاف وآلاف من الأضواء. إن كان هذا جيس هانيبال فإن ذلك يعني أنه قد تضاعف مئة مرة.
احتد الحراس في الجدال لفهم ما يحدث: هل هذه تعزيزات أتت من البحر؟ هل هي قوات كانت متخفية في المنطقة؟ هل هي أشباح؟ لم يجدوا أي تفسير منطقيًا.
بينما كانوا يراقبون اندلعت النيران في كل أنحاء الجبل وسمعوا ضجة هائلة آتية من أسفل الجبل كما لو كانت صادرة عن النفخ في مليون بوق. اعتقد الحراس أنها الأشباح، وعلى الرغم من أنهم كانوا الأكثر شجاعة وحكمة في الجيش الروماني إلا أنهم لم يستطيعوا كبح أنفسهم عن الخوف والقرار متخلين عن مواقعهم.
في اليوم التالي هرب هانيبال من المستنقعات، لكن ما هي الحيلة التي قام بها؟ هل استعان بالأشباح؟. الحقيقة هي أنه ثبت أغصان أشجار في قرون آلاف الثيران التي كانوا يصطحبونها معهم لحمل أثقالهم، ثم أشعلوا هذه الأغصان فبدت كأنها نيران يحملها أعداد هائلة من الجنود صاعدين إلى الجبل، وعندما احترقت الأغصان ووصلت النيران إلى أجساد الثيران أخذت تتخبط هائجة في كل اتجاه مشعلة النيران في أنحاء الجبل. كان نجاح هذا الابتكار لا يكمن في الأضواء أو اشتعال الجبل أو في الضجة التي حدثت بل في أن هانيبال بلبل عقول الحراس بلغز محير بث في قلوبهم الرعب، وهو لغز لم يستطيعوا تفسيره من مكانهم في أعلى الجبل، ولو استطاعوا ذلك لكانوا قد ثبتوا في مواقعهم.
إن وجدت نفسك محاصرًا ويائسًا في الدفاع عن نفسك عليك أن تجرب شيئًا


بسيطا: قم بتصرف يصعب تفسيره أو فهمه، تخير تصرفًا بسيطًا لكن نفذه بطريقة تبلبل خصمك؛ طريقة تسمح بالعديد من التفسيرات الممكنة وتخفي نواياك الحقيقية. لا تقتصر على جعل تصرفك غير متوقع (وإن كان هذا الأسلوب قد ينجح- كما في القاعدة 17) بل افعل كما فعل هانيبال بأن تبتدع مشهدًا يصعب قراءته، فيرى الآخرون أن تهورك وجنونك ليس ممنهجًا وليس له إيقاع أو منطق أو تفسير محدد. لو فعلت هذا لاستطعت أن تثبت الخوف والرجفة لدى الحراس وتجعلهم يتخلون عن مواقعهم. يمكنك أن تسمي هذا الأسلوب «جنون هاملت المصطنع» لأن هاملت استطاع في مسرح شكسبير أن يستخدم هذا التكتيك ببراعة لترهيب كلوديوس زوج أمه بأن أحاط تصرفاته بهالة الغموض، فهذه الهالة تظهر قواك أكبر وسطوتك أخطر.
الصورة
الراقصة في الحجاب.
الحجاب يغطي الراقصة. ما يظهره يثير وما يخفيه يولد الشغف ذلك هو جوهر الغموض.
اقتباس من معلم: إن لم تبح نفسك للآخرين فإنهم سيسعون لأن يفهموك... أضف لمسة من الغموض على كل شيء، فهذا الغموض هو الذي يضفي عليك المهابة. وحين تفسر شيئًا لا تكن واضحًا تمامًا... بهذه الطريقة تقلد الحكمة الإلهية التي تجعل الناس يتساءلون ويتفكرون فيما سوف تأتي به الأقدار. (بالتسار جراتسيان- 1601- 1658).
عكس القاعدة:
في مقتبل صعودك نحو القمة عليك أن تجذب الانتباه بأي ثمن، لكن حين ترتقي مناصب أعلى كيّف نفسك حين المرحلة، لا تظهر للناس أبدًا بطريقة واحدة. الغموض يصنع الأعاجيب لمن يرغبون في إضفاء هالة من السطوة حول أنفسهم ويرغبون في أنّ يلاحظهم الآخرون لكن يجب استخدامه بعقلانية وتحكم.
بالغت ماتا هاري في أكاذيبها، فعلى الرغم من أن اتهامها بالتجسس كان باطلاً إلا أنه كان منطقيًا وقتها لأن أكاذيبها أظهرتها مريبة ومجرمة. لا تترك غموضك يجعل الناس تدريجيًا يرونك محتالاً، فلتجعل غموضك يبدو كلعبة مرحة وبريئة وحين تجد أنه قد تجاوز الحد يتوجب عليك أن تكبحه.
هناك أوقات لا يصح فيها جذب الانتباه إليك حيث يكون عليك أن تتجنب الشهرة والفضائح، فلا يجب أبدًا أن تهدد شهرتك أو تتحدى شهرة من هم أعلى منك إن كانوا راسخين في مواقعهم، فلن يظهرك ذلك دنيئًا فحسب بل تافهًا أيضًا. أتقن فمن توقيت متى تجذب الانتباه إليك ومتى تبعده عنك.
كانت لولا مونتيز بارعة في فن جذب الانتباه، وقد استطاعت أن ترتقي من نشأتها كإيرلندية من الطبقة الوسطى لتصبح حبيبة ليست [الموسيقار الشهير] وبعدها أصبحت المستشارة السياسية للملك لودفيج من بارفاريا وعشيقته. ولكن في آخر الأمر فقدت قدرتها على تقدير الأمور.
في سنة 1850 أجريت التحضيرات في لندن عرض مسرحية ماكبث لشكسبير بطولة أعظم ممثل في عصره شارلز جون كين. كان الحضور يضم كافة الشخصيات الشهيرة في المجتمع الإنجليزي، وسرت الشائعات بظهور الملكة فيكتوريا والأمير ألبرت تحية للجماهير. كان العرف وقتها يفرض أن يتخذ الجميع مقاعدهم قبل وصول الملكة، فتحضر الجماهير قبلها وحين تدخل مقصورتها الملكية يقفون تحية لها. وقف الثنائي الملكي برهة ثم انحنيا تحية للجمهور، ثم جلس الجميع وأظلمت القاعة. فجأة التفت العيون لمقصرة مقابلة لمقصورة الملكة: وظهرت في الظلال امرأة متخذة مقعدها بعد الملكة. كانت لولا مونتيز تلف رأسها بعصابة مرصعة بالماس ورداء طويل من الفرو حول كتفها. اندهش الجمهور حين سقط الرداء وظهرت عباءة من المخمل القرمزي قير الرقبة، وتوجهوا بأنظارهم إلى المقصورة الملكية فتبين لهم أن الثنائي الملكي يتجنبون عامدين النظر لمقصورة لولا فحذوا
حذوهما وتجاهل الجميع لولا طوال ما تبقى من السهرة، وفيما بعد لم يعد أحد في الوسط الراقي يجرؤ أن يشاهد بصحبتها، فقد انعكس اتجاه قوى المغناطيس وأصبحت ضدها، وأخذ الناس يفرون منها وانتهى مستقبلها في بريطانيا.
لا تظهر أبدا جشعًا للفت الأنظار لأن ذلك يظهرك مهزوزًا ويبعد عنك السطوة، ولتعلم أن هناك أوقات يكون الأصلح لك أن تبتعد عن مركز الانتباه. فحين تكون في حضرة ملك أو ملكة أو من في قدرهما انحني وانسحب إلى الظلال ولا تنافسهم أبدا.

** معرفتي **
WWW.ibtesama.com/vb
منتديات مجلة الابتسامة


القاعدة
7
استفد من جهود الآخرين
لكن احتفظ لنفسك بالتقدير
الحكمة
استخدم حكمة ومعرفة الآخرين وسعيهم لتقصي الحقائق لتحقيق مآربك، فذلك لن يوفر وقتك وجهدك الثمينين فحسب ولكن سيضفي عليك هالة إعجازية من الكفاءة والسرعة، وسرعان ما يتم نسيان من ساعدوك وتبقى أنت وحدك في الذاكرة. لا تفعل بنفسك ما يمكن أن يفعله لك الآخرون.


انتهاك ومراعاة القاعدة:
كان نيقولا تسلا- وهو عالم صبي- شابًا في عام 1883 وكان يعمل في الفرع الأوروبي لشركة إديسون عبر القارات، وقد أقنعه تشارلز باتشلر وكان صديقًا شخصيًا لإديسون بأن يبحث له عن مستقبل في أمريكا وأعطاه خطاب توصية لإديسون، ومن وقتها بدأ تسلا حياة من الكرب والمحن لم تنته حتى مماته.
حين تعرف إديسون على تسلا عينه فورًا، وأخذ تسلا يعمل ثمانية عشرة ساعة يوميًا لابتكار طرق لتطوير مولد كهرباء إديسون البدائي، وفي النهاية قرر أن يعيد تصميمه كليًا، وقد رأى إديسون أن ذلك عمل ضخم يمكن أن يستمر لسنوات قد تضيع دون فائدة، لكنه أخبر تسلا «سأمنحك خمسين ألف دولارًا إن نجحت في هذا الابتكار». عمل تسلا ليلاً ونهارًا وبعد عام واحد فقط استطاع تحسين المولد تحسينًا كبيرًا وجعله يعمل بتحكم آلي، فذهب إلى إديسون يزف إليه الأخبار ويطالبه بالخمسين ألف دولار. فرح إديسون بالتطوير لأن الفضل كان سيعود عليه وعلى شركته أما فيما يختص بالمال فقد قال للعالم الشاب «تسلا. أنت لم تفهم بعد الدعابة الأمريكية» ومنحه بدلاً من ذلك علاوة صغيرة.
كان تسلا متحمسًا لاستخدام التيار الكهربي المتردد بينما كان إديسون يصر على التيار المستمر، ولم يرفض دعم أبحاث تسلا فحسب بل فعل كل ما في وسعه لتدميره شخصيًا. فتوجه تسلا طالبًا دعم قطب الصناعة في بيتسبرج جورج وستنجهاوس وكان قد أقام شركته الخاصة للكهرباء، فدعم وستنجهاوس أبحاثه دعمًا كاملاً وتعاقد معه على نسبة مما يتأتى من المشروع من أرباح في المستقبل. التيار المتردد الذي طوره تسلا هو الذي مازال يستخدم إلى وقتنا هذا، لكن بعد أن سجل حق الاختراع باسمه تقدم علماء كثيرون يدعون أنهم من أعطوا تسلا أساس المشروع، وفي هذا اللغط نُسي اسم تسلا ونسبت الجماهير لاختراع إلى وستنجهاوس نفسه.
بعد عام تورط وستنجهاوس في دعوى استيلاء قدمها ج. بيبونت مورجان مما جعله
يلغي تعاقد النبة الذي منحه لتسلا، وبرر ذلك للعالم الشاب بأن الشركة سوف تفلس إن أعطاه كامل حقوقه وأقنعه أن يشتري منه حق الاختراع بمبلغ 21600 دولار وهو مبلغ كبير دون شك ولكنه أقل بكثير من 12 مليون دولار المستحقة له بمعايير ذلك الزمن. وهكذا سلب الممولون من تسلا المال وحق الاختراع والعرفان عن أهم ابتكار في حياته.
من ناحية أخرى يرتبط اسم جوجليومو ماركوني باختراع الراديو، لكن القليلين هم من يعرفون أن في بثه الأول عبر القناة الإنجليزية عام 1899 استخدم ماركوني اختراعًا مسجلاً باسم تسلا منذ عام 1897 وأن الفضل في هذا البث يعود لأبحاث تسلا. مرة أخرى لم يحصل تسلا على المال أو التقدير. اخترع تسلا محركًا يعمل بالحث الكهربي ونظام التيار المتردد وكان «الأب الحقيقي للراديو»، لكن أيا من هذه الاختراعات لم يحمل اسمه، وفي شيخوخته عانى من الفقر حتى مات.
في عام 1917 وكانت خاتمة لسنوات من الفقر والمعاناة لتسلا، أخبروه أنه سيحصل على ميدالية إديسون من الجمعية الأمريكية لمهندسي الإلكترونيات، فرفض الميدالية قائلا «تقدمون لي ميدالية أثبتها في معطفي وأتخايل بها هزلا أمام أعضاء جمعيتكم، تزينون جسدي وتتركونه يموت جوعًا لأنكم رفضتم الاعتراف بما أنتج عقلي من اختراعات شكلت أساسًا لمعظم ما تقوم عليه جمعيتك».
التعليق:
يتوهم الكثيرون أن العلماء لأنهم يتعاملون مع الحقائق بعيدون عن المنافسات الشخصية الحقيرة التي تنغص حياة بقية سكان العالم. كان تسلا من أولئك المتوهمين، كان يظن العلم لا شأن له بالسياسة وكان يقر بأنه لا يهتم بالمال أو الشهرة، لكن في شيخوخته رأى أن تجاهله لهذه الأمور هو الذي دمر أبحاثه العلمية. و[ن اسمه لم يرتبط بأي اختراع لم يوافق أي مستثمر على أن يرعى أفكاره العديدة، وبينما كان هو يفكر في اختراعات عظيمة من أجل المستقبل كان آخرون ينتحلون أعماله وينسبون المجد لأنفسهم.
كان راغبًا في القيام بكل شيء بنفسه، ولكن ذلك أجهده وأفقره.
كان إديسون نقيضًا لتسلا، فلم يكن بالفعل عالمًا أو مخترعًا فذا، فقد قال ذات مرة أنه لا يحتاج لأن يكون خبيرًا في الرياضيات لأنه يستطيع أن يوظف خبيرًا متى أرد. كانت تلك هي المنهجية الأساسية لدى إديسون، كان رجل أعمال ودعاية يقتنص الفرص ويتعرف على صيحات العصر ثم يوظف من يبرعون في هذه الأمور ليعلموا من أجله. وكان يسرق من منافسيه إن تطلبه الأمر، لكن اسمه أشهر من اسم تسلا وتنسب إليه اختراعات كثيرة.
الدرس هنا مزدوج: تكريمك على أي اختراع مهم بل أهم من الاختراع نفسه، عليك أن تؤمن العرفان لنفسك وتمنع الآخرين من انتحال ثمرة جهدك الشاق، ولتحقيق ذلك عليك أن تتكتم على ابتكارك إلى أن تتأكد من خلو السماء من الطيور الجارحة. الدرس الثاني، تعلم أن تستفيد من أعمال الآخرين لتطوير مشاريعك، فالوقت ثمين والحياة قصيرة. إن حاولت أن تفعل كل شيء بنفسك فسوف تنهك طاقتك ولا تستطيع أن تواصل حتى النهاية. الأفضل لك أن تحتفظ بقواك وتقتنص جهود الآخرين وتعمل على أن تنسبها لنفسك.
في التجارة والصناعة الجميع يسرقون. كثيرًا ما سرقت أنا نفسي ولكنني أعرف جيدًا أجيد السرقة
توماس إديسون، 1874. 1931
مفاتيح للسطوة
عالم السطوة يحكمه قانون الغابة: هناك من يعيشون على القنص والقتل وهناك أكثر منهم بكثير (كالضباع والنسور) يعيشون على ما يقتنصه غيرهم. الكائنات من هذا النوع الثاني لا تكون لديها القدرة على ما يتطلبه العمل لصناعة السطوة، لكنهم يتعلمون في مرحلة مبكرة بأنهم لو تأنوا وصبروا فإنهم سيجدون كائنًا آخر يقوم بهذا العبء عنهم. لا تكن ساذجًا. في اللحظة التي تستعبد نفسك فيها لإنجاز مشروع ستجد نسورًا يحومون في السماء مستعدين للتطفل أو حتى لخطف نتاج تعبك، ولن يفيدك الأسف أو أن تترك نفسك لتعتصرك مرارة الظلم كما فعلا تسلا.


الأفضل أن تحمي نفسك وأن تشارك في اللعبة، وبمجرد أن تكتسب السطوة تحول أنت نفسك إل نسر ووفر نفسك الوقت والتعب.
على أحد قطبي النقيض في هذه اللعبة يقف المستكشف فاسكو نونييز دي بالبوا كمثال، فقد كان مهووسًا باكتشاف مدينة إلدرادو التي كانت تحكي الأساطير أنها مليئة بالكنوز المخبئة.
في بواكير القرن السادس عشر، وبعد صعاب ومعاناة قربته من حافة الموت مرات عديدة تبين له بالأدلة وجود إمبراطورية عظيمة في جنوب المكسيك مكان بيرو الحالية، وإن استطاع أن يهزم الإنكا سكان هذه الإمبراطورية ويستولي على ما لديهم من الذهب قد يصبح خليفة كورتيز [الذي هزم قبائل الأزتيك في المكسيك لصالح إسبانيا]. كانت المشكلة حتى لو وجد الإمبراطورية أنه ترك الأمر ينتشر بين مئات المستكشفين الآخرين. لم يفهم أن نصف اللعبة يكمن في السرية وفي مراقبة من حوله. بعد سنوات قليلة من اكتشافه مكان إمبراطورية الإنكا دبر أحد الجنود في جيشه مكيدة أدت إلى الحكم عليه بقطع رأسه بتهمة خيانة بلده ثم أكمل ما كان بالبوا يسعى سنوات لاكتشافه.
القطب الآخر النقيض هو الرسام بيتر بول روبنز والذي وجد في أواخر سنوات عمره أنه مطالب بلوحات أكثر من قدرته على الرسم، فشكل نظاما خاصا: في المرسم الخاص به وظف عشرات الفنانين المميزين وجعل أحدهم يتخصص في رسم الثياب والآخر للخلفيات وهكذا، واستطاع أن يصنع خط إنتاج هائل ينتج عددًا كبير من اللوحات في وقت واحد، وحين يريد مشتري أن يلقي نظره على المرسم كان يصرف الفنانين في هذا اليوم، وبينما يراقبه المشتري من الشرفة كان روبنز يرسم بسرعة وطاقة كبيرتين، وينصرف المشتري وهو لا يكاد يصدق براعة هذا الفنان الذي يرسم هذا الكم من التحف في ذلك الوقت القصير.


تلك هي خلاصة القاعدة: دع الآخرين يبذلون الجهد واحصل أنت على التقدير، وسوف يظهرك ذلك صاحب إمكانات لا تصدق. إن كنت من الذي يظنون أن المهم أن تقوم بالعمل بنفسك فلن تستطيع أبدًا أن تحقق شيئًا كبيرًا، وسوف يظهرك ذلك صاحب إمكانات لا تصدق. إن كنت من الذي يظنون أن المهم أن تقوم بالعمل بنفسك فلن تستطيع أبدًا أن تحقق شيئًا كبيرًا، وسوف يصيبك ما أصاب بالبوا وتسلا والكثرين أمثالهما في هذا العالم. ابحث عن أشخاص يملكون مهارات وإبداعات لا تملكها ثم وظفهم واجعل اسمك يبرز فوق أسمائهم أو ابحث عن طريقة تنتحل بها أعمالهم وتجعلها لك، وسوف يظهرك ذلك عبقريًا.
هناك استخدام خر يبعدك عن انتحال جهد زملائك: استخدم الماضي وهو مخزون كبير من المعرفة والحكمة. كان نيوتن يطلق على ذلك «الصعود على أكتاف العمالقة» وكان يعني بذلك أنه استفاد من إنجازات الآخرين ليقوم باكتشافاته، وكان يعلم أن جزءًا كبيرًا من هالة المجد حوله كان مستمدًا من قدرته الحادة على تحقيق الهامات العلماء في العصور القديمة والوسطى وفي عصر النهضة. وكان شكسبير يستعير الحبكة والشخصيات وحتى مقاطع كاملة من الحوار من بلوتارك [المؤرخ اليوناني المعروف في العصور الكلاسيكية] ومن آخرين غيره، لأنه كان يعرف أن أحدًا لا يستطيع أن يتفوق على بلوتارك في وصف المشاعر النفسية الخفية والاقتباسات البارعة. وكم من الكتاب استعاروا وانتحلوا بدورهم من شكسبير.
كلنا نعلم أنه لا يكتب إلا القليل من السياسيين اليوم خطبهم الخاصة، فكلماتهم الحقيقية لن تكسبهم صوتًا واحدًا في الانتخابات، وما يظهرون به من ذكاء وبلاغة يدينون به لمن يكتب لهم هذه الخطب. ومن ذلك يمكننا أن نرى أن هذه السطوة متاحة للجميع إن تعلموا استخدام المعرفة المستمدة من الماضي، فسوف يظهرك ذلك عبقريًا حتى ولو لم تملك موهبة أخرى غير مهارة الاقتباس.
هناك أكوام من المعارف يغطيها التراب لكتّاب تعمقوا في طبيعة النفس البشرية وأساتذة استراتيجية قدامى ومؤرخين وصفوا ما يفعله البشر من غباء وحماقات وكذلك سير ملوك وملكات تعلموا دروس السطوة بالتجارب المريرة. كل هؤلاء


ينتظرون منك أن تعيدهم للحياة وأن تصعد على أكتافهم ليصبح ذكاؤهم ذكاءك ومهارتهم مهارتك. ولن يحكي أي منهم للناس أنك سرقت مواهبهم. لك الاختيار بين أن تكدح في الحياة وترتكب الأخطاء بلا نهاية وتضيع وقتك وجهدك أو أن تستفيد من جيوش الماضي هذه لتحقيق مآربك. كان بسمارك يقول «الحمقى هم من يتعلمون من خوض التجربة أما أنا فأحب أن أتعلم من تجارب الآخرين».
الصورة
النسر
النسر من بين كل مخلوقات الغابة يحصل على ما يريده بسهولة: بالاستيلاء على الفرائس التي عجزت عن أن تنجو بأنفسها والتي شقي الآخرون لاقتناصها. انتبه للنسور التي تحوم حولك حتى لا تخطف ما جاهدت لتحقيقه. لا تقاتلها بل كن واحدًا منها.
اقتباس من معلم: هناك الكثير لتتعلمه؛ فالحياة قصيرة ولا تصلح دون معرفة، ولذلك فإن من الوسائل الرائعة أن تكتسب المعرفة من الآخرين. تعب شخص آخر قد يكسبك الشهرة بين الناس بأنك عبقري. (بالتسار جراتسيان، 1601- 1958).
عكس القاعدة:
هناك أوقات لا يكون من الحكمة فيها أن تنال التقدير عن عمل الآخرين: إن لم تكن رسخت سطوتك تمامًا سيظهرك ذلك بأنك تزاحم الآخرين على دائرة الضوء. لكي تكتسب العبقرية من استغلال مواهب الآخرين يجب أن يكون وضعك راسخًا وإلا اتهمت بالاحتيال.
عليك أن تعرف متى يكون إشراكك للآخرين في التكريم يخدم مصالحك والأهم أن لا تكون نهمًا للتقدير إن شارك في الأمر وليّ يرأسك. كانت زيارة الرئيس ريتشارد نيكسون لجمهورية الصين الشعبية من أفكاره الخاصة لكنها لم تكن لتتم دون الدبلوماسية البارعة لهنري كيسنجر، لكن حين أتي الوقت لنيل التقدير ترك


كيسنجر بذكاء نصيب الأسد لنيكسون، فلأنه كان يعلم أن التاريخ يكشف الحقائق حرص على أن لا يفسد مكانته بالتكالب على دائرة الضوء. هذه اللعبة كان كيسنجر يديرها بإتقان خبير: فقد كان يتلقى التقدير عن جهود من أدنى منه ويمنح بسخاء التكريم على جهده الخاص لمن هم أعلى منه. تلك هي الطريقة الأمثل للربح.


** معرفتي **
WWW.ibtesama.com/vb
منتديات مجلة الابتسامة


القاعدة
8
استدرج الآخرين لفعل ما تريد
الحكمة:
حين تجعل الآخرين يفعلون ما تريد تكون لك السيطرة عليهم، والأفضل أن تغري خصومك ليأتوا إليك متخلين عن خططهم الخاصة. استدرجهم إليك بالمكاسب لتكون أوراق اللعبة في يدك ثم هاجمهم وافرض عليهم شروطك.


مراعاة القاعدة:
في عام 1814 اجتمعت القوى العظمى في أوروبا في مؤتمر فيينا لتقسيم ما تبقى من الإمبراطورية المنهارة لنابليون بونابرت. كان الابتهاج يملأ المدينة والحفلات من أروع ما رواه التاريخ، لكن كان ظل نابليون المهيب يرفرف على المباحثات، وبدلاً من يحكموا بإعدامه أو نفيه تم إرساله إلى جزيرة إلبا غير بعيد عن شاطئ إيطاليا.
حتى وهو حبيس جزيرة كانت قوة شخصية نابليون ومكره توتر الجميع، أراد النمساويون تدبير قتله ولكنهم رأوا أن في ذلك خطورة شديدة. ورفع إلكسندر الأول القيصر المؤقت لروسيا حدة التوتر حين صاح بعد أن علم بتمرد جزء من بولندا على وصايته قائلا «أنا على وشك أن أفلت المارد» وكان الجميع يعرفون أنه يقصد نابليون. من بين كل رجالات الدولة الحاضرين وحدة تاليران وزير الخارجية السابق لنابليون ظل محتفظا بهدوئه ولا مبالاته كأنه يعرف شيئًا لا يعرفه الآخرون.
كانت حياة نابليون في جزيرة إلبا نسخًا مستهزئًا من مجده السابق، فقد سمحوا له باعتباره «ملكًا» لإلبا أن يحتفظ بحاشية مصغرة تتكون من طبّاخ واختصاصية ملابس وعازف بيانو رسمي وعدد قليل من رجال البلاط. كان القصد هو الاستهزاء بنابليون وتصوروا أنهم نجحوا في ذلك.
لكن في شتاء ذلك العام وقعت سلسلة من أحداث غريبة ومشوقة لدرجة تجعلها تستحق أن تروي في مسرحية. كانت السفن البريطانية تحيط بجزيرة إلبا وكانت مدافعها تحاصر كل المخارج المحتملة، لكن بطريقة ما استطاعت سفينة على متنها تسعمائة شخص أن تأخذ نابليون وتفر به إلى البحر، وطاردتها السفن البريطانية لكن لم تلحق بها. استثار هذا الهروب المستحيل دهشة شعوب أوروبا وفزع رجال السياسة المجتمعون في فيينا.
كان من الآمن لنابليون أن يغادر أوروبا إلا أنه لم يكتفِ بالعودة لفرنسا ليزيد الأمور غرابة زحف بجيشه الضئيل إلى باريس آملا أن يسترجع العرش، ونجحت


استراتيجيته وتجمع الناس من كل طبقات الشعب وارتموا تحت قدميه، وبسرعة خرج جيش من باريس يقوده المارشال ناي للقبض عليه، لكن حين رأى الجنود قائدهم السابق غيروا ولاءهم وانضموا إليه، وتم تنصيب نابليون إمبراطورًا من جديد وتضخم جيشه ثانية بالمتطوعين، واشتعلت فرنيا بحماسة تقارب الهذيان وتمردت الجموع في باريس وهرب الملك الذي كان قد تولى الحكم بعد نابليون.
حكم نابليون فرنسا لمائة يوم بعد ذلك، استفاق خلالها بسرعة من الهذيان. أفلست فرنسا واستنزفت مواردها، ولم يكن لدى نابليون أية حلول، وفي يونيو من نفس العام هُزم نابليون نهائيًا في معركة واترلو. وفي هذه المرة كان أعداؤه قد تعلموا الدرس: حكموا بنفيه إلى جزيرة سانت القاحلة على شاطئ أفريقيا من بعيد، ولم تعد لديه أي إمكانية للهرب.
التعليق:
لم تُعرف تفاصيل هرب نابليون الدرامي من جزيرة إلبا بعد ذلك بسنوات. قبل أن يقدم نابليون على هذه الخطوة الكبيرة كان زواره يخبرونه بأن شعبيته في فرنسا أعلى من أي وقت مضى وأن الناس سيتضامون معه مرة أخرى. أحد هؤلاء الزوار كان قائد جيوش النمسا الجنرال كولر والذي أقنع نابليون أنه لو هرب سترحب سلطات أوروبا ومنها بريطانيا بعودته للعرش، واستنتج نابليون أن الأسطول الإنجليزي سيسمح له بالفرار، والحقيقة أن هروبه قد تم في وضح النهار على مرأى من عدسات المراقبة لدى الإنجليز.
ما لم يعلمه نابليون هو أن رجلاً واحدًا كان وراء كل هذه الأحداث ويمسك بكل خيوطها، وأن هذا الرجل هو وزير خارجيته السابق تاليران، وأنه لم يفعل ذلك لاسترجاع أيام المجد السابق بل لسحق نابليون نهائيًا. كان تاليران يعارض قبل ذلك بفترة طويلة تهديد طموح نابليون لاستقرار أوروبا واعترض حين حكموا عليه بالنفي إلى جزيرة إلبا، وكان يؤمن بأن أوروبا لن تنعم بالسلام ما لم يتم نفي نابليون إلى مكان بعيد، لكن أحدًا لم ينصت إليه.
بدلاً من محاولة فرض رأيه قام تاليران بالانتظار والترقب والعمل بهدوء وفي النهاية كسب إلى صفة كاسلراي ومترينيخ وزيري خارجية إنجلترا والنمسا.
عمل الرجال الثلاثة معًا على لإغراء نابليون بالهرب، بل أن وسوسة كولر له بالمجد الذي سوف يلقاه كانت جزءًا من الخطة. تصرف تاليران كمقامر محترف وأعد لكل شيء مسبقًا وكان على ثقة من أن نابليون سيقع في الفخ الذي نصبه له، وكان واثقًا أيضًا أن نابليون سيقود فرنسا لحرب لن تستمر- نتيجة ضعف البلاد- لأكثر من أشهر قليلة. قال أحد الدبلوماسيين في فيينا كان يعلم أن تاليران هو مخطط هذه الأحداث أنه «أشعل النيران في المنزل ليخلصه من الطاعون».
حيث أضع الطعم لصيد الغزلان لا أطلق السهام على أول ظبي يأتي ليتشممه؛ بل أنتظر إلى أن يأتي القطيع بكامله
أوتو فون بسمارك 1815. 1898
مفاتيح للسطوة:
هناك مشهد تكرر كثيرًا في التاريخ: يقوم قائد عنيف بتحركات جريئة تكسبه سطوة هائلة، لكن تدريجيًا تصل سطوته إلى ذروتها وبعدها بسرعة ينقلب كل شيء ضده. يتحد أعداؤه الكثيرون ضده ويظل يصارع بعنف ليحافظ على سطوته وفي النهاية ينهكه الصراع ويسقط. السبب في ذلك هو أن الشخص العنيف نادرًا ما يمتلك التحكم التام بالأمور ولا يستطيع أن يخطط من البداية إلا لخطوات قليلة، ولذلك لا يمكنه أن يرى مسبقًا عواقب تحركاته الجريئة. وفي النهاية تنقلب عليه عدائيته لأنها تجعله يدفع عن نفسه باستمرار هجوم الأعداد المتزايدة من أعدائه والعواقب الخفية لأفعاله.
في عالم السطوة عليك دائمًا أن تسأل نفسك لماذا لا تتحكم بالأمور رغم تحمسك لحل المشكلات وهزيمة الخصوم، ولماذا تجد نفسك دائمًا رغم حزمك في وضع الدفاع وليس المبادرة. الإجابة بسيطة وهي أن عليك أن تغير فكرتك الخاطئة عن السطوة، لأنك غالبًا ما تظن أن الشدة والحزم يؤديان إلى الحسم والفاعلية. الحقيقة


أن أنجع الأفعال هي ضبط النفس والتناءي بنفسك واستدراج خصومك ومراقبتهم وهم يدخلون الفخاخ التي أعددتها لهم، لأن سعيك يجب أن يستهدف السطوة الدائمة والمستمرة وليس النصر الخاطف والسريع.
تذكر أن جوهر السطوة هو أن تحتفظ بالمبادرة وأن تجعل الآخرين يستجيبون لتحركاتك وأن تضعهم دائمًا في موقف الدفاع. حيث تستدرج إليك الآخرين تجد نفسك فجأة المتحكم بمقاليد الأمور، ومن يملك التحكم يملك السطوة. هناك أمران ضروريان لتحتل هذا الوقع: أن تسيطر على انفعالاتك ولا تستلم أبدًا للغضب، وفي الوقت نفسه تتلاعب بميل الناس الطبيعي للاستجابة بغضب حين تستفزهم أو تضللهم بالطعم المناسب. القدرة على استدراج الآخرين بعد سلاحًا له سطوة أكبر كثيرًا على المدى الطويل من أي وسيلة للعنف أو الاعتداء.
تأمل كيف استطاع تاليران البارع في هذا الفن من أداء حيلته المتقنة: أولاً استطاع أن يقاوم الاندفاع لإقناع السياسيين الآخرين بنفي نابليون إلى مكان أبعد. الطبيعي في هذه الحالات أن ينطلق الناس لإقناع الآخرين بالآراء التي يتحمسون لها وأن يملوا عليهم إرادتهم بالإقناع والجدل. لكن لو فعل تاليران ذلك لأجهد نفسه عبثًا وأصبح محط سخرية المجتمعين لأنه لم يكن إلا القليلون من معاصريه يدركون أن نابليون ما زال يشكل خطرًا. بدلاً من ذلك أحكم تاليران القبض على لسانه ومشاعره ثم استدرج نابليون لفخ معسول تصعب مقاومته. كان يعرف نقطة ضعف الرجل ألا وهي الاندفاع والتعطش للمجد وحب الجماهير وقد استغلها بمهارة وإتقان. لم يشك تاليران في أن يخذل نابليون توقعاته بعد أن يبتلع الطعم وينجح في استرجاع سطوته لأن فرنسا كانت مفلسة، كما أنه حتى لو كان في قدرات نابليون الشخصية ما يمكنّه أن يتغلب على هذه الصعاب فإنه لم يكن يستطيع 1ذلك إلا إن اختار مكان وتوقيت تحركاته، ولكن بالإعداد المحكم للحظة استطاع تاليران أن يتحكم بالتوقيتات والأماكن.


ليس لدي أي منا إلا الجهد والطاقة، وحين تستدرج شخصًا إليك تجعله يضني نفسه مستهلكًا طاقته في التحرك. في عام 1905 كانت روسيا في حرب مع اليابان، ولم يكن اليابانيون قد بدأوا تحديث أساطيلهم إلا من وقت قريب ولذلك كانت البحرية الروسية أقوى، لكن استطاع المارشال اليابان توجو هياشيرو أن يخدع الروس لترك سفنهم في بحر البلطيق من خلال نشر معلومات زائفة جعلتهم يعتقدون أنهم يستطيعون محو الأسطول الياباني بهجمة واحدة سريعة. لم تستطع السفن الروسية الوصول إلى اليابان بالطريق المختصر- عبر مضيق جبل طارق وقناة السويس حتى المحيط الهندي لأن هذه المعابر كانت تحت السيطرة البريطانية حليفة اليابان في ذلك الوقت- لذا كان عليهم الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا، وهكذا طالت الرحلة بأكثر من ستة آلاف ميل. وبمجرد أن وصلت السفن الروسية إلى رأس الرجاء نشر اليابانيون شائعة أخرى كاذبة: بأنهم سيبحرون للقيام بهجمة ضد الأسطول الروسي ولذلك قضى الروس الرحلة إلى اليابان في حذر شديد، وعند وصلوهم كان البحارة منهكين ومتوترين من كثرة العمل بينما كان اليابانيون ينتظرونهم متأهبين وبكامل حيويتهم، وهكذا وعلى الرغم من افتقادهم للخبرة في البحرية الحديثة استطاع اليابانيون سحق الروس.
من الميزات الأخرى لاستدراج خصمك إليك هي التي حققها اليابانيون في حربهم مع الروس، وهي أنك بذلك تجبره على التحرك في أرضك وفي ملعبك. وجود الناس في أرض معادية غالبا ما يوترهم ويجعلهم يتسرعون ويرتكبون أخطاء. في المفاوضات والاجتماعات يكون من الحكمة دائمًا أن تغري الآخرين بالمجيء لأرضك أو لأرض من اختيارك حيث يكون لك وضعك بينما لا يجدون هم شيئًا مألوفًا وبدون أن يشعروا يجدون أنفسهم في موقف الدفاع.
التلاعب بالناس خطير، وبمجرد أن يشعر شخص أنك تتلاعب يصعب عليك أكثر فأكثر أن تتحكم به، لكن حين تستدرج خصمًا إليك يتولد لديه الوهم بأنه هو من يتحكم بالموقف، ولا يشعر بالخيوط التي تحركه داخل الموقف تمامًا كما حسب نابليون أنه هو السيد المتحكم في مغامرة هروبه ورجوعه إلى السلطة.


يعتمد الأمر كله على حلاوة الطعم، وإن كان الطعم الذي تعده جذابًا كفاية فإنه سيشوش مشاعر ورغبات خصومك، ويمنعهم من رؤية الواقع. وكلما زاد جشعهم زادت قدرتك على قيادتهم.
كان دانيال درو قطب اللصوصية في القرن التاسع عشر أستاذًا في التلاعب بسوق الأسهم وحين كان يريد لأسهم معينة أن تباع أو تشتري أو أن يرتفع سعرها أو ينخفض كان نادرًا ما يتدخل مباشرة بل يلجأ إلى الحيلة. كانت إحدى حيله هي أن يتوجه إلى نادي للمستثمرين في وول ستريت موحيًا بأنه في طريقه إلى البورصة بأن يشد على رأسه مثلاً عصابة حمراء تمسح على جبينه العرق، ويوقع من العصابة ورقة صغيرة يتظاهر أنه لم يلحظها، وبعد أن يرحل يسرع الراغبون في توقع رهاناته بأخذ هذه الورقة التي تحوي معلومات سرية مزيفة عن تحركات الأسهم، وتنتشر الشائعة ويقوم هؤلاء الأعضاء أفواجًا بشراء أو بيع الأسهم وذلك بالضبط ما كان يريده درو.
إن استطعت أن تجعل الآخرين يحفرون قبورهم بأنفسهم فلماذا تحفرها لهم؟. يتقن النشالون هذه اللعبة، فمفتاح تمكنهم من نشل الجيوب هو معرفة أي جيب يحوي حافظة النقود والمحترفون منهم يمارسون السرقة في محطات القطار والأماكن الأخرى بالقرب من اللافتة المكتوب عليها «احترس من النشالين»، حيث يقوم كل من يمر ويقرأ اللافتة بتحسس حافظته للتأكد من أنها لم تسرق، ويكون ذلك بالنسبة للنشال كاصطياد سمكة داخل برميل، بل كان معروفًا أن اللصوص يضعون بأنفسهم لافتات التحذير من النشالين لتسهل عليهم عملهم.
في بعض الأحيان يكون أفضل لك عند استدراج الناس إليك أن تظهر لهم أنك تجبرهم على ذلك، أي أن تتخلى عن المكر إلى الإكراه الصريح، والنتائج النفسية لذلك ذات تأثير عميق: فالشخص الذي يجبر الآخرين على ما فعل ما يريد يظهر بمظهر السطوة ويدفع الآخرين لاحترامه وتقدير مكانته.


كان الرسام والمعماري الكبير في عصر النهضة فيليبو برونليتشي مميزًا في استدراج الآخرين لفعل ما يريد إثباتًا لسطوته. ذات مرة تم اختياره للمشاركة في ترميم كاتدرائية سانتا ماريا ديل فيورا بفلورنسا، وهو تكليف هام ومشرف، لكن حين كلف المسئولون رجلاً آخر هو لورنزو جيبرتي للعمل معه، امتعض برونليتشي في نفسه لأنه كان يعلم أن جيبرتي حصل على الوظيفة بوساطة معارفه، وأنه لن يقوم بأي عمل وسينال نصف التقدير. في مرحلة مصيرية من البناء ادعي برونليتشي الإصابة بمرض غامض وطلب التوفق عن العمل، على أن يكمل جيبرتي ما تبقّي، وبسرعة عرف المسئولون أن لا فائدة في جيبرتي، وعادوا يتوسلون إلى برونليتشي فتجاهلهم وأصر أن يكمل جيبرتي العمل فاكتشفوا المشكلة وطردوا جيبرتي.
شفي بعدها برونليتشي في أيام قليلة بما يشبه المعجزة! لم يكن عليه أن يثور أو يتصرف بغضب وحماقة تضحك عليه الناس، ولكن ببساطة استخدم فن «استدراج الآخرين لفعل ما يريد».
الصورة
فخ العسل للدببة
لا يطارد الصياد الدب الذي يعرف أنه مطارد يثور ويصبح عنيفًا جدًا إن حاصرته. بدلاً عن ذلك يضع له الصياد فخًا مطمّعا بالعسل. وهكذا لا يجهد نفسه أو يخاطر بحياته؛ فقط يضع الطعم وينتظر حتى يأتي إليه الدب.
اقتباس من معلم: المحارب الجيد يستدرج الآخرين إليه ولا يذهب إلى أحد. ذلك هو المبدأ الامتلاء والخواء بينك وبين الآخرين، فحين تستحث خصومك على المجيء إليك تستهلك قواهم وتصبح خاوية ولأنك لم تجهد نفسك إليهم تظل طاقاتك دائما ممتلئة، والمواجهة بين الخواء والامتلاء تشبه قذف البيض بالأحجار. (زانج يو، شارح في القرن الحادي عشر لكتاب فن الحرب).
عكس القاعدة:
على الرغم من أن الحكمة تقضي عمومًا أن تجهد الآخرين في ملاحقتهم لك، إلا أن هناك حالات مناقضة يكون عليك فيها أن تضرب سريعًا وبعنف حتى تهين


عدوك وتستنفذ طاقته وبدلاً من استدراجه إليك يكون عليك أن تذهب إليه وتجبره على ما تريد وأن تجعل زمام الأمر صراحة في يدك. أحيانًا يكون الهجوم السريع سلاحًا مرعبًا يجير الآخرين على الاستجابة دون أخذ وقت للتفكير أو التخطيط، وهذا يدفعهم للخطأ في تقدير الأمور ويضعهم في موقف الدفاع. هذا الأسلوب هو عكس قاعدة «ضع الطعم وانتظر» ولكن يؤدي إلى نفس النتيجة: أي أن تجعل العدو يستجيب لشروط.
كان الرجال من أمثال سيزار بورجيا ونابليون بونابرت يستخدمون عنصر السرعة لترهيب أعدائهم والتحكم بهم، فالتحرك السريع والمباغت يرهب المنافسين ويضعف معنوياتهم. عليك أن تختار الأسلوب تبعًا للموقف، فإن كان الوقت لصالحك وعدوك لا يقل عنك قوة فعليك أن تنهك قواه باستدراجه إليك. وإن كان الوقت ضدك- وكان عدوك أضعف منك وانتظارك قد يمنحه الفرصة للاستعداد- فلا تمهله وهاجمه بسرعة ولا تترك الفرصة للهرب، فكما قال الملاكم جولويس ذات مرة «قد أدعك تجري ولكن لن أترك لك الفرصة أبدًا لتختبئ».


القاعدة
9
انتصر بأفعالك وليس بكلامك
الحكمة:
الانتصارات اللحظية التي تظن أنك أحرزتها بالجدل هي في الحقيقة انتصارات سفيهة: فالامتعاض والضغينة التي تتركها تفوق في قوتها وبقاءها أي تغيرات لحظية في آراء الآخرين. القوة الأكبر تأتي من اتفاق الآخرين معك من خلال أفعالك دون أن تتفوه لكلمة. اعرض ولا تشرح.


انتهاك القاعدة:
في عام 131 ق.م. وبعد أن حاصر القنصل الروماني بوبليوس كراسوس دايفس موسيانوس مدينة برجاموس اليونانية، وجد أنه في حاجة إلى عمود يستخدمه لدك ثغرة لاقتحام أسوار المدينة، وتذكر أنه كان قد رأى منذ أيام ساريتين ضخمتين في حوض السفن بأثينا، فأمر أن يؤتي إليه فورًا بالسارية الأكبر، ولكن المهندس العسكري في أثينا كان متأكدًا من أن القنصل يحتاج للسارية الأصغر، وجادل الجنود الذين أتو له بالطلب بأن السارية الأصغر تناسب الموقف أكثر ويسهل نقلها.
حذّر الجنود المهندس من أن قائدهم ليس من النوع الذي يقبل الجدل لكنه أصر على أن السارية الأصغر هي التي تناسب الآلة التي يبنيها القائد للاقتحام، وأخذ يرسم المخططات للجنود واحدًا بعد آخر إلى أن قال لهم أنه هو الخبير وأنهم لا يعرفون ما يتحدثون عنه. وأخيرًا استطاع الجنود إقناع المهندس أن ينسى خبرته وأن يطيع الأوامر فحسب. ولكن بعد أن رحلوا فكر المهندس في الموضوع مجددًا وتساءل، ما فائدة طاعة الأوامر في أمر سيؤدي حتما للفشل؟. لذلك أرسل السارية الأصغر متأكدًا من أن القنصل سيرى أنها الأنسب للمهمة وأنه سيكافئه على ذلك خير مكافأة.
حين رأى موسيانوس السارية الأصغر طلب من جنوده التفسير فحكوا له عن إصرار المهندس وجداله المطول، وأنه كان قد وعد في النهاية بإرسال السارية الأكبر، فغضب موسيانوس بشدة لدرجة أنه نسي الحصار وأهمية خرق الأسوار قبل أن تأتي التعزيزات. لم يكن يفكر إلا في هذا المهندس الوقح وأمر أن يحضر إليه فورًا.
حين وصل المهندس بعدها بأيام قليلة أخذ يفسر للقنصل مرة أخرى أسباب استخدام السارية الأصغر واستفاض مكررًا نفس البراهين التي استخدمها مع الجنود وأن الحكمة تقضي بالإنصات للخبراء وأن القنصل لن يندم على ذلك. تركه موسيانوس ينهي كلامه ثم أمر الجنود أن يعرّوه تمامًا وأن يجلدوه ويضربوه بالعصي حتى الموت.


التعليق:
قضى هذا المهندس الذي لم يذكر التاريخ اسمه حياته كلها يعمل في تصميم الساريات والأعمدة، وكان الجميع يحترمه لأنه أكفأ مهندس في مدينة تفوقت في هذا العلم. كان متيقنًا من أنه على حق وأن المدك الأصغر يسمح بالمزيد من السرعة والقوة والأضخم ليس بالضرورة الأفضل ومن المؤكد أن القنصل سيعرف في النهاية أن كلامه منطقي ويستسلم لحياد العلم وسطوة المنطق، فكيف كان له أن يستمر في جهله حين يبين له الرسوم التفصيلية التي تبين النظرية التي تقوم عليها نصيحة؟. هكذا كان يفكر.
كان هذا المهندس مثالاً للمجادلين الذين نجدهم كثيرًا بيننا، وهؤلاء لا يعرفون أن الكلمات لا تكون أبدًا محايدة وأنهم بجداهم مع من أعلى منهم يهينون أشخاصًا لهم السطوة عليهم. ولم يتنبه كذلك لشخصية من يتعامل معه. ولأن كل شخص يعتقد أنه على حق وأن الكلمات نادرًا ما تقنع أحدًا بخطأ تفكيره لذلك لا نجد أحدًا يصغي لمنطق المجادلين. وحين تمت محاصرة المهندس ووجد نفسه في موقف صعب أخد يجادل أكثر حافرًا قبره بيده. وبمجرد أن تهدد ثقة من تجادلهم في أنفسهم وتشعرهم بالدونية وتضع نفسك في موقف هذا المهندس فلن تنقذك حتى بلاغة سقراط من مصيرك المحتوم.
المشكلة ليست في محاولة إقناع من هم أعلى منك برأيك، بل في أننا جميعًا نظن أننا أساتذة في عالم الآراء والمنطق، وعليك إذن أن تكون حريصًا: وأن تتعلم أن تثبت صحة أفكارنا بطرق غير مباشرة.
مراعاة القاعدة:
في عام 1502 كانت هناك كتلة كبيرة من الرخام في كنيسة سانتا ماريا ديل فيورا بمدينة فلورنسا بإيطاليا، كانت من قبل جزءا من قطعة صخرية رائعة لكن نحاتا غير ماهر شوهها تشويها بالغًا حين كان يصنع شقًا لنحت ساقي تمثال. سعى بييرو سوديريني إنقاذ الصخرة بتكليف ليوناردو دافنشي أو أي أستاذ آخر لكنهم رأوا


جميعا أنه لا يمكن إصلاح التشوه الذي حدث، وهكذا وعلى الرغم من المبلغ الذي دفع ثمنًا لها ظلت الصخرة لا تجمع لا تجمع غير التراب في الصالات المظلمة بالكنيسة.
بقيت الأمور على حالها إلى أنه نبه بعض الفلورنسيين أصدقاء مايكل أنجلو الذين كان يعيش في روما وقتها أنه هو وحده القادر على صنع شيء من هذه الكتلة الخام والتي كانت على أية حال من الرخام الرائع. أتى مايكل أنجلو مايكل أنجلو إلى فلورنسا وتفحص الصخرة ورأى أنه بالفعل يستطيع نحت شكل مميز منها يستوعب ما حدث لها من تشوه. كان سوديريني يرى أن ذلك مضيعة للوقت وأن أحدًا لا يستطيع إنقاذ هذه الكارثة، لكن في النهاية سمح للفنان أن يعمل عليها، وقرر مايكل أنجلو أن يصنع منها نحتًا للنبي داود في صغره وفي يده مقلاع.
بعد أسابيع وبينما كان مايكل أنجلو يضع اللمسات الأخيرة للتمثال دخل سوديريني الذي كان يرى في نفسه ذوّاقة للفنون، وقال لمايكل أنجلو بأن التمثل وإن كان يراه عظيمًا إلا أن الأنف تبدو أكبر من حجمها المناسب. لاحظ مايكل أنجلو أن سوديريني يقف تحت التمثال مباشرة ولا يراه من المنظور الأفضل، ودون أن يتكلم أشار سوديريني أن يتبعه إلى أعلى السقالة، وحين وصلا إلى مستوى الأنف أخذ أزميلا وحفنة تراب من فوق لوح خشبي، وبعد أن أصبح سوديريني تحته بأقدام أخذ يطرق على الأنف بخفة وجعل التراب الذي كان قد وضعه في يده يتسرب قليلاً بقليل. لم يغير أس شيء بالأنف لكنه أوهم سوديريني بأنه يصلحه. بعد دقائق من هذه التمثيلية وقف أنجلو إلى جانب سوديريني وسأله: «انظر إليها الآن» فأجاب سوديريني «أفضل كثيرًا، وكأنك بعثت الحياة إلى التمثال».
التعليق:
كان مايكل أنجلو يعلم أن أي تغيير في شكل الأنف سيدمر التمثال بأكمله، لكنه كان يعلم أيضًا أن سوديريني راعي للفنون يتباهى بذوقه الجمالي، وكانت إهانة رجل كهذا لن تجعله يخرج خالي الوفاض فحسب بل تحرمه أيضًا من فرص في


المستقبل. كان مايكل أنجلو أذكى من أن يجادل، وكان حله للمشكلة بأن غيّر المنظور الذي ينظر سوديريني منه للتمثال دون أن يشعره أن وقفته هي السبب وراء رؤيته للتشوه.
مفاتيح للسطوة:
في عالم السطوة عليك أن تتعلم التأثير طويل الأمد لأفعالك على الآخرين. المشكلة في محاولة إثبات وجهة نظرك أو تحقيق نصر بالجدال أنك لا تعرف في النهاية تأثير ذلك على من تجادل: فقد يتفقون معك تأدبًا ولكن يستاءون منك في داخلهم، وربما تكون قد قلت شيئًا يجرحهم دون قصد- فالكلمات لها قدرة ماكرة على جعل الناس يفسرونها حسب أهوائهم ونقاط ضعفهم، وحتى أفضل البراهين لا تكون مؤثرة لأننا جميعًا لا نثق بالطبيعة المراوغة للكلمات. كما أننا حتى لو اتفقنا مع شخص في رأيه فإننا نعود بأيام لآرائنا القديمة ليس لشيء إلا لأننا اعتدنا عليها.
ولتفهم أن الكلمات لا قيمة لها في ذاتها، فكلنا نعرف أننا في حدة الجدال نقول أي شيء يدعم رأينا، كأن نستشهد بالكتب المقدسة أو بإحصاءات غير مؤكدة، فمن قد يقتنع بمثل هذا التحايل؟. الأفعال والعروض تكون أقوى في تأثيرها ومغزاها، فهي تحدث أمامنا ونراها، حينها يمكننا أن نقول كما قال سوديريني «نعم. رأس التمثال الآن متقنة» دون كلمات جارحة أو سوء تفسير، فلا أحد يجادل في عرض واقعي. وكما قال بالتسار جراتسيان «الحقيقة في عمومها تُرى ولا تُسمع».
كان السير كريستوفر رين هو النموذج الإنجليزي من رجال عصر النهضة الموسوعيين، فكان يتقن الرياضيات والفلك والفيزياء والفسيولوجي، ومع ذلك كان كثيرًا ما يطلب منه رعاته طوال تاريخه المهني إجراء تعديلات غير عملية في تصميماته، ولم يجادل مرة أو يهاجمهم بل كان دومًا يجد أخرى لإثبات وجهة نظره.
في عام 1688 صمم رين بهوا رائعًا في مدينة ويستمنستر، لكن عمدة المدينة انزعج


وأخبر رين بمخاوفه من أن الطابق الثاني ليس آمنًا وأنه قد ينهار فوق مكتبه بالطابق الأول وطلب من ريم أن يقيم عمودين كدعم إضافي. كان رين المهندس الخبير يعلم أن لا فائدة من العمودين وأن مخاوف العمدة ليس لها ما يبررها، ولكنه بناهما فعلا وأرضي العمدة. ولم يعرف أحد إلا بعدها بسنوات وحين كان بعض العمال يستخدمون سقالة عالية أن هذين العمودين لا يصلان إلى السقف.
كان العمودان زائفين لكن حقق كل من الرجلين ما يريده: استطاع العمدة أن يهدأ وأثبت رين للأجيال التالية أن تصميمه الأصلي كان سليمًا وأنه لم تكن هناك ضرورة للعمودين.
سطوة العرض الواقعي تأتي من أنها لا تضع خصمك في موقف الدفاع ويصبح أكثر تقبلاً للاقتناع، فأن تجعلهم يرون ما تقصده بأعينهم أفضل كثيرًا من أن تجادلهم.
قاطع أحد الحاضرين نيكيتا خروتشوف بينما كان يلقي خطابًا يتبرأ فيه من جرائم ستالين، وسأله المداخل «لقد كنت زميرً لستالين، فلماذا لم توقفه حينها؟» فتظاهر خروتشوف بأنه لم ير المتكلم وصاح عاليًا وبقسوة «من قال هذا؟» فلم يجب أحد، بعدها بثوان من الصمت الكثيف قال خروتشوف بصوت هادئ «الآن تعرف لماذا لم أوقفه». فبدلاً من الجدال بأن الجميع كانوا يشعرون بالخوف أمام ستالين، لأن ظهور أي علامة على التمرد عليه كانت تعني الموت المحقق، بيّن خروتشوف للمداخل كيف كانت مواجهة ستالين- ذلك الشعور بالريبة والخوف من التكلم والهلع عند مواجهة القائد والذي كان هذه المرة خروتشوف نفسه. كان هذا العرض محركًا للنفس ولم تكن هناك حاجة بعده لأي جدال.
أقوى إقناع هو ما يتجاوز الأفعال إلى الرموز فقوة الرموز- مثل الراية أو القصص الديني أو النصب الذي يمجد ذكرى مشحونة بالعواطف- تجعل الجميع يفهمك دون أن تقول شيئًا. في عام 1975 كان هنري كيسنجر يجري محادثات


مجهدة لإقناع الإسرائيليين بإعادة صحراء سيناء التي احتلوها في عام 1967، وفي ذروة اجتماع متوتر قرر أن يقدم لهم درسًا عمليًا فقطاع الاجتماع ليصحبهم إلى قلعة قديمة في ماداسا وكان الإسرائيليون يعرفون أنه المكان الذي فضّل فيه سبعمائة محارب يهودي في عام 73 ميلادية الانتحار على الاستسلام للقوات الرومانية التي تحاصرهم. فهم الإسرائيليون بسرعة مغزى زيارة كيسنجر للمكان: كان يتهمهم بطريقة غير مباشرة بأنهم ينشدون الانتحار الجماعي. وعلى الرغم من أن الزيارة نفسها لم تغير رأيهم إلا أنها جعلتهم يفكرون بجدية أكبر مما كان سيفعله أي تهديد مباشر، فالرموز من هذا النوع تكون لها دلالة نفسية كبيرة.
عند سعيك للسطوة أو في رغبتك للحفاظ عليها عليك دائمًا أن تبحث عن الطريق غير المباشر والملتف، وكذلك أن تختار معاركك بحرص، وإن رأيت أنك لن تستفيد على المدى الطويل من اكتساب أشخاص معينين إلى صفك- أو إن كان الوقت والتجارب ستعلمهم ما تعنيه، فلن يكون عليك حتى جهد الاهتمام بعرض الأمر لهم. وفر طاقتك وابتعد.
الصورة: المنشار
المجادلون كالمنشار يتحركون صعودًا وهبوطًا دون أن يصلوا لأي مكان تحل عن المنشار وبّين للآخرين ما تريد دون جدال أو صخب. ارفعهم ليروا فكرتك واترك للجاذبية أن تأخذهم برفق إلى الأرض
اقتباسمن معلم: لا تجادل. في المجتمع ليس هناك مكان للمناقشة بل لإظهار النتائج فحسب. (بنيامين دزرائيلي. 1804- 1881).
عكس القاعدة:
الجدال اللفظي له دور واحد في علم السطوة وهو تشتيت الانتباه والتغطية على حيلك حين تخادع أو حين يتم الكشف عن كذبك. في هاتين الحالتين من صالحك أن تجادل بكل ما تستطيع أن تحشده من أنواع البراهين والحجج. استدرج


خصمك إلى جدال لتشتيت ذهنه عن تحركاتك المخادعة، وحين يتم الكشف عن كذبك كلما أظهرت أنك أكثر حماسًا ويقينًا من موقفك يقل شعور الآخرين بأنك تكذب.
هذا الأسلوب ساعد محتالين كثيرين على إخفاء حيلهم. ذات مرة استطاع الكونت فيكتور لوستج وكان محتالاً بارعًا- أن يبيع للسذج بأرجاء البلاد صندوق أقنعهم أن يطبع المال، وكان الضحايا لا يحبون عامة التوجه للشرطة خوفا من أن يتعرضوا للحرج العام. لكن المأمور ريتشاردز من مقاطعة رمسن بولاية أوكلاهوما لم يكن من النوع الذي يرضي أن يحتال عليه أحد في مبلغ 10000 دولار ويسكت، فطارد لوستج إلى أن وجده بفندق في شيكاغو.
سمع لوستج طرق الباب وحين فتح رأي المأمور يوجه نحوه بندقية، فسأله لوستج بهدوء «ما الأمر؟» فصرخ المأمور «يا ابن ... سوف أقتلك، لقد خدعتني وبعت لي هذا الصندوق الحقير» ادعي لوستج التحير وقال «هل تعني أنه لم يعمل؟» فأجابه المأمور «أنت تعلم أنه لا يعمل» فرد لوستج «مستحيل أنه لا يعمل. هل شغلته بطريقة صحيحة؟» فأجاب «لقد فعلت ما قلت لي بالضبط» فقال لوستج «لا. لابد أنك ارتكبت خطأ ما؟ وظل الجدال يدور على نفس المنوال وبدأت البندقية تنخفض.
بعد ذلك انتقل لوستج إلى المرحلة الثانية من تكتيكات الجدال: بدأ يصب وابلاً من التعليقات التقنية المبهمة حول طريقة تشغيل الصندوق» وأخذ يضلل المأمور والذي لم يعد واثقًا في كلامه وأخذ جداله يضعف، وأخيرًا قال له لوستج «انظر... سأرد لك مالك وسأعطيك تعليمات مكتوبة لتشغيل هذه الآلة وسآتي معك إلى أوكلاهوما للتأكد من أنها تعمل جيدًا، وهكذا لن يكون لديك شيء تخسره». وافق المأمور بتردد وحتى يرضيه تمامًا قدم له لوستيج مائة ورقة من فئة المائة دولار وطلب منه أن يهدأ ويستمتع بإجازته الأسبوعية في شيكاغو. هدأ المأمور وزالت


حيرته ورحل. في الأيام التالية ظل لوستج يتفحص الجريدة يوميًا وأخيرًا وجد ما يبحث عنه: خبر صغير يصف القبض على المأمور ومحاكمته وإدانته بتهمة ترويج نقود مزيفة. فاز لوستج بالجدال ولم يعد المأمور ليزعجه من جديد.


** معرفتي **
WWW.ibtesama.com/vb
منتديات مجلة الابتسامة



القاعدة
10
احذر من البائسين
حتى لا تنتقل إليك عدواهم
الحكمة:
بؤس الآخرين قد يقتلك- فالمشاعر معدية كالمرض. قد تظن أنهم غرقى وأنك تساعدهم بينما أنت بذلك لا تفعل سوى أنك تدفع بنفسك إلى الكارثة. البائسون أحيانا يجلبون العسر لأنفسهم وقد يجلبونه لك أيضًا. دعك منهم وخالط السعداء والمحظوظين حتى ينتقل إليك حظهم.


انتهاك القاعدة:
وُلدت ماري جلبرت في ليمريك بإيرلندا عام 1818، وهاجرت إلى باريس في عام 1840 بحثًا عن فرصة للعمل كراقصة وممثلة، واتخذت لنفسها اسم لولا مونتيز (فقد كانت أمها من أصول إسبانية بعيدة)، وادعت أنها راقصة فلامنجو من إسبانيا. في عام 1845 كان عملها متعثرًا ولكي تستمر كان عليها أن تصبح محظية- وبسرعة أصبحت أشهر محظية في باريس.
كان هناك رجل واحد يستطيع أن ينقذ مستقبل لولا كراقصة وهو ألكسندر دو جارييه صاحب الجريدة الأكثر توزيعًا في فرنسا وقتها والناقد الفني في الجريدة. عزمت لولا على أن تتقرب منه وتسيطر عليه. درست عاداته وعرفت أن يخرج كل صباح لركوب الخيل، وكانت هي ذاتها متميزة في ركوب الخيل، وذات صباح مرت بالحصان واصطدمت به «صدفة» وبعدها بدءا في الالتقاء كل صباح يتجولان معا بالخيل وبعدها بأسابيع انتقلت لتسكن معه.
عاشا سعيدين معا لفترة، وتمكنت لولا بمساعدة دوجارييه أن ترسخ عملها كراقصة، وعلى الرغم من أن علاقته بها كانت تهدد وضعه الاجتماعي، فقد أخبر ألكسندر أصدقاءه أنه سيتزوج لولا (والتي لم تخبره أبدا أنها فرت من منزلها في عمر التاسعة عشرة مع رجل إنجليزي وأنها لا تزال قانونا زوجته). على الرغم من أن حب ألكسندر لها كان عميقًا وصادقًا إلا أن حياته بدأت في التداعي والانهيار بسببها.
تعثرت أعماله وبدأ أصحابه النافذون يبتعدون عنه، وذات مرة تلقى دعوة لحضور حفل يضم أثرياء باريس من الشباب وأرادت لولا أن تصحبه ولكنه رفض، وبدأ شجارهما الأول، وذهب للحفل بمفرده، وهناك وفي سكره سب ناقد فني هو جان- بابتست روزيمون دي بوفالون، ربما لشيء كان جان قد قاله عن لولا، وطلبه جان للمبارزة بالسلاح في اليوم التالي، وكان بوفالون أشهر من يصوب بالمسدس في فرنسا، وحاول ألكسندر أن يتهرب ولكن أجريت المبارزة وأصيب


ألكسندر ومات. وهكذا انتهت حياة واحد من أنشط الشباب في باريس وأكثرهم نجاحًا، وانهارت حياة لولا فغادرت باريس.
في عام 1846 استقرت لولا في ميونيخ وقررت أن تتقرب من لودفيج ملك بافاريا ووجدت ووجدت أن أفضل طريقة للوصول إلى لودفيج هي عن طريق مساعده الكونت أتو فون ريشبرج والذي كان مغرما بالحسناوات. ذات يوم وحين كان الكونت يتناول إفطاره في أحد المقاهي مرت لولا على حصانها ووقعت أمامه عن السرج «صدفة»، فقام الكونت ليساعدها وافتتن بها، ثم وعدها أن يقدمها إلى لودفيج.
دير ريشبرج مقابلة للولا مع الملك، لكن حين وصلت إلى حجرة الانتظار سمعت الملك يقول أنه ليس لديه وقت لمقابلة امرأة أجنبية تطلب الحظوة، فدفعت لولا الحراس، ودخلت إليه غير عابئة وأثناء ذلك تمزق صدر ثوبها (ربما بفعلها أو على يد أحد الحراس) وأخذت الدهشة الجميع خاصة الملك أن يظهر نهدا لولا عاريين بصفاقة، وتمت الموافقة على أن تقدم لولا عرضا راقصا أمام الملك، وبعد ذلك بخمس وخمسين ساعة ظهرت لولا لأول مرة على خشبة المسرح البافاري. تلقت نقدًا رهيبًا ولكن ذلك لم يمنع لودفيج من أن يرتب لها فرصة أخرى للعرض.
كان لودفيج حسب تعبيره هو «مسحورًا» بلولا، وبدأت تظهر معه في المناسبات العامة متعلقة بذراعه، واشترى لها شقة وأسسها في أرقى الشوارع في ميونخ، وعلى الرغم من أنه كان مشهورًا بالبخل وأنه لم يكن من النوع الذي يستجيب للأهواء، أخذ يغدق عليها بالهدايا ويكتب الشعر من أجلها، ولأنها أصبحت محظيته المقربة فقد نالت الشهرة والثروة بين ليلة وضحاها.
بدأت لولا تفقد الإحساس بالمعقولية. ذات مرة وبينما كانت تتجول بحصانها كان يتجول أمامها رجل مسن ولم يعجبها تباطؤه، وعندما لم تستطع أن تسبقه بدأت تجلده بسوط الحصان. مرة أخرى خرجت مع كلبها غير مقيد للتنزه فهاجم أحد
العابرين، وبدلا من أن تساعد العابر بإبعاد الكلب عنه بدأت تضرب الرجل باللجام. أثارت مثل هذه الأحداث غضبا شديدا لدى مواطني بافاريا المعروفين بالشدة ولكن لودفيج ناصر لولا بل ومنحها الجنسية وجعلها مواطنة بافارية، وحاولت بطانته أن يبينوا له مخاطر الإقدام على مثل هذه الخطورة ولكن كان كل من ينتقد لولا يُطرد سريعا.
كان البافاريون من قبل يحبون ملكهم وأصبحوا الآن يحتقرونه، في حين حصلت لولا على لقب كونتيسة وبُني لها قصر جديد وبدأت تخوض في السياسة وتقدم للملك نصائح في شئون البلاد، وأصبحت هي القوة العظمى في المملكة وزاد تأثيرها على رئيس الوزراء وكانت تتعالى على الوزراء الآخرين. النتيجة أن اجتاحت الاضطرابات أنحاء البلاد، وأصبحت هذه المملكة التي كانت تنعم من قبل بالسلام على شفا حرب أهلية وأخذ الطلاب في كل مكان يهتفون «الموت للولا».
في فبراير عام 1848 لم يعد لودفيج قادرًا على تحمل الضغط وفي حزن أمر لولا أن تغادر بافاريا فورًا، ورحلت ولكن ليس قبل أن تتلقى تعويضًا كافيًا. وطوال الأسابيع الخمسة التالية استقر غضب الشعب البافاري ضد الملك الذي خسر محبتهم له، وفي مارس أجبر على النزول عن العرش.
رحلت لولا مونتيز إلى إنجلترا، وكان أكثر ما تريد هو الشعور بالاحترام والتقدير، وعلى الرغم من أنها لا تزال متزوجة قانونًا وضعت أنظارها على جورج ترافولد هيلد، وكان قياديًا واعدًا بالجيش وابن محامي نافذ بالمحاكم العليا، وعلى الرغم من أن هيلد كان يصغرها بعشرة سنوات وكان يمكنه أن يتخير زوجة من أجمل وأغنى الفتيات بالمجتمع الإنجليزي، إلا أنه وقع في سحرها وتزوجا عام 1849، وبسرعة تم القبض عليها بتهمة الجمع بين الأزواج ولكنها خرجت بكفالة وهربت مع هيلد إلى إسبانيا. كانا يتشاجران بعنف وذات مرة جرحته لولا بسكين، وفي النهاية طردته من حياتها. حين عاد لإنجلترا وجد أنه فقد منصبه في الجيش وأنه منبوذ من المجتمع الإنجليزي. رحل إلى البرتغال وعاش في فاقة وبعد أشهر قليلة انتهت حياته القصيرة في حادثة في حادثة بالمراكب.


بعدها بسنوات أفلس الرجل الذي نشر قصة حياة لولا مونتيز.
في عام 1853 هاجرت لولا إلى كاليفورنيا حيث قابلت وتزوجت رجلا هو بات هل، وكانت علاقتهما عاصفة كباقي علاقاتها، وهجرته إلى رجل آخر، فهرب هل إلى الخمور وأصيب باكتئاب استمر معه إلى أن مات بعدها بأربع سنوات وكان لا يزال في ريعان شبابه.
في عمر الوحد والأربعين تخلت لولا عن تأنقها وممتلكاتها المترفة واتجهت إلى الدين، وطافت أنحاء أمريكا تلقي محاضرات دينية في زي أبيض وحول رأسها وشاح يشبه الهالة. ماتت لولا بعد ذلك بعامين أي في عام 1861.
التعليق:
كانت لولا مونتيز تجذب إليها الرجال بالإغواء لكن سطوتها عليهم كانت تتجاوز الجنس، فقوة شخصيتها هي التي كانت تبقي العشاق في أسرها. كان من يعرفونها من الرجال يشعرون وكأنهم ينجذبون إلى دوامة تدور حولها، وكانت توّلد لديهم إحساسًا بالتشوش والاضطراب ولكن ما تستثيره فيهم من انفعالات كانت يشعرهم بقوة بنبض الحياة.
وكما في كل حالات العدوى، كانت المشكلات تظهر بمرور الوقت. كان تقلب لولا الفطري يتسلل إلى من يحبونها، ويجدون أنفسهم متورطين في مشاكلها لكن ارتباطهم العاطفي بها كان يجعلهم في مساعدتها تلك كانت النقطة الحرجة في المرض- فلم يكن ممكنا تعافي لولا من مشاكلها، لأن مشكلاتها كانت عميقة بداخلها، وبمجرد أن يتوحد عاشقها مع هذه المشكلات كان يضيع ويجد نفسه متورطًا في النزاعات، وكانت العدوى تنتقل إلى أسرته وأصدقائه، وفي حالة لودفيج انتقلت العدوى إلى أمة بكاملها. كان الحل الوحيد لمن يعرفها هو أن يستأصلها من حياته حتى لا يعاني من الانهيار المحتوم.
نمط الشخصية المعدية لا يقتصر على النساء، فهو سمة لا ترتبط بالجنس بل تنشأ عن حدة اضطراب عميقين في مشاعر الشخص وأهوائه وتتسربان إلى تصرفاته وعلاقاته للشخص فتجلبان عليه الكوارث وتدفعانه للدمار والفوضى. قد يتطلب الأمر منك عمرا لتفهم الأسباب التي تؤدي لتكوين هذه السمات لكن الأفضل أن تدخر وقتك وجهدك وأن تتعلم الدرس، وحين ترى أن أحد المقربين منك ليس لديه السمات لا تجادله ولا تحاوله أن تهديه وتصلحه ولا تقدمه إلى معارفك وأصدقائك، بل فقط ابتعد حتى تحمي نفسك من عواقب صحبته.
هذا الكاسيوس عليه مشهد الجائع المحروم ويطيل التأمل والتفكير... ليس هناك رجل على أن أتجنبه أكثر من هذا الكاسيوس الهزل... فأمثال خطرهم كبير لأن نفوسهم لا يمكنها أن تنعم بالسلام والسكينة طالما يرون أحدا يفوقهم عظمة ومجدا.
يوليوس قيصر، ويليام شكسبير 1564. 1617
مفاتيح للسطوة:
يستحق البائسون الذين أحبطتهم الظروف الخارجة عن إراداتهم كل ما يمكننا أن نقدمه لهم من مساعدة وتعاطف. لكن هناك آخرون لم يولدوا للبؤس والتعاسة بل يجلبونها لأنفسهم بأفعالهم المدمرة وتأثيرهم المشوش على الآخرين، ربما يكون من النبي أن نستطيع أن نرتفع بهم ونغير أساليبهم لكن الغالب هو أن أساليبهم هي التي تخترقنا وتغيرنا، والسبب في ذلك بسيط وهو أن الناس معرضون للغاية للتأثر بمزاج وأهواء وحتى طرق تفكير خلانهم الذين يقضون معهم أوقاتًا طويلة.
هؤلاء التعساء والمتقبلون الذين لا أمل في شفائهم تكون لديهم قدرة كبيرة على نقل عدواهم إلى الآخرين لأن طباعهم وانفعالاتهم تكون غاية في الحدة والتأثير، وغالبا ما يظهرون أنفسهم ضحايا بحيث يصعب في البداية أن ترى أن بؤسهم من صنع أيديهم، وقبل أن تعرف الطبيعة الحقيقية لمشاكلهم تكون قد أصبت بعدواهم.
ولتفهم أن في لعبة السطوة يكون اختيارك لمن تصاحب مصيريا، وخطر الاختلاط بالمعديين هو أنهم يجبروك أن تهدر وقتًا وجهدًا ثمينين كي تحرر نفسك منهم ومن مشاكلهم، كما أن صحبتهم تجعلك متهمًا في عيون الآخرين بالتواطؤ في جرائمهم. عليك إذن أن لا تستهن أبدا بمخاطر العدوى.


هناك أنوع عدة من المعدين عليك أن تتنبه لهم، لكن أخبثهم وأشدهم خطرًا هم من يعانون من السخط المزمن. كان كاسيوس الذي تآمر ضد يوليوس قيصر لا يشعر بالرضا أبدًا بسبب عمق شعوره بالحسد ولأنه لم يكن يحتمل أبدًا أحدًا أعلى منه موهبة، وقد أبعده قيصر عن أول منصب حاكم وأعطاه لبروتوس ربما لما استشعره لدى الرجل من بغض متناه لكل من حوله. أخذت كراهية كاسيوس لقيصر تزداد إلى أن أصبحت مرضًا، بروتوس نفسه وكان جمهوريًا مخلصًا بدأ يكره قيصر ولكن لو تحلى بالصبر وانتظر لأصبح الرجل الأول في روما بعد وفاة قيصر وعندها كان يمكنه إصلاح ما ارتكبه هذا القائد من شرور، ولكن كاسيوس كان قد عداه بما لديه من ضغينة، وكان ذلك بداية مأساة هائلة، فكم من الآلام كان يمكن تجنبها لو تعلم بروتوس أن يحذر من سطوة العدوى.
الحل الوحيد للعدوى هو الحجر، لكن الوقت يكون غالبًا قد تأخر حين تعرف طبيعة المشكلة، فأمثال لولا يفتنوك بقوة شخصيتهم وأمثال كاسيوس يأسرونك بعمق مشاعرهم نحوك وإيمانك بك. فكيف تحمي نفسك من هذه الفيروسات المخاتلة والخبيثة؟ الإجابة هي أن تحكم على الناس من تأثيرهم على العالم المحيط بهم وليس بالذرائع التي يبررون بها مشاكلهم. فالمعدون يعرفون من المآسي التي يجلبونها لأنفسهم ومن ماضيهم المضطرب وتاريخهم الطويل من العلاقات المحطمة وعدم استقرارهم في عمل وحتى من حدة طباعهم ذاتها التي تجتاحك وتفقدك عقلانيتك. انتبه من البداية لهذه العلامات التي تعرف بها المعديين، وتعلم أن ترى السخط في عيونهم، والأهم هو أن لا تضعفك الشفقة نحوهم ولا تقع في شركهم، لأنك لن تغير المُعدي ولكنك أنت الذي سوف تتحطم من تعاملك معه.
الجانب الآخر من العدوى صحيح أيضًا، بل لعله الأسهل على الفهم: فهناك أشخاص يجلبون السعادة لمن حولهم بما في طبيعتهم من ابتهاج ومرح وطيبة قلب وذكاء، وهم مصدر سعادة وعليك أن تختلط بهم وتصاحبهم وترتبط بهم لكي يصيبك مما يجلبونه لأنفسهم من ازدهار ورخاء.
لا ينطبق ذلك فقط على الطيبة والنجاح: فكل الصفات الإيجابية تعدينا. على الرغم مما كان لدى تاليران من سمات غريبة ومرعبة ولكن كان الكل يجمع أنه من أكثر الرجال في فرنسا لطفًا وسحرًا وبراعة في الدعابة. كان سليل أعرق الأسر الفرنسية وبالرغم من إيمانه بالديمقراطية والجمهورية الفرنسية لم يتخل أبدا عن أسلوبه الراقي والنبيل، وكان نابليون على عكس ذلك من نواح عديدة، فقد كان ريفيًا من كورسيكا قليل الكلام وفظًا وأحيانًا عنيف.
لم يُعجب نابليون بأحد كإعجابه بتاليران، فكان يحسد وزيره على طريقته في تعامله مع الناس ودعابته وقدرته على سحر الناس، وكان يعمل على أن يظل تاليران بجانبه أطول وقت ممكن حتى يمتص منه الثقافة التي كان يفتقدها، وما من شك أن نابليون قد اغير أثناء حكمه فقد تلطفت أساليبه الخشنة بسبب صحبته لتاليران.
عليك أن تستغل هذا الجانب الإيجابي من التناضح الانفعالي لصالحك، فإن كنت بخيلا بطبيعتك فلن تصل في السطوة إلا إلى حد معين لأن الأسخياء وحدهم هم من ينالون المجد. اختلط بالكرماء فيعدونك بكرمهم ويفتحون كل مغلول ومقيّد في سماتك. وإن كنت متشائمًا تقرب من المبتهجين وإن كنت أميل للعزلة صاحب المنطلقين. لا تخالط أبدا من لديهم نفس نقائصك لأن ذلك يرسخ لديك ما يعيقك عن تحقيق أحلامك. اجعل ارتباطك بالآخرين دائمًا من أجل اكتساب السمات الإيجابية، وليكن ذلك شعارًا لحياتك لأنه سوف يفيدك أكثر نمن أي علاج في العالم.
الصورة الفيروس
يدخل في مسامك دون إنذار وينتشر صامتًا وببطء
وقبل أن تنتبه لعدواه تجدها قد انتشرت داخلك
اقتباس من معلم: تعرف على المحظوظين لتصاحبهم وعلى البائسين لتبتعد عنهم. البؤس غالبًا ما يكون جزاء الحماقة، وليس هناك ما تكسبه من البائسين سوى العدوى من بؤسهم. لا تفتح بابك للبؤس مهمًا كان صغيرًا، لأنك إن فعلت فلن


يظل وحده بل سيجر معه المزيد والمزيد من الكوارث.. فلا تدع شقاء الآخرين يقتلك. (بالتسار جراتسيان 1601- 1658)
عكس القاعدة:
هذه القاعدة لا تسمح بوجود عكس لها، فتطبيقاتها شاملة. ولا جدوى من مصاحبة من يعدونك ببؤسهم ولن تجني من صحبة المحظوظين غير السطوة. فلا تخاطر وتتجاهل هذه القاعدة.



** معرفتي **
WWW.ibtesama.com/vb
منتديات مجلة الابتسامة


القاعدة
11
تعلم أن تحتفظ
باعتماد الآخرين عليك

الحكمة
لكي تحافظ على حريتك واستقلالك بين الناس عليك أن تجعلهم محتاجين إليك ومعتمدين عليك لتحقيق سعادتهم وازدهارهم، لكن لا تعلمهم أبدا ما يمكنّهم من الاستغناء عنك.


انتهاك القاعدة:
في وقت ما من العصور الوسطى قام جندي مرتزقة لم يذكر التاريخ اسمه بإنقاذ مدينة سيينا من معتد خارجي، فتحيّر المواطنون كيف يكافئونه؟. لم يكن أي مال أو منصب يكافئ حفاظه للمدينة على حريتها، فكروا أن يجعلوه حاكما ولكنهم لم يروا في ذلك تعويضا كافيا. قام أحدهم وخاطب الجمع المحتشد لمناقشة هذا الموضوع وقال «فلنقتله إذن ونعبده كقديس يرعى المدينة» وفعلوا ما أشار به عليهم.
كان الكونت كارمانيولا من أنجح الجنود المرتزقة وأكثرهم شجاعة. في عام 1442 كان مجندا لصالح مدينة البندقية في حربها الطويلة مع فلورنس. تم استدعاء الكونت فجأة إلى البندقية ولأنه كان محبوبا من شعب المدينة لذلك استقبله الناس بكل مظاهر التكريم والحفاوة، وكان مقررًا أن يحضر مأدبة عشاء مع القاضي في قصره. لكن في طريقه إلى المأدبة لاحظ أن الحراس يأخذونه إلى طريق غير الطريق المعتاد، وحين عبر جسد التنهدات الشهير عرف فجأة إلى أين يأخذونه، إلى السجن حيث تمت إدانته بتهمة ملفقة وفي اليوم التالي وفي ميدان بيازا سان ماركو وأمام جمع مرتعب لا يعلم هذا التغير في الأحوال، تم قطع رأسه.
التعليق:
عانى الكثيرون من المرتزقة في إيطاليا في عصر النهضة مصير القديس الراعي في سيينا والكونت كارمانيولا: كانوا ينتصرون في حرب بعد الأخرى لمن يوظفونهم وبعدها يتم سجنهم أو نفيهم أو إعدامهم. لم تكن المسألة مجرد نكران للجميل، ولكن كان دائما هناك الكثيرون من المرتزقة المساوين لهم في البراعة الذين يمكن أن يحلوا محلهم، ولم تكن هناك خسارة من قتلهم، كما أن الأكبر سنا منهم كانوا يحصلون على السطوة لأنفسهم وكانوا يطلبون المزيد والمزيد من الأموال مقابل خدماتهم. كان من الأفضل إذن التخلص منهم والحصول على مرتزقة أقل سنا وأقل أجرا. كان ذلك هو مصير الكونت كارمانيولا الذي كان قد بدأ في التصرف بوقاحة واستقلال دون أن يتأكد من عدم قدرة أوليائه على الاستغناء عنه ظنا منه أن الحظوة ستدوم له.


عن العرش مستشعرا أن ليس لديه القوة للتعامل مع مثل هذا الموقف الخطير وغير المستقر. استطاع بسمارك أن يقحم نفسه مرة أخرى، وناصر الملك الجديد ومنحه العزم للحكم والتصرف بحزم وصرامة، وهكذا أصبح ويليام معتمدا على التكتيكات القوية لبسمارك ليبعد عنه أعداءه، وعلى الرغم من كراهيته للرجل فقد جعله رئيسا للوزراء. كان الرجلان يختلفان في السياسة لأن بسمارك كان محافظا، لكن الملك كان يدرك اعتماده شخصيا عليه وحين كان بسمارك يهدد بالاستقالة كان الملق يستسلم لرأيه في كل مرة. أي أن بسمارك كان الصانع الحقيقي لسياسة الدولة.
بعد سنوات أدت أعمال بسمارك كرئيس للوزراء إلى توحيد الولايات الألمانية في دولة واحدة، وبذلك تمكن الملك بفضل بسمارك من التتوج إمبراطورا على ألمانيا، ولكن الحقيقة أن بسمارك هو من نال ذرا السطوة فقد أصبح الذراع اليمنى للإمبراطور ومستشارا للإمبراطورية وأميرا بالتكريم، وكان هو المحرك لكل مفاصل الإمبراطورية.
التعليق
كان السياسيون الشباب الطامحون في الساحة السياسية الألمانية في أربعينات القرن التاسع عشر يختارون مناصرة الأكثر سطوة لجعل تحالفهم معه قاعدة لبناء سطوتهم الشخصية، لكن بسمارك رأي الصورة بشكل مختلف حيث اعتبر أن التحالف مع الأكثر سطوة حماقة: لأنه سوف يبتلعك كما ابتلع حاكم البندقية كونت كارمانيولا لأنه لن يكون في حاجة ماسة إليك إن كان بالفعل قويا، وأنه لتحقيق طموحك عليك أن تبحث عن حاكم أو ولي ضعيف وتتحالف معه بحيث يعتمد عليك، فتكون أنت قوته وذكاؤه وعماد سطوته، ولا يستطيع أن يستغني عنك لعلمه أنه بدونك سيتهدم البناء بأكمله.
الضرورة تحكم العالم، فالناس لا يعلمون ما لم يحركهم دافع، وإن لم تجعلك لوجودك ضرورة فستجد نفسك مطرودا في أول فرصة. على العكس من ذلك، إن
كنت تفهم السطوة وجعلت الآخرين يعتمدون عليك لتحقيق مصالحهم، وإن كنت تعوّض ضعفهم بقدرتك على التصرف «بالحديد والدم» كما قال بسمارك، فسوف تنجو من غدر أوليائك كما نجا بسمارك، وسوف تجني كل ثمار السطوة دون أن تؤلمك أشواكها.
هكذا فإن الأمير الحكيم هو من يعمل بكل الطرق لجعل مواطنيه بكافة طوائفهم وفي كل الظروف يعتمدون على الدولة وعليه، وحينها فقط يمكن أن يثق بهم نيقولا مكيافيللي 1496- 1527
مفاتيح للسطوة:
غاية السطو هي أن تجعل الناس يفعلون ما تريد، وحين تستطيع أن تحقق ذلك دون أن تجبرهم أو تؤذيهم بل تجعلهم طوعا يمنحونك ما تريده منهم ستكون سطوتك فوق المساس. وأفضل ما يمكنك أن تحقق به هذا الوضع هو أن تتأكد من اعتمادهم عليك، أي أن يكون وليك محتاجا لخدماتك بحيث يضعف وتتعطل أعماله من دونك، وأن تدمج نفسك في صلب أعماله بحيث يؤدي تخلصه منك إلى مصاعب قصوى أو على الأقل إلى إهدار وقت ثمين في تدريب من يحل محلك. بمجرد أن تترسخ هذه العلاقة تصبح لك اليد العليا، وتملك الخيط الذي يجعل وليك يفعل ما تريد. تلك هي الحالة المعهودة التي نرى فيها رجلا من كواليس الحكم أو أحد أتباع الملك يتحكم بمقاليد الأمور. لم يكن على بسمارك أن يستأسد على فريدريك أو على ويليام لينفذا ما يطلبه منهما، بل أوضح لهما أنهما إن لم يفعلا ما يريد فسوف ينسحب ويترك مُلكهما في مهب الريح، والنتيجة أن الملكين كانا يرقصان على الأنغام التي كان يعزفها لهما.
لا تخطئ مثل الكثيرين الذين يعتقدون أن الشكل الأمثل للسطوة هو الاستغناء عن الناس، فالسطوة علاقة بين البشر، وسوف تظل دائما في حاجة إلى حلفاء أو أتباع أو حتى أولياء ضعاف يصبحون واجهة لك. الشخص المستغني عن الآخرين تماما يشبه من يعيش في كوخ في الغابة تكون له حرية الذهاب إلى أي مكان يريده
ولكن لا تكون له أي سطوة، أما أفضل ما يمكنك أن تتمناه هو أن يعتمد الآخرون عليك، فتستمتع بما يمكن اعتباره معكوس الاستغناء: أي أن احتياج الآخرين إليك هو الذي يحررك.
كان لدى لويس الحادي عشر «الملك العنكبوت» (1423- 1483) ملك فرنسا العظيم ضعفًا خاصة نحو التنجيم، وكان يحتفظ في بلاطه بمنجم يغدق عليه بالرعاية والتكريم إلى أن أتى يوم تنبأ فيه الرجل بأن امرأة من القصر سوف تموت بعد ثمانية أيام وتحققت النبوءة شعر لويس بالفزع من أن يكون المنجم قد قتل المرأة ليثبت دقة نبوءاته أو أنه قد أصبح متمكنًا من علمه لدرجة قد يؤذي بها الملك نفسه، وفي الحالتين رأى لويس أن عليه أن يقتله.
ذات ليلة استدعى لويس المنجم إلى غرفته في قمة قلعة شاهقة، وقبل أن يصل الرجل كان قد أخبر الحراس بأن عليهم حين يعطيهم الإشارة أن يحملوا الرجل ويقذفوا به من النافذة التي ترتفع عن الرض مئات الأقدام.
حضر المنجم بسرعة، وقبل أن يعطي لويس الإشارة قرر أن يسأله سؤالاً أخيرًا: «أنت تدعي أنك عليم بالتنجيم وتعرف مصائر الآخرين فأخبرني عن مصيرك أنت وإلى متى سوف تعيش؟».
أجاب المنجم «سوف أموت قبل ثلاثة أيام من موت جلالتكم»، ولم يعط الملك الإشارة بعدها أبدا ونجا الرجل، ولم يعد الملك العنكبوت يحمي هذا الرجل طوال حياته فحسب بل أسرف في الإنعام عليه بالهدايا وجعل أفضل الأطباء يتابعون صحته.
عاش المنجم سنوات عديدة بعد موت لويس تكذيبا لسطوته في التنجيم ولكن تأكيدا لبراعته في السطوة.
النموذج هنا كالتالي: أجعل الآخرين يعتمدون عليك بحيث يصبح التخلص منك يعني لهم الكارثة أو حتى الموت فلا يستطيع وليك أن يتخيل مصيره بدونك. هناك عدة طرق لتحقيق ذلك أفضلها أن تمتلك موهبة أو مهارة خلاقة لا يمتلكها غيرك.
في عصر النهضة كانت العقبة الأساسية التي تواجه أي فنان هي أن يجد راعيا مناسبا، وكان مايكل أنجلو أفضل من يفعل ذلك: كان راعيه هو البابا يوليوس الثاني، إلا أنهما تشاجرا معا بشأن بناء القبر الرخامي للبابا وغادر مايكل أنجلو روما غاضبًا. اندهش رجال الكنيسة من أن البابا لم يمتنع عن طرد مايكل أنجلو فحسب بل بحث عنه وتوسل إليه- ولكن بكبرياء- أن يبقى. كان البابا يعلم أن مايكل أنجلو سيجد قطعا راعيا آخر لكنه لن يجد أبدا مايكل أنجلو آخر.
لست مضطرا لامتلاك موهبة فذة كموهبة مايكل أنجلو، لكن عليك أن تمتلك مهارة تميزك عن الآخرين. عليك أن تجعل موقفك يسهّل لك دائمًا أن تجد وليًا أو راعيًا آخر ويصّعب على وليك أن يجد مستخدمًا آخر له نفس مواهبك. وإن كنت بالفعل لا تُعوض في قدراتك فابحث عن طريقة تظهر بها أنك لا تُعوض.
هذا ما يعينه تضافر المصائر: عليك أن تكون كاللبلاب المتسلق تلتف بقوة حول من يملكون السطوة بحيث تسبب لهم ضررًا كبيرًا إن حاولوا الانفصال عنك. ليس عليك بالضرورة أن تربط نفسك مباشرة بوليّ الأمر ولكن بأي شخص آخر ترى أنه جزء لا يتجزأ من سلسلة السطوة.
في أحد أيام عام 1952 فوجئ هاري كوهن صاحب الشركة السينمائية كولومبيا بيكتشرز بمدرائه التنفيذين يدخلون عليه في مكتبه متجهمين وكانت هذه الفترة هي ذروة ملاحقة الشيوعيين من قبل لجنة الأنشطة المضادة لأمريكا في الكونجرس [المكارثية]. أتاه التنفيذيون بأخبار سيئة: فقد تم اتهام كاتب السيناريو هوارد لوسون بأنه شيوعي ونصحوه بالتخلص من لوسون حتى لا يعانوا من عواقب إغضاب اللجنة.
لم يكن هوارد كوهن ليبراليابل جمهوريا متشددا، وكان السياسي المفضل لديه هو بينيتو موسيليني [الفاشي الإيطالي المعروف]، وكان قد ذهب لزيارته ذات مرة وكان يعلق صورته على الحائط في مكتبه، وحين كان يضيق برجل كان يسبه بأنه «شيوعي حقير». لكن اندهش التنفيذيون حين أخبرهم كوهن أنه لن يطرد لوسون. لم يكن


سبب احتفاظه بالكاتب أنه جيد- فقد كان هناك كتاب جيدون كثيرون في هوليود- بل لأنه جزء أساسي من سلسلة متكاملة، فقد كان لوسون كاتب همفري بوجارت وكان بوجارت وكان بوجارت نجم الشركة المفضل، وكان إضراره بلوسون سيخسره أرباحا كبيره للغاية تحققها له هذه المجموعة، وكان ذلك أهم لديه من خطر مواجهة حملة التشهير الرهيبة التي ستشنها اللجنة ضده.
استطاع هنري كيسنجر أن ينجو من عمليات التطهير الوظيفي التي استمرت طوال فترة بقاء نيكسون في البيت الأبيض، ليس لأنه أفضل الدبلوماسيين لدى نيكسون فقد كان لديه مفاوضون أكفاء آخرون، ولم يكن السبب كذلك أن الرجلين يتفقان معا جيدا: فلم يكونا أبدا كذلك ولم تكن لهما حتى نفس القناعات السياسية. نجا كسنجر لأنه رسّخ وضعه في مناطق هامة كثيرة من التركيبة السياسية بطريقة تجعل الاستغناء عنه يؤدي إلى الفوضى. سطوة مايكل أنجلو كانت مشتدة أي قائمة على مهارة واحدة مميزة أي في قدراته كفنان بينما كانت سطوة كيسنجر ممتدة فقد كان فاعلا في جوانب وأقسام عديدة في الإدارة وأصبح انخراطه فيها ورقة لعب يتحكم بها في مجريات الأمور ووفر له ذلك الكثير من الحلفاء. إذا رتبت لنفسك وضعا كهذا فسوف يصبح التخلص منك أمرً خطيرًا- حيث ينهار كل ما كان يعتمد على وجودك. ومع ذلك فإن السطوة المشتدة تعطي حرية أكبر من السطوة الممتدة لأنها توفر لصاحبها الأمان دون اعتماد على أشخاص محددين أو على منصب معين.
من الطرق الأخرى التي تجعل الاخرين يعتمدون عليك هي أن تستخدم تكتيك الاستخبارات لتعرف أسرارهم والمعلومات التي لا يودون لها أن تنتشر وبذلك تربط مصيرك بمصيرهم وتصبح فوق المساس. كان وزراء الشرطة السرية يلعبون هذا الدور طوال التاريخ: كان يمكنهم صنع الملوك أو الرؤساء أو تدميرهم كما في حالة ج. إدجار هوفر [مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكية في الأعوام 1924- 1972 الذي اشتهر بملاحقة عصابات المافيا قبل الحرب العالمية الثانية
وبملاحقة الشيوعيين بعدها]، لكن هذا الدور مليء بالمخاطر والتهديدات والشعور بالاضطهاد والمؤامرة، والسطوة التي يمنحها تدمر نفسها لأنها لا تسمح لك أن تحيا آمنا، وما فائدة السطوة إن لم تمنحك الأمن والسلام؟
تحذير أخير: لا تظن أن اعتماد وليك عليك يجعله يحبك بل قد يؤدي به إلى الاستياء منك وخشيتك، ولكن كما قال مكيافيللي الأفضل لك أن يخشاك الناس عن أن يحبوك فأنت تستطيع أن تتحكم بخوفهم منك ولكن لا تستطيع أن تتحكم بحبهم لك، واعتمادك على شعور مراوغ ومتغير مثل الحب أو الصداقة لا يجعلك آمنا. الأفضل لك يعتمد الآخرون عليك من باب الخوف من تبعات فقدانك وليس من باب حبهم لصحبتك.
الصورة
النباتات المعترشة ذات الأشواك
في الأسفل تتعمق جذورها وتمتد. ومن أعلى تدفع نفسها صاعدة من بين الشجيرات تضفر نفسها حول الأشجار والأعمدة وإطارات النوافذ. إن حاول المرء أن يتخلص منها تدميه وتؤلمه ولذلك يفضل أن يبقى عليها
اقتباس من معلم: احتفظ باعتماد الناس عليك فسوف تجني من اعتمادهم عليك أكثر مما تجنيه من لطفهم معك. من يروي عطشه يدير ظهره فورا للنبع لأنه يكتفي منه. وحين يزول اعتماد الناس عليك ينتهي تلطفهم وأدبهم معك وبعدهما يزول احترامهم لك. الدرس الأول الذي تعلمه لك الخبرة هو أن تجعل من حولك يتوقعون منك الكثير دون أن تروي ظمأهم أبدا حتى لا يستطيع الملك نفسه أن يستغنى عنك. (بالتسار جراتسيان 1601- 1658).
عكس القاعدة:
نقطة الضعف في جعل الآخرين يعتمدون عليك هي أن ذلك يجعلك أنت أيضًا معتمدًا عليهم بقدر ما، ولكن محاولتك لتجاوز ذلك تعني أن تتخلص ممن فوقك- وتبقى بمفردك غير معتمد على أحد. كان هذا هو دافع ج.ب. مورجان وجون د.


روكفلر للاحتكار الكامل للأسواق بالتخلص من كل المنافسين. والحقيقة هي أن الأفضل لك أن تتحكم بالأسواق على قدر ما تستطيع.
لكن ليس هناك استغناء دون أن تكون له ضريبة، فهو يجبرك على العزلة والمحتكرون غالبًا ما يدمرون أنفسهم بضغوط من داخلهم، ويستثيرون استياءً قويًا لدى الأخرين ويوحد الأعداء ضدهم. والاندفاع نحو التحكم التام غالبًا ما يكون مدمرًا وعقيمًا. فالاعتماد المتبادل يظل هو القانون الحاكم ويبقى الاستغناء غالبًا الاستثناء القاتل. الأفضل لك أن تضع نفسك في موقع الاعتماد المتبادل وأن تتبع هذه القاعدة المصيرية ولا تبحث عن عكسها، لأنك لن تتحمل الضغط الهائل من أن تكون في القمة وحدك. وباتباعك لهذه القاعدة ستجعل وليك في الأعلى عبدا لك حرفيًا لأنه سيعتمد في بقائه عليك.

** معرفتي **
WWW.ibtesama.com/vb
منتديات مجلة الابتسامة


القاعدة
12
ادفع بالتي هي أحسن:
اكسب ولاء من يهمك
أو ارفع عنك عداءه بالسخاء والصدق
الحكمة
قيامك بفعل واحد ينم عن الطيبة والإخلاص يكفّر عنك لدى الآخرين ويلهيهم عن الشعرات من أفعالك الغادرة؛ والإظهار الصادق للتلطف والكرم يفتح قلوب حتى أكثر الناس ارتيابا. وبمجرد أن ينفتح لك قلب من يهمك يمكنك أن تحركه وتتلاعب به كما تشاء. والهدية التي تقدمها في وقتها المناسب تعمل كالحصان الذي مكّن الإغريق من فتح طروادة.




مراعاة القاعدة:
في وقت ما من عام 1926 ذهب رجل طويل القامة يرتدي سترة من الجوخ بزيارة آل كابون رجل العصابات الأكثر ترهيبا في زمنه. كان الزائر يتحدث بلكنة أوروبية ممتازة وعرّف نفسه بأنه الكونت فيكتور ليستج، ووعد آل كابون بأنه إن أعطاه 50000 دولارًا فسيضاعفها له، وكان لدى كابون أكثر مما يكفي بكثير لتوفير مبلغ هذا «الاستثمار» ولكنه لم يكن ليأتمن غرباء على هذا القدر من المال. تفحص كابون الكونت ورآه مختلفًا في ملبسه وأسلوبه الراقيين، فقرر أن يستمر في اللعبة ورد: «حسنا أيها الكونت، ضاعفها في ستين يوما كما قلت». غادر لوستج ومعه المال ووضعه في صندوق أمانات في شيكاغو ثم توجه إلى نيويورك حيث كان ينفذ عدة خطط لجني المال. ظل المبلغ 50000 دولار في صندوق البنك لم يُمس ولم يبذل أي جهد لمضاعفته، وبعد شهرين عاد إلى شيكاغو وأخذ المال من الصندوق وقام بزيارة أخرى لكابون، وتفحص الوجوه القاسية للحراس الشخصيين وابتسم معتذرًا وقال «أرجوكم بلغوا اعتذاري للسيد كابون، أنا آسف فالخطة فشلت .... أقصد أني فشلت».
قام كابون ببطء وتفحص لوستج وهو يفكر في أي بقعة من النهر سوف يلقيه فيها، ولكن الكونت تحسس جيب معطفه وأخرج 50000 دولار ووضعها على المكتب: «هذا سيدي هو مالك كاملا، مع اعتذاراتي الحارة ثانية. هذا محرج لي جدًا فالأمور لم تتم بالطريقة التي ظننتها، وكم كنت أحب أن يتضاعف مالك من أجلك ومن أجلي، فالله يعلم أني أحتاج هذا المال، لكن الخطة لم تنجح».
تراجع كابون في جلسته متحيًرا «أنا أعرف أنك محتال أيها الكونت. عرفت ذلك من اللحظة التي دخلت فيها إلى هنا، وتوقعت إما أن تعيد إلى مائة ألف دولار أو لا شيء، لكن أن تفعل هذا .... أن تعيد لي مالي بالضبط .... حسنًا!!». فقال لوستج وهو يرفع قبعته استعدادا للرحيل «اعتذاراتي مرة أخرى يا سيد كابون» فصاح فيه
كابون «يا ربي ... أنت فعلا صادق. فإن كنت في ورطة فخذ هذه الخمس لتساعدك على تدبير أمورك» وعد خمس ورقات من فئة الألف دولار من الخمسين ألفًا التي أعطاها إليه لوستج، فأبدى الكونت اندهاشه وانحنى بعمق وتمتم بالشكر وأخذ المال وخرج.
تلك الآلاف الخمسة هي ما كان لوستج يسعى إليه من البداية.
التعليق:
كان الكونت لوستج الذي يتحدث عدة لغات ويتفاخر بدماثته وثقافته واحدًا من أمهر المحتالين، وكان معروفا بجرأته الشديدة والأهم من ذلك أنه كان خبيرا بالنفس البشرية–فكان يستطيع أن يقّيّم الرجل ويكتشف نقاط ضعفه في دقائق. وكان لديه رادار داخلي يكتشف به السذج والمغفلين، وكان يعرف أن معظم الناس تتكون لديهم دفاعات تحميهم من المحتالين ومن غيرهم من المفسدين، ووظيفة المحتال هي أن يسقط هذه الدفاعات.
من الطرق المؤكدة لفعل ذلك هي القيام بتصرف يُظهر الصدق والأمانة، فمن ذا الذي قد يشك في رجل يكشف له موقف مفاجئ أنه صادق؟ وظف لوستج الصدق في مرات عديدة لكنه مع كابون كان أكثر إبداعا، فلم يكن أي محتال يتجرأ أن يقترب من رجل مثل كابون لأن المحتالين يختارون ضحاياهم بسبب خنوعهم ونظرتهم التي توحي بأنهم سيتعلمون الدرس دون شكوى، أما الاحتيال على رجل مثل كابون فيجعلك تعيش في خوف لما تبقى من حياتك (إن بقي منها شيء). لكن لوستج عرف أن رجلا مثل كابون تعلم من تجارب حياته أن لا يثق بأحد، فليس في أي ممن حوله من يتسم بالصدق أو الكرم، وأن الحياة بين الذئاب تصيب الإنسان بالكآبة، وفي مثل هذه الحالات يحب الرجل أن يجد من يعامله بصدق وإخلاص حقيقيين ليشعر بأنه ليس الجميع يشحذون أنيابهم لابتلاعه.
إظهار لوستج الماكر للصدق نزع عداء كابون لأن الأخير لم يكن يتوقعه. ويجب المحتالون هذا التضارب في المشاعر لأنه يلهي ضحيتهم ويسهل عليهم خداعه.
لا تخجل أو تتردد عن استخدام هذه القاعدة مع كل أمثال كابون في هذا العالم، فاستخدام الصدق والسخاء في توقيت دقيق يجعل حتى أشرس الكائنات والوحوش تأتي وادعة لتأكل من يديك.
كل شيء يصبح رماديًا وكالحًا إن لم أجد في الأفق من أخدعه، لأن ذلك يجعل الحياة فارغة وكئيبة.
أنا لا أفهم لماذا يختار الصادقون أن يعيشوا تلك الحياة المملة والمحبطة.
كونت فيكتور لوستج 1890. 1947
مفاتيح للسطوة:
الإلهاء هو جوهر الخدع والمكائد لأنه يشتت أذهان الناس ويوفر لك الوقت والحيز لفعل شيء دون أن يلاحظوا. ويعد التصرف بعطف أو صدق أو سخاء من أقوى أنواع الإلهاء لأنها تقضي على ارتياب الآخرين فيك وتجعلهم كالأطفال يفرحون بأي تلميح ودود.
كان الصينيون القدماء يسمون ذلك «أعط حتى تأخذ» -فعطاؤك يجعل الشخص لا يلاحظ ما تأخذه، وتلك حيلة لها استخدامات عملية لا تحصى. فمن الخطر أن تأخذ من أحد أي شيء عنوة حتى وإن كانت لك سلطة كبيرة لأن ذلك يجعل الضحية يخطط للانتقام منك. ومن الخطر أيضًا أن تطلب ما تريده مباشرة مهما كان تأدبك: لأنه إن لم يجد الشخص فيما تطلبه مصلحة له فسوف يشمئز من ضعفك ومسكنتك. تعلم أن تعطي قبل أن تأخذ فذلك يلطف الأجواء ويبعد عن طلبك في المستقبل طعمه اللاذع أو ببساطة يشتت عنه الانتباه. وقد يأخذ العطاء أشكالا كثيرة كالهدية أو التصرف بسخاء أو تقديم معروف أو التعبير عن إعجاب «صادق» أو أي شيء آخر قد يقتضيه الموقف.
يكون تأثير الصدق أكبر ما يمكن حين تستخدمه في أول مرة تلتقي فيها بشخص، لأننا جميعًا أسرى العادة وانطباعاتنا الأولى تدوم طويلاً، فإن آمن شخص بأنك صادق في بداية تعارفكما سيصعب عليه بعد ذلك أن يغير رأيه، وهذا يمنحك حيزًا كبيرًا للمناورة.


كان جاي جولد مثل كابون لا يثق بأحد، واستطاع أن يمتلك الملايين وهو في الثالثة والثلاثين من عمره بالاحتيال والقهر، وفي أواخر 1860– استثمر أموالًا هائلة في شركة إيري للسكك الحديدية ثم اكتشف أن السوق غارق بالأسهم المزيفة للشركة وكان على وشك الابتلاء بخسارة جسيمة والتعرض للكثير من الإحراج.
وسط هذه الأزمة عرض عليه المساعدة رجل عرّف نفسه بأنه اللورد جون جوردون–جوردون وأنه من اسكتلندا وأنه جمع ثروة متواضعة من الاستثمار في السكك الحديدية.
استطاع جوردون–جوردون بالاستعانة بخبراء في خط اليد أن يعرف أن من يقومون بتزوير أسهم الشركة هم من أعلى المدراء التنفيذيين بشركة إيري نفسها، فشكره جولد وعرض جوردون–جوردون عليه أن يتحدا معا لامتلاك النسبة المتحكمة بالشركة فوافق جولد وبدا لفترة أن هذا الاتحاد مربح وأصبح الرجلان صديقين حميمين، وكان كلما أتى جوردون–جوردون إلى جولد يطلب منه مالاً لشراء أسهم كان جولد يمنحه له، لكن في عام 1873 أخذ جوردون – جوردون فجأة يُغرق الأسواق بأسهمه محققًا لنفسه ثروة كبيرة لكن ذلك انخفض بقيمة مدخرات جولد من الأسهم إلى الحضيض وبعدها اختفى.
بينت التحريات أن الاسم الحقيقي لجوردون – جوردون هو جون كراونجسفيلد وأنه ابن غير شرعي لتاجر متجول ونادلة في إحدى خمارات لندن، وكانت قد ظهرت دلائل عديدة قبل ذلك على أن جوردون – جوردون محتال لكن تصرفًا واحدًا من الصدق والدعم في البداية أعمى جولد لدرجة أن الأمر تطلب منه خسارة ملايين الدولارات حتى يكتشف حقيقة المؤامرة.
لكن غالبًا لا يكفي تصرف صادق واحد، المطلوب هو الاشتهار بالأمانة نتيجة لسلسلة من التصرفات دون انتظار أي فائدة مباشرة منها، وبمجرد أن تترسخ هذه السمعة تصبح مثلها مثل الانطباعات الأولى يصعب أن تتغير.


في الصين القديمة، قرر الدوق ومن مملكة شنج أن الوقت قد حان ليستولي على مملكة هو القوية، ودون أن يخبر أحدا بمخططه تزوج من ابنة حاكم هو، ثم استدعى مجلس الوزراء وقال لهم «أن أفكر في القيام بحملة عسكرية، فما البلد الذي تنصحون بأن نحتله؟» وكما توقع قال أحد الوزراء «علينا أن نغزو هو» فتظاهر الدوق بالغضب وقال «الا تعلم أن هو دولة شقيقة الآن، فلم نغزوها؟» وقرر إعدام الوزير بسبب تعليقه الفظ، وسمع حاكم هو بذلك وتذكر تصرفات أخرى تدل على مصداقية وإضافة إلى زواجه من ابنته وتخلى عن الدفاعات التي تحميه من غزو شنج. بعدها بأسابيع اجتاحت قوات شنج مملكة هو واستولت عليها ولم تتخل عنها بعد ذلك أبدًا.
الصدق هو أفضل الطرق لنزع دفاعات الحذرين ولكنه ليس الطريقة الوحيدة، فأي تصرف نبيل أو فعل ينم عن الإيثار قد يفي بالغرض. وهناك أيضًا الهدايا فمن النادر أن يرفض الناس الهدايا حتى من ألد أعدائهم وذلك هو ما يجعلها في أغلب الأحيان طريقة متقنة لنزع سلاح الآخرين، فالهدايا تداعب روح الطفولة فينا وتجعلنا نتصرف ببراءة. وفي حين ننظر في العادة إلى تصرفات الآخرين بالريبة والتشكك فإننا لا نرى الانتهازية أبدًا فيمن يقدم لنا الهدايا رغم أن ذلك هو الغرض الحقيقي منها في أغلب الأحوال. فالهدية هي الغطاء الأمثل للخداع والمكيدة.
قبل ثلاثة آلاف عام عبر الإغريقيون البحر لاستعادة هيلين الجميلة التي سرقها منهم الأمير باريس وتدمير مدينته طروادة، واستمر الحصار عشر أعوام مات فيها أبطال كثيرون ولم يقترب أي من الطرفين من تحقيق النصر.
ذات يوم قام المنّجم كالشاس بجمع الإغريقيين وقال لهم «توقفوا عن دك الأسوار، وفكروا في مكيدة لأنكم لن تنتصروا على الطرواديين بالقوة وحدها» حينها جاءهم أوديسيوس بفكرة بناء حصان خشبي كبير يخبئون فيه بعض الجنود


ويقدمونه هدية للطرواديين. احتقر نيوبطليموس ابن أخيل هذه الفكرة ورآها خالية من العزة والكرامة، وأن من الأشرف لهم أن يموت منهم الملايين عن أن ينتصروا بهذا التحايل. لكن كان أمام الجنود الخيار بين عشر سنوات أخرى من العزة والشرف والموت وبين النصر السريع فاختاروا الحصان وتم بناؤه بإحكام ونجحت الحيلة وسقطت طروادة، وهكذا قدمت الهدية للإغريق أكثر مما قدمته لهم عشرة سنوات من الحرب.
يجب أن يكون التعاطف الماكر أيضًا سلاحًا في جعبة مكائدك. ظل الرومان القدماء لسنوات يحاصرن مدينة الفاليسكانيين دون جدوى، وفي أحد الأيام وبينما كان القائد الروماني كاميلوس يعسكر خارج المدينة رأى رجلا يقود أمامه عددا من الأطفال، كان الرجل معلما فاليسكانيا أما الأطفال فكانوا أبناء وبنات أعرق المواطنين في المدينة وأكثرهم ثراء؛ أخذهم المدرس متظاهرًا أنه سيطوف بهم في نزهة لكنه اتجه للرومان ليأخذوهم كرهائن، لكي ينال حظوة كاميلوس عدو مدينته.
لم يتخذ كاميلوس الأطفال رهائن بل عرّى المدرس وربط يديه خلف ظهره وأعطى لكل طفل عصا يضربه بها طوال طريق عودتهم إلى المدينة. أثّر هذا التصرف كثيرًا في الفاليسكانيين. ربما كان أخذ الأطفال كرهائن سيحقق بعض المكاسب لكاميلوس بأن يجعل بعض الفالسكانيين يصوّتون للانسحاب أو حتى إن اختاروا الحرب فلم يكونوا ليحاربوا بنفس الحماس ولكن ترّفعه عن ذلك أنهي مقاومتهم وجعلهم يختارون الاستسلام. حسب القائد حساباته بدقة لأنه لم يكن ليخسر شيئًا على أي حال لأن استغلال الرهائن لم يكن لينه الحرب ولكن عكس الموقف جعله يكسب ثقة واحترام أعدائه وجعلهم يقبلون سطوته عليهم. التعاطف المحسوب غالبًا ما يُخضع إليك حتى ألد أعدائك لأنك حين تمس القلب لن يرغب الإنسان بعدها في المقاومة.
تذكر أن اللعب بمشاعر الناس وإظهار التعاطف المحسوب جيدًا قد يحول حتى آل كابون إلى طفل برئ، ولكن وكما في أي تكتيك يتعامل مع المشاعر عليك أن
تستخدمه بحرص، لأنه لو أدرك الناس تلاعبك سيتحول الشكر والعرفان إلى أعنف أنواع المقت والارتياب. وإن لم تكن تستطيع أن تبدو صادقا حقا فابتعد عن اللعب بهذه النار.
الصورة
حصان طروادة
أنه المكيدة مخبأة في هدية لن يستطيع خصمك أن يقاومها، ستفتح لك الأسوار وحين تدخل يمكنك أن تفعل كل ما تشاء.
اقتباس من معلم: حين أراد الدوق هسين من مملكة شن أن يغير على مملكة يو قدم لهم حجر اليشب وبضع خيول وحين أراد الإيرل شه أن يغزو شوي وأهداهم مركبات رائعة، ومن هنا أتى القول الشائع «حين تريد أن تأخذ عليك أن تعطى أولا». (هاي فان تسو–فيلسوف صيني–القرن الثالث ق. م.)
عكس القاعدة:
إن كان معروفًا عنك المكر فلن ينخدع أحد بما قد تظهره من صدق أو عطف أو سخاء، بل يجعل الناس يحذرونك ويرتابون منك أكثر. في هذه الحالات عليك أن تلعب دور الفاسد الصريح.
كان لوستج على وشك إتمام أكبر احتيال في حياته وهو بيع برج إيفل لأحد رجال الصناعة بعد أن أقنعه أن الحكومة تقيم مزادًا لبيع ما به من معادن خردة. كان رجل الصناعة على وشك أن يدفع مبلغًا كبيرًا من المال للوستج الذي ادعى أنه مسئول حكومي كبير، لكن في آخر لحظة شعر المخدوع بالارتياب وأقلقه شيء ما في لوستج، وفي اللقاء المقرر لدفع المال رأى منه لوستج هذا الارتياب.
اقترب لوستج من الرجل وهمس له أن راتبه ضعيف وظروف الحياة صعبة ومثل ذلك. بعد دقائق فهم الرجل أن لوستج يطلب منه رشوة، وحينها شعر بالارتياح واطمئن للوستج لأنه كان قد رأى الفساد في كل موظفي الحكومة. هكذا أدى تظاهر لوستج بالفساد إلى إقناع الرجل بأنه مسئول حكومي حقيقي لكن لو ادعى الشرف والأمانة لحصل على نتيجة عكسية.


حين تقدم العمر بالدبلوماسي الفرنسي تاليران اشتهر عنه أنه أستاذ في الكذب والمكر، وفي مؤتمر فيينا (1814-1815) كان يلفق للذين يتوقعون منه الكذب حكايات يستحيل تصديقها، وكان الغرض من هذا الخداع المزيف التغطية على المرات التي سيخدعهم فيها خداعًا حقيقيًا. ذات مرة قال لأصدقائه بجدية ونبرة الصدق «في عالم الأعمال على المرء أن يكشف أوراق قوته». لم يصدقه أحد من السامعين: فالرجل الذي ظل طوال حياته يخفي أوراقه يطلب منهم أن يظهروا أوراقهم. مثل هذه التكتيكات كانت تجعل من الصعب على الآخرين أن يفرقوا بين الخداع الحقيقي والخداع الزائف لدى تاليران، أي أن توظيفه لسمعته كمخادع مكنته من الاستمرار في الخداع.
لا شيء في عالم السطوة أصم كالحجارة، فإظهارك للخداع يخفي نواياك أحيانًا، بل قد يجعل الآخرين يُعجبون بصراحتك في الخداع.

** معرفتي **
www.ibtesama.com/vb
منتديات مجلة الابتسامة



القاعدة

13

لا تناشد في الناس
العطف أو رد الجميل
لكن استدرجهم بمصالحهم

الحكمة:
إن احتجت من أحد المساعدة لا تذّكره بما قدمت له من هبات أو مساعدات لأن ذلك سيجعله يختلق الأعذار للتهرب منك. اظهر له شيئًا يعود عليه بالفائدة من تحقيق طلبك ومن تعاونه معك، وركز كلامك على هذه الفوائد. إن أقنعته ستجده يلبي مطالبك بحماس.


انتهاك القاعدة:
في بدايات القرن الرابع عشر صعد شاب يدعي كاستروشيو كاستراكاني من عوام الجنود ليصبح حاكمًا لمدينة لوقا العظيمة في إيطاليا، وكان لعائلة بوجيو وهي من أكثر الأسر ع راقة في المدينة دورًا كبيرًا في هذا الصعود (الذي تم بالمكيدة وإراقة الدماء). لكن بعد أن وصل إلى القمة أحس آل بوجيو أنه نسيهم، فلم يترك له طموحه أي شعور بالعرفان؛ لهذا وفي عام 1325 وبينما كان كاستراكاني خارج المدينة لقتال عدوها الأكبر فلورنسا تآمر بوجيو مع أسر عريقة أخرى في المدينة للإطاحة بهذا الأمير المزعج والانتهازي.
تطور التمرد إلى عصيان مسلح وهاجم المتآمرون الحاكم الذي عيّنه كاستراكاني على المدينة وقتلوه، وانتشر الشغب واستعد أنصار كاستراكاني وأنصار آل بوجيو للحرب، وفي ذروة التوتر تدخل ستيفانودي بوجيو وكان أكبر أعضاء آل بوجيو سنا وأقنع الفريقين بترك السلاح.
لم يشارك ستيفانو في المؤامرة – فقد كان رجل سلام–وأقنع أسرته أن هذه الفتنة لن تؤدي إلا إلى حمام دم، وأصر بعدها أن يشفع للأسرة لدى كاستراكاني ويقنعه بأن ينصت لمطالبهم ويرضيهم، ورحبت الأسرة باللجوء للدبلوماسية بدلاً من السلاح.
حين وصلت أنباء التمرد إلى كاستراكاني أسرع عائدًا إلى لوقا، لكن في وقت وصوله كان القتال قد انتهى بتدخل ستيفانو، وتعجب من استقرار الهدوء والسلام في المدينة. ظن ستيفانو أن كاستراكاني سيكون شاكرًا له على ما قام به من جهد لتهدئة التمرد ولذلك قام بزيارة الأمير وشرح له ما حدث وطلب منه العفو، وقال أن المتمردين كانوا من الصغار الطائشين الذين يسعون للسطوة دون أن تكون لديهم خبرة، وذكره بالتضحيات التي بذلتها الأسرة لصالحه، وقال أن كل هذه الأسباب توجب على الأمير العظيم أن يغفر لآل بوجيو ويستمع لشكواهم، لأن هذا هو الخيار الوحيد العادل، ولأن الأسرة وضعت سلاحها طائعة وظلت على الدوام مناصرة للأمير.
أنصت كاستراكاني بصبر ولم يبد عليه أي مسحة من الغضب أو الاستياء، بل أخبر ستيفانو أن العدالة سوف تسود وطلب منه أن يُحضر الأسرة كاملة إلى القصر للتحدث بشأن إزالة أسباب شكواهم والاتفاق على حلول، وأثناء توديعه لستيفانو قال له كاستراكاني أنه يشكر الله على أن منحه هذه الفرصة ليثبت للجميع عدله وطيبة قلبه. في المساء أتت الأسرة بكاملها إلى القصر وفور دخولهم أمر كاستراكاني باعتقالهم وبعدها بأيام قليلة أعدمهم جميعًا ومعهم ستيفانو.
التعليق:
يعتبر ستيفانو دي بوجيو تجسيدًا لكل من يعتقدون أن عدالة ونبل قضيتهم يجعلانها تنتصر. من المؤكد أن المطالبة بالعدل ورد الجميل قد نجح في بعض الحالات لكن الغالب الأعم هو أن ذلك لم يكن يأتي إلا بعواقب وخيمة خاصة عند التعامل مع أمثال كاستراكاني. كان ستيفانو يعرف أن الأمير قد اكتسب سطوته بالخداع والقسوة، ولم يمتنع أو يتردد عن قتل صديقه المقرب، وحين قالوا له أنه إثم رهيب أن يقتل المرء صديقه القديم أجابهم أنه لم يقتل صديقًا قديمًا بل عدوا جديدًا.
لا يفهم الأشخاص من نوعية كاستراكاني إلا القوة والمصلحة الشخصية، وحين بدأ التمرد لم يكن هناك شيء أخطر على المتمردين من إنهاء التمرد ووضع أنفسهم تحت رحمته. لكن حتى بعد أن قام ستيفانو دي بوجيو بخطوته المميتة كانت لا تزال لديه بعض الخيارات: كان يمكنه أن يعد بتقديم الأموال لكاستراكاني، أو أي وعود أخرى ينفذونها في المستقبل، أو أن يشير إلى ما يضيفه دعم آل بوجيو لسطوة كاستراكاني في الحاضر وقدرتهم مثلا على التأثير في أكثر الأسر نفوذًا في روما وعلى التوسط له لإبرام تحالفات سياسية هامة مع هذه الأسر.
بدلًا من هذا ركز سيتفانو على الماضي وعلى تذكير كاستراكاني بما يدين لهم به من أفضال دون أن يملك شيئًا يلزمه بردها. ليست المسألة فقط أنك لا تستطيع أن تجبر أحدًا على الاعتراف بالجميل، بل أن هذ الإحساس بالدين غالبًا ما يمثل عبئًا يحب
الشخص أن يتخلص منه. في حالتنا هذه تخلص كاستراكاني من التزاماته نحو آل بوجيو بالتخلص من آل بوجيو أنفسهم.
مراعاة القاعدة:
في عام 433 ق. م. وقبل الحرب البلوبونيسية مباشرة، كانت جزيرة كورسيرا (وعرفت لاحقًا باسم كورفو) على شفا حرب مع المدينة الدولة الإغريقية كورنيث، وأرسل الفريقان سفرائهم إلى الأثينيين للتنافس على الفوز بالتحالف مع أثينا. كان الرهان مستعرًا لأن من كان سيفوز بدعم أثينا كان سيفوز حتما في الحرب، ولأن من كان لينتصر منهما لم يكن ليرحم المهزوم أبدًا.
تكلم سفير كورسيرا أولاً وبدأ بالاعتراف بأن جزيرته لم تساعد أثينا من قبل بل ناصرت أعداء أثينا، وليس هناك أي روابط سابقة من الصداقة أو تبادل الخدمات بين كورسيرا وأثينا، وأن سبب مجيئه هو الخوف والقلق على أمن جزيرته كورسيرا، لكن كل ما يستطيع أن يقدمه هو بناء تحالف يفيد البلدين فلدى كورسيرا سلاح بحرية لا يتفوق عليه إلا بحرية أثينا والتحالف بين البلدين سينشئ قوة هائلة، وهي قوة ترهب المدينة الدولة المنافسة لأثينا وهي إسبرطة، وأن هذا للأسف كل ما تستطيع أن تقدمه كورسيرا.
بعدها تقدم ممثل كورنيث بخطبة حارة ومبدعة على عكس خطبة الكورسيريين الجافة والمباشرة، فتكلم عن كل ما فعلته كورنيث لأثينا في الماضي، وتساءل كيف يمكن لأثينا أن تبحث عن تحالف جديد مع مدينة ساندت عدوها وتفضلها على صديقتها الحالية التي خدمت مصالحها بإخلاص، ولعل حلفاء أثينا الآخرين سينقضون تحالفهم معها إن رأوها لا تدعم من يخلصون لها، وأشار إلى القانون الهيليني وضرورة تعويض كورنيث عن كل مآثرها التي فعلتها من أجل أثينا وبدأ في عد هذه المآثر وضرورة رد الجميل للأصدقاء.
بعد الخطبة تجمع الأثينيون للتشاور في الأمر، وفي الجولة الثانية صوتوا بالأغلبية الساحقة للتحالف مع كورسيرا والتخلي عن كورنيث.


التعليق:
يذكر التاريخ نبل الأثينيين ولكن غالبًا ما ننسى أنهم كانوا أكثر من في اليونان القديمة واقعية، فبالنسبة لهم كانت الخطابة وكل ما في العالم من مناشدات عاطفية لا تساوي برهانًا عمليًا واحدًا خاصة إن كان سيضيف المزيد إلى سطوتهم.
لم يدرك سفير كورنيث أن تذكيره للأثينيين بكرم مدينته معهم في الماضي لم يكن له تأثير إلا استفزازهم وكأنه يطلب منهم بأدب أن يشعروا بالذنب والدين. لم يكن الأثينيون يهتمون بالخدمات الماضية أو مشاعر الصداقة، وكان يعرفون أنه حتى لو رأى حلفاؤهم الآخرون في تخلي أثينا عن كورنيث جحودا فإنهم لن يستطيعوا أن يقطعوا روابطهم معها لأنها القوة الأبرز في اليونان، كما أن أثينا كانت تحكم إمبراطورتيها بالقوة وأي حليف يتمرد عليها كانت تجبره بالسيف على العودة إلى حظيرتها.
حين يُخيّر الناس بين التحدث عن الماضي والتحدث عن المستقبل يختار الرجل العملي دائمًا المستقبل ونسيان الماضي، وهذا ما أدركه الكورسيريون، ففضلوا أن يتحدثوا عمليًا إلى شعب عملي. والواقع هو أن معظم الناس عمليون في حقيقتهم – ونادرًا ما يتصرفون بشيء ضد مصالحهم.
القاعدة دائمًا هي أن يخضع الضعفاء للأقوياء، كما أننا نرى أننا نستحق سطوتنا. وقبل اللحظة الراهنة كنتم ترون فينا أيضًا هذا الاستحقاق. لكنكم الآن وبعد أن حسبتم مصالحكم تتكلمون عن الخطأ والصواب؛ إلا أن مثل هذه الاعتبارات لم تثن الناس أبدًا عن استغلال فرص التوسع التي تتيحها لهم قوتهم.
اقتباسًا عن ممثل أثينا لدى إسبرطة
في كتاب الحرب البيلوبينيسية لتوسيديدس 465-395 ق.م.
مفاتيح للسطوة:
في سعيك للسطوة ستجد نسك مرارًا تطلب العون ممن هم أعلى منك سلطة ومقدرة. وهناك فن لطلب العون يعتمد بالأساس على فهمك لطبيعة الشخص الذي تتعامل معه، وأن لا تخلط بين ما تريده أنت وما يريده هو.


معظم الناس لا يتجاوزون أبدًا هذا الخلط لأن رغباتهم واحتياجاتهم تشوش تفكيرهم وتجعلهم يظنون بأن من يتوجهون إليه بالطلب لا يضع اعتبارًا لمصلحته الشخصية في المساعدة التي يقدمها لهم وكأن احتياجاتهم تهمه لكن الواقع أن ذلك قد لا يعنيه في شيء. ونجد أحيانًا من يترجى تحقيق مطالبه باسم المبادئ والقيم السامية كالمحبة والعرفان بالجميل وبذلك يقحم القضايا الإنسانية الكبرى في الشئون التي تحكمها الوقائع اليومية البسيطة. ما لا يعرفه هؤلاء هو أن الناس جميعًا حتى أكثرهم سطوة تحكمهم احتياجاتهم الخاصة وإن لم تخاطب فيهم مصالحهم فلن يروا في إنصاتهم لك إلا إزعاجًا أو على الأقل مضيعة للوقت.
في القرن السادس عشر كان البرتغاليون يحتكرون التجارة بين اليابان وأوروبا؛ لكن كان معهم مبشرون يسعون جاهدين لتحويل اليابانيين إلى المسيحية الكاثوليكية. وعلى الرغم من تحقيقهم لبعض النجاح إلا أنهم لم يتمكنوا أبدًا أن يضموا إليهم أحدًا من الطبقة الحاكمة. بل أنه في بداية القرن السابع عشر بدأ الإمبراطور إياسو يضيق وبدعوتهم. وحين بدأ الهولنديون يتوافدون إلى اليابان بأعداد كبيرة شعر إياسو بالارتياح لأنه لم يكن يريد من الأوروبيين إلا خبرتهم في صناعة السفن والسلاح، وسعد كثيرًا بالهولنديين لأنهم أوروبيون لا يهتمون إلا بالتجارة؛ ولذلك بدأ في التخلص من البرتغاليين ولم يعد يتعامل بعدها إلا مع الهولنديين العمليين.
كانت الاختلافات الثقافية كبيرة بين اليابان وهولندا لكن كان يجمعهما ما يجمع كل البشر في كل زمان ومكان وهو المصلحة. كل شخص تتعامل معه يشبه ثقافة غريبة عنك لكن يمكنك أن تتجاوز الفجوة بينكما إن خاطبته بمصلحته. لا تتحرج وأظهر له بوضوح أن خبراتك ستملأ جيوبه ذهبًا أو تشفيه من داء عضال أو تجعله يحيا حياة هانئة، فتلك اللغة يفهمها الجميع ويتكلمها الجميع.
الخطوة الأساسية في هذه العملية هي أن تفهم شخصية من تتعامل معه، هل هو من النوع المغرور؟ هل يقلق على سمعته ومكانته الاجتماعية؟ هل لديه أعداء قد تساعده على أن يقهرهم؟ هل هو من النوع الذي لا يحركه إلا المال والسطوة؟


حين احتل المغول الصين في القرن الثاني عشر كان هناك خطر طمس ثقافة ازدهرت لأكثر من ألفي سنة، فلم يكن جنكيز خان قائد المغول يرى في الصين إلا بلدًا ليس به مراعي تكفي لإطعام خيوله فقرر أن يدمر مدنها ويبيد شعبها «حتى ينمو مكانهم العشب». لم ينقذ الصين من هذا الدمار جندي أو قائد أو ملك بل رجل اسمه يلو شو تساي وكان هو أيضًا أجنبيًا لكنه كان يقدر مكانة الثقافة الصينية، وكان قد نجح أن يصبح المستشار المقرّب لجنكيز خان وأقنعه أنه سيجني ثروات كثيرة من هذه الأرض لو قام بدلا من تدميرها بفرض الضرائب على كل سكانها، فرأى خان أن الحكمة تقتضي ذلك وأخذ بنصيحة شو تساي.
وحين احتل خان مدينة كايفنج بعد حصار طويل قرر أن يذبح كل من فيها (كما فعل مع كل المدن التي قاومته) لكن شو تساي أقنعه أن المدينة تأوي أهم الحرفيين والمهندسين الذين فروا من الصين وأن من الأفضل له أن يستفيد منهم. لم يكن خان يعرف الرحمة، ولم تكن الرحمة هي التي أنقذت كايفنج. ما أنقذها هو أن شو تساي كان يفهم خان جيدًا ويعرف أنه ريفي فظ لا تعنيه الثقافة أو أي شيء آخر غير الحرب والأمور العملية، ولذلك استطاع أن يحرك الدافع الوحيد الذي يعرفه الرجل؛ ألا وهو الجشع.
المصلحة هي الرافعة التي تحرك بها الناس، وإن بينت لهم بوضوح أن لديك الوسيلة التي تحقق لهم ما يتمنونه أو ما يسعون إليه فلن يرفضوا أن يقدموا لك كل ما تريد من مساعدات. في كل خطوة في طريقك إلى السطوة عليك أن تدرب نفسك على فهم عقلية من تتعامل معهم ومعرفة احتياجاتهم ومصالحهم وأن تتخلص من غطاء مشاعرك وأهواءك الذي يحجب عنك الحقيقة. إن أتقنت هذا الفن فلن يمنعك شيء عن تحقيق كل ما تريد.


الصورة
حبل الرباط
حبل العرفان والتراحم هو حبل واه ضعيف ينقطع مع أول صدمة. أما حبل المصالح فمفتول من خيوط كثيرة لا ينقطع بسهولة وسوف ينجيك ويخدمك لسنوات طويلة.
اقتباس من معلم: أسهل الطرق لتحقيق المجد والثروة هو أن تبين للآخرين بوضوح أن من مصلحتهم أن يساعدوك على تحقيق مصالحك (جان دي لا برويير 1645–1696).
عكس القاعدة:
بعض الناس يرون في التعامل بالمصالح قبحا وحقارة، ويحبون أن يعاملوا الآخرين بالعدل والفضل والإحسان لأن ذلك يمنحهم شعورًا بالرقي والتفوق. وحين تطلب منهم شيئًا تؤكد لهم علوهم وسطوتهم. هؤلاء يكونون من القوة بحيث لا ينقصهم شيء سوى الفرصة لإثبات سموهم وتميزهم، لأن ذلك هو خمرهم ونشواهم. وستجدهم يبذلون قصارى جهدهم لإنجاح مساعيك وتقديمك لأصحاب الشأن طالما أن ذلك يحقق ذيوعا ويناصر قضية نبيلة (خاصة إن كانت تحظى بتأييد واسع بين الناس). ليس كل الناس إذن تدفعهم المصالح الدونية فهناك من ينفرون منك إن تقربت إليهم بمصالحهم الشخصية لأنهم لا يحبون أن يُظهروا شغفهم بهذه الأمور ولا يطلبون سوى أن يبينوا للآخرين ما في قلوبهم من طيبة.
لا تخجل وامنحهم تلك الفرصة، فهذا ليس احتيالا عليهم لأنهم يحبون العطاء وأن يرى الناس كرمهم. لذلك عليك أن تميز بين الأنواع المختلفة من أصحاب السطوة وأن تعرف ما يؤثر في كل منهم؛ فلا تطلب الإحسان والفضل ممن لا يحركه إلا الجشع، ولا تداعب بالجشع من تميل قلوبهم للنبل والطيبة.


القاعدة
14
تودد كصديق
لتراقب كجاسوس
الحكمة:
من الأمور المصيرية أن تكتشف أسرار منافسيك، وعليك أن تخصص لهم جواسيس يأتونك بأخبارهم حتى تكون لك الأسبقية عليهم. والأفضل أن تتجسس أنت لنفسك. في المناسبات الاجتماعية تصرف كمحقق سري واطرح الأسئلة بطرق لبقة وخفية حتى يكشف لك الناس عن نواياهم ونقاط ضعفهم. انتهز كل فرصة لتكتشف أسرار من حولك.


مراعاة القاعدة:
لا يشك أحد أن جوزيف دوفين كان أفضل تجار الفنون في عصره-فمن الفترة من 1904 إلى 1940 وبانفراد تقريبًا استطاع أن يحتكر سوق بيع التحف الفنية لمليونيرات أمريكا، لكن الصيد الأكبر أي رجل الصناعة أندرو ميلون كان يتملص منه، وعزم دوفين أن يجعل ميلون زبونا له قبل أن يموت.
رأى أصدقاء دوفين أن هذا الحلم مستحيل، فقد كان ميلون رجلا جافا وقليل الكلام، وكان ما يصله من أخبار عن دوفين الودود الثرثار تنفّره منه–وتبين بوضوح أنه لا يرغب في مقابلة الرجل، ولكن دوفين رد على أصدقائه قائلًا «أنني لن أقدر على جعل ميلون يشتري مني فحسب؛ بل لن يشتري بعدها إلا مني». وظل يتتبع فريسته لعدة سنوات ويتعرف على عادات الرجل ومخاوفه وذوقه، وليفعل ذلك أخذ يجند سرا الكثيرين من العاملين لدى ميلون ويضع لهم رواتب ويحصل منهم على معلومات قيمة، وحين انتقل لمرحلة التنفيذ كان يعرف عن ميلون مثل ما تعرفه عنه زوجته.
في عام 1921 كان ميلون يزور لندن وكان ينزل في جناح فخم في الدور الثالث في فندق كلاريدج، فحجز دوفين لنفسه الجناح المماثل في الدور الثاني، وأكد على أن يصبح خادمه الخاص صديقًا لخادم ميلون، وفي اليوم المصيري قرر أن يقوم بحركته. أخبر خادم ميلون خادم دوفين الذي أخبر بدوره دوفين أنه يساعد ميلون على ارتداء معطفه وأن الرجل في طريقه للممر لطلب المصعد.
بسرعة ارتدى دوفين معطفه وبعدها بثوان دخل إلى المصعد ورأى ميلون وقدم إليه نفسه «كيف حالك سيد ميلون؟ أنا في طريقي للمعرض القومي لرؤية بعض اللوحات». تعّجب ميلون لأنه كان ذاهبًا أيضًا إلى هناك، وأتاح ذلك لدوفين أن يصحب فريسته إلى المكان الأمثل للنجاح في خطته. كان دوفين يعرف ميلون ظهرا لقلب، وأثناء تجول الرجلين في المعرض أخذ يبهر هذا القطب بمعلوماته وتعجب مرة أخرى أن يجد لدوفين نفس ذوقه.
كانت المفاجأة سارة لميلون: لم يكن هذا هو دوفين الذي توقعه، فهذا الرجل راق ولطيف وصاحب ذوق رفيع ومميز، وحين عادا إلى نيويورك قام ميلون بزيارة المعرض الحصري لدوفين وتعجب أن يرى أن كل ما رآه كان بالضبط من النوع الذي يحب أن يقتنيه، وظل ميلون حتى آخر عمره الزبون المفضل والأكثر سخاء لدوفين.
التعليق:
لم يكن رجل طموح ومنافس مثل جوزيف دوفين ليترك أي شيء للصدفة، فما الفائدة من اكتشاف الزبون المناسب إن اكتفيت بالحماس وتمنى أن تسحره وتجذبه بما لديك؟ ذلك يشبه اصطياد البط البري مغمض العينين، ولكن إن سلحت نفسك ببعض المعلومات يتحسن تصويبك كثيرًا.
كان ميلون هو الصيد الثمين لدوفين، لكنه تجسس أيضًا على الكثيرين غيره من أصحاب الملايين. كان في السر يخصص رواتب سرية للعاملين في منازل زبائنه ليتمكن باستمرار من الحصول على المعلومات القيمة حول أحوالهم وتغير أذواقهم وغير ذلك من المعلومات التي تجعله متقدمًا دائمًا بخطوة على منافسيه. أحد المنافسين كان يرغب في جعل هنري فريك زبونا له ولاحظ أنه في كل مرة يزور فيها فريك في نيويورك يجد دوفين هناك كما لو كانت لديه حاسة سادسة، وكان تجار آخرون يرون وكأن دوفين موجود في كل مكان ويعرف كل شيء قبلهم، وكانت سطوته تحبطهم وتضعف عزمهم وتيأسهم من السعي وراء الأثرياء الذين يمكنهم أن يحققوا الثراء بالبيع لهم.
تلك هي سطوة التجسس: فالمعلومات التي يمنحها لك تظهرك في أعين الناس قادرًا وبصيرًا؛ وتوقعك لما يحبون ويرغبون يفتنهم. ولن يستطيع الآخرون أن يفهموا مصدر سطوتك وتأثيرك وما لا يستطيعون أن يفهموه لن يستطيعوا أن يحاربوه أو أن يتآمروا ضده.
الحاكم يرى بجواسيسه والأبقار ترى بأنوفها ورجال الدين يرون بالنصوص المقدسة وبقية الناس يرون بأعينهم
(كوتيليا، فيلسوف هندي، القرن الثالث ق. م)
مفاتيح للسطوة:
في عالم السطوة يكون هدفك أن تتحكم بما قد يأتي به المستقبل، وجزء من المشكلة التي تواجهها في ذلك هي أن الناس لن يبوحوا لك بما في فكرهم ومشاعرهم ومخططاتهم للمستقبل، فتحكم الناس بما يقولون يجعلهم يحجبون غالبًا الأجزاء الهامة من خصالهم مثل نقاط ضعفهم ودوافعهم الخفية وهواجسهم، والنتيجة هي أنك لا تتنبأ بتحركاتهم وتتصرف دائمًا مغمض العينين، والذكاء هو أن تجد وسيلة لسبر أغوارهم للتعرف على أسرارهم ونواياهم الخبيئة دون أن يلاحظوا أنك تتجسس عليهم.
هذا ليس بالصعوبة التي قد تتخيلها، فإظهار التودد يسمح لك بجمع المعلومات سرًا عن الأصدقاء وعن الأعداء على السواء. دع الآخرين يستطلعون الأبراج أو يقرءون الطالع ولكن اتخذ أنت لنفسك وسائل أكثر واقعية ودقة لقراءة المستقبل.
الطريقة الأكثر شيوعًا للتجسس تكون باستخدام آخرين كما فعل دوفين، وهذه الطريقة سهلة وقوية ولكنها خطرة: من المؤكد أن هذه الطريقة ستوفر لك المعلومات ولكنك لن تستطيع أن تتحكم تمامًا بالأشخاص الذين يقومون لك بهذا العمل فقد يكشفون سر تجسسك بسذاجتهم وقد ينقلبون ضدك دون أن تعلم. الأفضل أن تصبح أنت جاسوسًا لنفسك بأن تظهر الصداقة وفي السر تجمع المعلومات.
كان تاليران أحد الجهابذة العظام في ممارسة هذا الفن، وكانت لديه قدرة مذهلة على استلال الأسرار من الناس من خلال محادثة ودودة ومهذبة. وقد كتب عنه أحد معاصريه هو البارون دي فيترول «كان الرقي واللطف يميّزان أحاديثه، وكان يمتلك فن إخفاء أفكاره وضغائنه تحت غطاء شفاف من التلميحات والكلمات التي تقصد أكثر من معناها، ولم يكن يقحم شخصيته الحقيقية إلا عند الضرورة». كلمة


السر هنا هو أن تاليران كانت لديه القدرة على كبح نفسه في المحادثة ليترك الآخرين يتحدثون عن أنفسهم ويكشفون بعفوية عن نواياهم وخططهم.
طوال حياة تاليران كان الناس يرونه متحدثًا رائعًا على الرغم من أنه لم يكن يبوح إلا بالقليل، ولم يكن يتكلم أبدًا عن أفكاره الخاصة بل يترك الآخرين يكشفون له عن آرائهم، وكان ينظّم للدبلوماسيين الأجانب حفلات اجتماعية يدرس فيها كلماتهم بعناية ويتملقهم ليعرف بعض الأسرار التي لا غنى عنها لعمله كوزير خارجية فرنسا. في مؤتمر فيينا (1814-1815) كان يتجسس بطرق أخرى: كان يتظاهر بأنه بعفوية يفشي سرًا (غير حقيقي) ثم يراقب استجابات مستمعيه، فقد يخبر حشدا من الدبلوماسيين مثلاً أن مصدرًا موثوقًا أخبره أن قيصر روسيا ينوي القبض على قائده الأعلى للقوات المسلحة بتهمة الخيانة العظمى ويراقب استجابة الدبلوماسيين لهذه القصة المختلفة ويرى من أكثرهم فرحة بضعف الجيش الروسي–فربما يكون في بلده تخطيط لعمل ضد روسيا، وكما قال البارون شتيتن «السيد تاليران يطلق الرصاص في الهواء ليرى من الذي سوف يقفز من النافذة».
في اللقاءات الاجتماعية والمقابلات البريئة عليك أن تنتبه وتركز، ففي هذه المناسبات تتراخى دفاعات الناس، وبكبحك لشخصيتك يمكنك أن تجعل الآخرين يبوحون بأشياء عن أنفسهم، وروعة هذه المناورة هي أنها تجعل الآخرين يرون في إصغائك لهم اهتماما ودودا بهم وبذلك لن تكتسب منهم المعلومات فحسب ولكن تتخذهم حلفاء أيضًا.
لكن عليك أن تكون في غاية الحرص عند ممارستك لهذا التكتيك، فلو شعر الناس أنك تستدرجهم لتستل منهم أسرارهم فسوف يتجنبونك تمامًا، ولذلك أكد على أن يبدو حديثك معهم ثرثرة ودودة وليس بحثًا عن المعلومات القيمة، فلا يجب أن تكون مكشوفًا في تركيزك على المعلومات المهمة وإلا فإن أسئلتك ستكشف عنك وعن نواياك أكثر مما تمنحك من معلومات عن الآخرين.
إحدى حيل التجسس على الآخرين هي التي كتب عنها لاروشفوكو «الإخلاص
الحقيقي سمة نادرة بين الناس لكنه غالبًا ما يستخدم كحيلة بارعة للخداع؛ حيث يصرح الشخص بمكنونات قلبه ليكسب ثقة من يحادثه ويكتشف أسراره». تظاهرك بفتح قلبك لشخص آخر تعني أنك تجعله مقربًا فيفشي إليك بأسراره، فإن أفشيت لأحدهم سرًا كاذبًا ستجده يبوح لك بأسرار حقيقية. ومن الحيل الأخرى ما وصفه الفيلسوف آرثر شوبنهاور بأن تنتقد بشده رأي الشخص أثناء حديثك معه لتستفزه وتفقده تحكمه بكلامه، وفي حماسه للدفاع عن رأيه سيفشي لك حقائق عن نفسه يمكنك أن تستخدمها لاحقًا ضده.
طريقة أخرى للتجسس غير المباشر تكون باختبار الناس بأن تنصب لهم شركا يجعلهم يبوحون بمعلومات عن أنفسهم. كان إخشويرش الثاني ملك الفرس في القرن السابع مشهورًا بالدهاء وكانت له القدرة على معرفة ما في دواخل الناس دون أن ينتبهوا، وكان إذا رأى مثلًا أن اثنين من رجال البلاط أصبحت تجمعهما صداقة خاصة يتنحى بأحدهما ويقول له أن أخبارًا وصلته تفيد بأن صديقه خائن وأنه سوف يُعدم قريبًا، ويقول للرجل أنه يأتمنه على السر أكثر من أي شخص آخر وأن عليه أن لا يبوح لأحد بما سمع، ثم يراقب الرجلين مراقبة دقيقة فإن رأى الرجل الثاني لم يتغير في تعامله مع الملك يعرف أن الأول قد حفظ السر ويرقيه ثم يقول له كأنما يعترف «كنت أنوي قتل صديقك بسبب أخبار وصلتني لكني تحريت الأمر وعرفت أنها أخبار كاذبة». لكن من الناحية الأخرى لو رأى الملك أ، الرجل الثاني بدأ في الابتعاد عنه وأخذ ينعزل ويتوتر فيعرف أن الرجل الأول لم يحفظ السر فيأتي بالرجل الثاني ويقول له أن الموضوع برمته كان اختبارًا وأنه على الرغم من أنه لم يذنب في شيء إلا أنه لن يستطيع أن يثق به ثانية ويمنعه عن البلاط، أما بالنسبة للرجل الأول الذي كشف السر فيحكم بنفيه عن المملكة بأكملها.
وقد يبدو لك غريبًا هذا التجسس على شخصيات الناس وليس على المعلومات العملية، ولكن الحقيقة أن هذه المعلومات غالبًا ما تكون أفضل الوسائل لمنع المشكلات قبل وقوعها.


باستدراجك للناس للقيام بأفعال معينة يمكنك أن تعرف الكثير عن إخلاصهم وأمانتهم وباقي خصالهم، وغالبًا ما يكون ذلك أكثر المعلومات قيمة: فتسلحك بهذه المعرفة يمكنك من توقع تصرفاتهم في المستقبل.
الصورة
التجسس عين ثالثة
في عالم لا يرى فيه الجميع إلا بعينيهم تمنحك العين الثالثة بصيرة القدير، فتتجاوز ما يراه الآخرون وتبصر ما تخفي صدورهم. ولن يأمن أحد من هذه العين إلا أنت.
اقتباس من معلم: عليك الآن أن تعرف أن ما يجعل الحاكم الحاذق أو القائد الحكيم يقهر العدو كلما قابله، وما يجعل إنجازاتهم تفوق قدرات الأشخاص العاديين هي قدرتهم على «التبصر» بأحوال العدو، وهذا التبصر لا يأتي باستدعاء الأرواح أو الوحي الإلهي أو قراءة الطالع أو بالقياس على أحداث سابقة، بل يجب أن يستمد من أشخاص يعرفون أحوال العدو جيدًا – أي من الجواسيس (صن تسو، فن الحرب، القرن الرابع ق. م.).
عكس القاعدة:
المعلومات حيوية للسطوة، ولكن كما تتجسس على الآخرين عليك أن تستعد لتجسسهم عليك. من أقوى الأسلحة في حرب المعلومات نشر المعلومات الكاذبة، فكما قال تشرشل «الحقيقة غالية ولذلك يجب حمايتها بحرس من الأكاذيب». عليك أن تحيط نفسك بمثل هذا الحرس حتى لا تُخترق حقيقتك، ونشرك لمعلومات تختارها يجعلك تتحكم باللعبة.
في عام 1944 تصاعدت هجمات الصواريخ النازية على لندن، ألقت الطيارات حوالي ألف قنبلة على المدينة قتلت أكثر من خمسة آلاف شخص وجرحت أكثر بكثير، لكن كان الألمان كثيرًا ما يخطئون أهدافهم لسبب يجهلونه، فكانت القنابل التي كان متوقعًا أن تقصف جسر تاور أو بيكاديللي تسقط في الأحياء غير المأهولة
بعيدًا عن المدينة. كان السبب هو أن الألمان كانوا يعتمدون في تحديد أهدافهم على عملاء سريين زرعوهم في إنجلترا، ولم يعلموا أن الإنجليز ألقوا القبض على هؤلاء الجواسيس واستبدلوا بهم عملاء موالين لإنجلترا يمدونهم بمعلومات خادعة.
أخذت القنابل تصيب مواقع أبعد وأبعد عن أهدافها وفي نهاية الحملة كانت تصيب الأبقار في الحقول النائية. هكذا ترى أن إمدادك الآخرين بمعلومات كاذبة يجعل لك أفضلية كبيرة عليهم. إن كان التجسس يمنحك عينا ثالثة فإن الأخبار الكاذبة تأخذ عينًا من عدوك وتجعله يتخبط ويخطئ أهدافه باستمرار.


انتهاك القاعدة:
ليس هناك في التاريخ الصيني صراعًا أشهر من ذلك الذي كان بين هسيانج يو وليو بانج، فقد بدأ هذان القائدان العسكريان حياتيهما المهنية صديقين يحاربان في نفس الجبهة. كان هسيانج يو من أصول عريقة وكان قويًا وشديدًا وكانت تنتابه نوبات من الغضب والعنف، وكان فظ الدعابة لكنه كان محاربًا قديرًا وكان يحارب في مقدمة صفوف جنده، بينما كانت لليو بانج نشأة ريفية ولم يكن جنديًا خالصًا بل كان يفضل الخمر والنساء على القتال، الحقيقة أنه كان نذلا أكثر منه محاربًا إلا أنه كان مخادعًا وقديرًا في التعرف على أفضل المخططين الاستراتيجيين وكان يقربهم إليه وينصت لنصائحهم، وذلك هو الذي سمح له بالترقي في مراتب الجيش.
في عام 208 ق. م. أرسل الملك شو جيشين هائلين لإخضاع مملكة شين القوية، اتجه أحد الجيشين إلى الشمال بقيادة القائد سونج بي يليه في القيادة هسيانج يو، وكان الجيش الثاني يتجه مباشرة نحو شين بقيادة ليو بانج، وكان الهدف هو الوصول للعاصمة الرائعة للمملكة هسين يانج. ولم يكن هسيانج يو العنيف والمتسرع يحتمل مجرد التفكير في أن يصل ليو بانج قبله إلى العاصمة هسيان يانج، فربما يجعله ذلك قائدًا على الجيش بأكمله.
في إحدى المراحل تباطأ القائد الأعلى للجيش الشمالي سونج بي عن إرسال قواته إلى المعركة، فدخل إليه هسيانج واتهمه بخيانة المملكة وقطع رأسه وتفرد بقيادة الجيش وحده، ودون أن ينتظر الأوامر ترك الجبهة الشمالية وزحف مباشرة نحو هسين يانج، وكان متيقنًا أنه محارب وقائد أفضل من ليو بانج ولكن لدهشته استطاع ليو بانج الذي كان يقود جيشًا أصغر وأسرع أن يصل إلى هسين يانج قبله. كان لدى هسيانج مستشار هو فان تسنج، حذّره قائلًا «لم يكن هذا القائد الريفي [ليو بانج] يشتهي غير المال والنساء ولكن منذ أن أتى إلى العاصمة لم تعد هذه الأمور تشغله، إنه يطمح للبعيد».
ألح فان تسنج على هسيانج أن يقتل غريمه قبل أن يفوت الأوان، ونصح الجنرال
أن يدعو ذلك الريفي المخدع إلى مأدبة يقيمها خارج هسين يانج ووسط الاحتفال وأثناء رقصة السيوف الشهيرة يقطع رأسه. وتم بالفعل إرسال الدعوة ووقع ليو في الفخ وحضر المأدبة لكن هسيانج تردد في السماح برقصة السيوف وفي اللحظة التي أعطى فيها إشارته كان ليو بانج قد استشعر المكيدة واستطاع أن يهرب. امتغض فإن تسنج حين رأى هسيانج يفسد الخطة وقال «يا للقرف، لم يكن عليّ أن أشرك ساذجًا مثلك في خطة، سوف ترى ليو بانج يستولى على إمبراطوريتك ويتخذنا جميعًا أسرى».
بسرعة أدرك هسيانج خطأه وزحف نحو هسين بانج، عازمًا هذه المرة على الحصول على رأس خصمه، ولكن ليو بانج لم يكن يدخل معركة حين تكون فرصته للانتصار قليلة وابتعد عن المدينة، فاستولى هسيانج على المدينة وقتل الأمير الصغير لمملكة شين ثم دك المدينة وسواها بالأرض. أصبح ليو ألد أعداء هسيانج وأخذ هسيانج يطارده لعدة شهور إلى أن حاصره أخيرًا في مدينة محصنة، وبسبب نقص المؤن وتشتت الجيش ناشده ليو إقرار السلام.
قام فان تسنج بتحذير هسيانج مرة أخرى «اسحقه الآن، إن تركته يهرب ثانية فسندم لاحقًا» لكن هسيانج اختار أن يكون رحيمًا معه وطلب إحضاره حيًا إلى تشو وكان يريد أن يعترف به صديقه السابق وليا وسيدًا له، لكن ثبت أن رأي ف كان صحيحًا واستطاع ليو استغلال مفاوضات الاستسلام كتمويه للهروب مع جيش صغير. تعجب هسيانج من نفسه أن ترك غريمه يفر مرة أخرى، واستعد من جديد لملاحقته ولكن هذه المرة بشراسة جعلته يبدو كمن فقد عقله، وفي الطريق أسر والد ليو في معركة وأخذه معه إلى أن وجد ليو وصاح فيه «استسلم الآن وإلا أسقطت أباك في ماء يغلي «فرد ليو» ولكننا أخوان بالقسم وأبي هو أبوك، وإن كنت مصرا على أن تغلي أباك فاث لي بكوب من الحساء». فتجع هسيانج عن حماقته واستمر القتال.


بعد ذلك بأسابيع وفي ذروة المطاردة بعثر هسيانج قواته بحماقة واستطاع ليو بهجمة خاطفة أن يحاصر حاميته الخاصة، وللمرة الأولى تنقلب الأحوال. هذه المرة كان هسيانج هو الذي ينشد السلام، فألح كبير مستشاري ليو عليه أن يدمر هسيانج ويسحق جيشه دون رحمة وقال «إن أطلقته تصبح كمن يربي نمرًا ليفترسه» ووافق ليو على رأي مستشاره، واصطنع هدنة مزيفة ليغري هسيانج بتقليل دفاعاته ثم ذبح كل من في جيشه تقريبًا، واستطاع هسيانج أن يهرب وحيدًا وعلى قدميه وكان يعرف أن ليو قد خصص مكافأ لمن يأتي برأسه، فتقدم إلى مجموعة من جنوده المتسخين والمنهكين وصاح فيه «علمت أن ليو قد خصص مائة قطعة من الذهب وإقطاعية من عشرة آلاف أسرة ثمنًا لرأسي، وسوف أمنحكم هذه الخدمة» ونحر عنقه بيديه ومات.
التعليق:
أثبت يو صلابته في مناسبات عديدة ولم يكن يتردد إلا نادرًا عن الإطاحة بخصم إن رأي أن ذلك يخدم مصالحه، لكنه تصرف بشكل مختلف مع ليو بانج، فقد كان يقدر غريمة ولم يرغب في هزيمته بالخديعة وأراد أن يثبت تفوه في ميدان المعركة، بل حتى أراد أن يجبر ليو الحاذق على الاستسلام والانضمام لخدمته، وفي كل مرة يتمكن من خصمه كان يجد شيئًا يجعله يتردد – وهو تعاطف قاتل مع الرجل الذي كان يومًا صديقه ورفيق سلاحه. لكن في اللحظة التي أعلن هسيانج بوضوح أنه يريد الإطاحة بليو وفشل كان قد حفر قبره بنفسه، ولم يعاني ليو من هذا التردد حين انقلبت الأقدار لصالحه.
هذا هو مصيرنا جميعًا إن تعاطفنا مع أعدائنا وأخذتنا بهم شفقة أو أمل في التصالح معهم، وإن جعلنا ذلك نتردد عن التخلص منهم، فلن يؤدي ذلك إلا إلى تقوية خوفهم منا وكرههم لنا. حين نتساهل مع أعداء هزمناهم وأهننا عزتهم نكون كمن يربي ثعابين الكراهية التي تقوى يومًا لتقتله. وفي عالم السطوة لا يمكننا أن نتعامل بهذه الطريقة بل يجب أن نسحق أعداءنا ونبيدهم ولا نترك لهم أي فرصة
للعودة للانتقام منا. ويصدق ذلك على الصديق الذي يتحول لعدو. القاعدة في الصراعات المميتة تنص على أنه: لا مكان للتصالح، فطرف واحد ينتصر ولا يكون الانتصار انتصارًا إلا إن كان شاملًا.
تعلم ليو هذا الدرس جيدًا، فبعد أن هزم هسيانج يو أكمل هذا الريفي مشواره ليصبح قائدًا أعلى لجيوش تشو، وسحق عدوه التالي – ملك تشو وليه السابق وتوّج نفسه إمبراطورًا، وهزم كل من وقف في طريقه وأخذ مكانه في التاريخ كواحد من أعظم حكام الصين، واتخذ لنفسه اسم هان كاو تسو مؤسس سلالة هان الحاكمة.
من يريد الإنجاز عليه أن يتخلى عن الرحمة
كوتيليا، فيلسوف هندي القرن الثالث ق.م.
مراعاة القاعدة:
ولدت وو تشاو في عام 625 ميلادية وكانت ابنة دوق، ولأنها كانت فاتنة وجميلة تم ضمها لحريم الإمبراطور تاي تسونج.
كان الحريم الإمبراطوري مكانًا خطرًا ومليئًا بمحظيات تتنافس على احتلال المكانة الأقرب لدى الإمبراطور. استطاعت وو بجمالها وشخصيتها القوية أن تفو بهذه المعركة سريعًا، ولكنها كانت تعرف أن الإمبراطور ككل رجال السطوة تتملكه الأهواء والنزوات وأنه من السهل استبدالها ولذلك كانت تضع المستقبل دائمًا نصب عينيها.
استطاعت وو أن تغوي تشاو تسونج الابن الداعر للإمبراطور في الفرصة الوحيدة التي كان يمكنها أن تلتقي به وحدها: أي حين كان يتبول في الحمام الملكي، ولكن على الرغم من هذا وحين مات الملك أخذت تعاني مصير كل زوجات ومحظيات الإمبراطور الراحل وهو مصير كان محكومًا بالأعراف والقوانين التي تقضي بأن تحلق رأسها وتنضم للدير لما تبقى من حياتها. ظلت وو تخطط للهرب من الدير طوال سبع سنوات واتصلت سرًا بالإمبراطور الجديد وصادقت زوجته


الإمبراطورة واستطاعت أن تحصل على مرسوم ملكي غير مسبوق يسمح لها أن تعود للقصر وأن تنضم للحريم، وظلت تتزلف للإمبراطورة على الرغم من أنها كانت تضاجع زوجها، ولم تمنعها الإمبراطورة عن ذلك لأنها كانت في حاجة أن تأتي للإمبراطور بوريث للعرش وكان وضعها حرجًا ورأت في وو الحليفة التي سوف تخلصها من هذا المأزق.
في عام 645 رزقت وو تشاو بولد، وفي أحد الأيام أتت الإمبراطورة لزيارتها وبعد أن خرجت قامت وو بخنق طفلها الوليد، وحين اكتشفت الجريمة اتجهت الشكوك نحو الإمبراطورة التي كانت في وقع الجريمة قبل حدوثها بلحظات، وكان الجميع يعرف طبيعتها الغيورة. كان ذلك بالضبط ما خططت له وو، وبسرعة تمت محاكمة الإمبراطورة بتهمة القتل وأعدمت، وتم تتويج وو تشاو إمبراطورة مكانها، وكان زوجها الجديد مدمنا للملذات وتخلي لها سعيدًا عن شئون الحكم.
على الرغم من سطوتها الكبيرة لم تشعر وو أبدًا بالأمان، فقد كان الأعداء حولها في كل مكان ولم تتخل عن حراسها في أي لحظة. في عامها الواحد والأربعين بدأت تخشى أن تحتل ابنة أخيها الجميلة والشابة مكانتها المفضلة لدى الإمبراطور ولذلك قتلتها بوضع السم في عامها. وفي عام 675 أصبح ابنها الوريث الشرعي للحكم فسمته هو أيضًا، ولفقت تهمة حُكم فيها بالنفي على الابن غير الشرعي لزوجها عندما تم تسميته وليا للعهد، وحين مات الإمبراطور في عام 683 استطاعت وو إعلان أن الابن التالي غير مؤهل للعرش وكان ذلك يعني أن أصغر أبنائها وأقلهم جدارة قد أصبح إمبراطورًا وسمح لها ذلك بالاستمرار في الحكم.
في السنوات الخمس التالية حدثت محاولات انقلاب لا تحصى بالقصر وفشلت جميعًا وتم إعدام جميع المتآمرين، وفي عام 688 لم يبق أحد ينازع وو على العرش وأعلنت نفسها سليلة إلهية للبوذا وفي عام 690 تحققت أخيرًا كل أحلامها: أطلق عليها لقب «الإمبراطور» المقدس للصين.
أصبحت وو إمبراطورًا لأنه لم يتبق حرفيًا أحد في سلالة تسانج ليتولى الحكم، وهكذا حكمت دون منازع لأكثر من عقد من السلام النسبي، وفي عام 705 وكانت في الثمانين من عمرها أجبرت على التنازل عن العرش.
التعليق:
كل من عرف الإمبراطورة وو كان ينبهر بطاقتها وذكائها، وفي هذه العصور كان آخر ما تحلم به أي امرأة من مجد هو أن تقضي بضع سنوات في الحريم الإمبراطوري، وبعدها تقضي ما تبقى من حياتها في الدير. لم تتصرف وو بسذاجة في أي مرحلة من صعودها التدريجي والمبهر نحو القمة، وكانت تعلم أن أي تردد أو لحظة ضعف ستقضي عليها، وكانت كلما انتهت من منافس يظهر لها منافس جديد وكان حلها لهذه المشكلة بسيطًا: إما أن تقضي عليهم أو يقضون هم عليها. كان كل من سبقها من أباطرة يفعل نفس الشيء، ولكن كان عليها كامرأة لاحق لها في السلطة أن تقوم بهذا الأمر دون أي رحمة.
كان حكم الإمبراطورة وو لأربعين عامًا من أطول فترات الحكم في تاريخ الصين، وعلى الرغم من معرفة الصينيين بتاريخها الدموي ظلوا ينظرون إليها كأكثر من حكموا الصين قدرة وكفاءة.
حين كان رجل الدولة والقائد العسكري الإسباني رومون ماريا نارفاييز (1800– 1868) على فراش الموت سأله الواعظ «هلا عفوتم عن أعدائكم جميعًا يا صاحب السعادة؟» فأجابه نارفاييز «ليس على أن أعفو عنهم لأنني قتلتهم جميعًا».
مفاتيح للسطوة:
ليس من الصدفة أن يأتي المثالان اللذان يصوران هذه القاعدة من الصين: فالتاريخ الصيني ملئ بقصص عن أعداء تم تركهم أحياء وعادوا لينتقموا من الذين تساهلوا معهم. كانت العقيدة الاستراتيجية الأساسية لصن تسو في القرن الرابع ق. م. في كتابة فن حرب هي «اسحق أعداءك». والمغزى وراء ذلك بسيط: أعداؤك يتمنون لك الشر، وليس هناك شيء أحب إليهم من التخلص منك، وإن حاربتهم ثم


توقفت في منتصف أو حتى في ثلاثة أرباع الطريق بسبب الرحمة أو الرغبة في التصالح معهم تكون قد شددت من عزمهم ومن شعورهم بالمرارة ضدك، فيعودون للانتقام منك في يوم ما. قد تراهم في مرحلة ما يعاملونك بود ولكن سبب ذلك أنك هزمتهم وأنه ليس لديهم خيار سوى الانتظار حتى تأتي اللحظة المناسبة.
الحل هو أن لا تأخذك رحمة بأعدائك، اسحقهم ولا تبق لهم شيئًا كما يريدون أن يسحقوك، ففي النهاية لن تحظى بالأمن ولا السلام من أعدائك إلا بالقضاء عليهم.
عرف ماوتسي تونج أهمية هذه القاعدة بعد أن قرأ كتاب فن الحرب قراءة متعمقة. في عام 1934 لجأ ماو مع جيش من 75000 جندي مسلحين تسليحًا خفيفًا إلى منطقة جبلية نائية في غرب الصين هربًا من جيش شيانج كاي شيك الذي يتفوق عليهم بكثير، وقد أطلق على هذا التحرك من وقتها اسم الزحف الطويل.
كان شيانج عازمًا على التخلص نهائيًا من الشيوعيين، وبعد سنوات قليلة لم يتبق لدى ماو سوى 100000 جندي، وفي عام 1937 حين بدأ احتلال اليابان للصين ظن شيانج أن الشيوعيين لم يعودوا يشكلون تهديدًا فتوقف عن مطاردتهم وركز على اليابانيين، وبعد عشرة سنوات تعافت قوة الشيوعيين من جديد لتسحق جيش شيانج. نسي شيانج القاعدة القديمة بأن يسحق عدوه لكن ماو لم ينسها، فلاحق جيش شيانج إلى أ، فروا جميعًا إلى تايوان ولم يعد لنظامه أي بقايا أو امتداد حتى الآن.
حكمة سحق العدو مذكورة أيضًا في الكتاب المقدس، ولعل أول من طبقها هو النبي موسى [عليه السلام] وهي قاعدة تلقاها من الرب نفسه حين أمره باقتحام البحر الأحمر لتخليص اليهود ثم ترك الماء ليغرق جيش فرعون الذي كان يطاردهم حتى «لم يتبق منهم رجل»، وحين عاد من جبل سيناء بألواح الوصايا ووجد الناس يعبدون العجل الذهبي، ذبح كل من ارتكب هذا الإثم، وأمر أتباعه عند موته وكانوا على وشك دخول الأرض الموعودة أنهم حين يهزمون قبائل كنعان «أن أبيدوهم جميعًا ... ولا تقطعوا معهم عهدًا ولا تأخذكم بهم رحمة».
النصر الشامل هو عماد الحرب الحديثة وقد وصفه كارل فون كلوشفيتز الفيلسوف الأكبر للحرب عند تحليله لحروب نابليون، وكتب «نقول أن الاعتبار الأهم يجب أن يكون للإبادة السريعة والمباشرة لقوات العدو ... وبمجرد أن يتحقق نصر كبير لا يجب الحديث عن هدنة أو التقاط الأنفاس... بل فقط متابعة اللحاق بالعدو والاستيلاء على عاصمته ومهاجمة احتياطاته وكل شيء قد يمنح لبلاده الفرصة في الحصول على المساعدات والمواساة». والسبب في ذلك أنه بعد انتهاء الحرب تبدأ المفاوضات وتقسيم الأراضي، وإن كان انتصارك جزئيًا فستخسرك المفاوضات حتمًا ما كسبته بالحرب.
الحل بسيط: لا تترك لأعدائك أي خيارات، أبدهم وتصبح أرضهم في يدك لتفعل بها ما تشاء، فهدف السطوة هو التحكم التام بأعدائك وإخضاعهم لإرادتك، ولن تستطيع تحمل تكاليف التوقف في منتصف الطريق، وإن لم تترك لهم خيارات لن يكون أمامهم إلا الاستجابة لأوامرك. وتتجاوز تطبيقات هذه القاعدة ميدان الحرب، فالمفاوضات ثعبان ماكر يلتهم انتصارك، فلا تترك لأعدائك ما يفاوضون عليه. أبقهم دون أمل أو فرص للمناورة، وعليهم أن يعلموا أنهم هزموا وأن هذا هو كل ما لديهم.
ولتعرف أن في سعيك للسطوة ستحرك ضدك عداوات وتكتسب خصومًا، وستجد أشخاصًا لن تستطيع أن تكسبهم إلى صفك وسيظلون أعداء مهما فعلت. لكن أيا كان ما تسببه لهم من آلام وجروح عامدًا أو غير عامد لا تعتبر الأمر شخصيًا أبدًا، لكن انتبه أنه لا مجال للسلام معهم خاصة إن كنت لا تزال تحتفظ بالسطوة. وتأكد من أنك إن تركت لهم حرية التحرك فإنهم حتمًا سيعودون، تيقن من ذلك يقينك بطلوع الفجر بعد عتمة الليل، فمن الحماقة أن تنتظرهم إلى أن يكشفوا لك أوراقهم لأن وقتها يكون الأوان قد فات.
كن واقعيًا: بوجود هؤلاء الأعداء حولك لن تشعر أبدًا بالأمان، وتذكر دروس التاريخ وحكم النبي موسى والقائد ماو، ولا تتوقف أبدًا في منتصف الطريق.


المسألة بالطبع ليست في القتل بل في الإبعاد والإضعاف، فحين تنهك قوى عدوك وتطرده من بلاط السطوة نهائيًا فلن يشكل ضررًا عليك، ولن يكون لديه أمل في التعافي وإقحام نفسه وإيذائك. وإن لم يمكنك نفي أعدائك فعليك على الأقل أن تنتبه لتآمرهم ضدك ولا يخدعك أي ادعاء للود والصداقة يظهرونه لك، فسلاحك الوحيد في هذه المواقف هو الحذر. إن لم تستطع نفيهم فورًا فانتظر الوقت المناسب لنفيهم بعيدًا عنك حتى لا يهددون سطوتك.
الصورة
الثعبان الذي تطأه بقدمك ولا يموت يعود إليك ويلدغك بسم مضاعف. والعدو الذي تفلته يشبه الثعبان الجريح الذي تتركه حيًا؛ مع الوقت يتعافى ويشتد سمه.
اقتباس من معلم: ولتعلم أنه يجب في التعامل مع الرجال إما أن تتودد إليهم أو أن تمحقهم من الوجود؛ لأن الناس ينتقمون لما يجرحهم ولا يستطيعون الانتقام لما يقضي عليهم تمامًا. لذلك إن أردت أن تصيب أحدًا فتأكد من أن الأضرار التي تسببها له لن تسمح له بالعودة للثأر. (نيقولو مكيافيللي 1469 – 1527).
عكس القاعدة:
لا يجب عكس هذه القاعدة إلا في أندر الأحوال، لكن يكون الأفضل لك أحيانًا إن استطعت أن تترك أعداءك يدمرون أنفسه بأنفسه من أن تدمرهم أنت بيديك. ففي الحرب مثلا يعلم كل قائد أنك حين تحاصر جيشًا فإنهم يحاربون بأشرس ما يمكنهم، وأن من الأفضل أن تترك لهم طريقًا للانسحاب ينهكون فيه أنفسهم، وفي النهاية سيضعف الانسحاب معنوياتهم أكثر من أي هزيمة كانت ستلحق بهم في ميدان الحرب. حين تحاصر شخصًا ولا تبق له أملاً للتعافي اتركه يشنق نفسه بنفسه واتركه يصبح المذنب في تدمير نفسه، ستحصل على النتيجة نفسها ولكن لن تشعر بنفس القدر من الذنب.


ختامًا فإن سحق الأعداء يشعرهم بمرارة تستمر سنوات يدبرون فيها للثأر. كان لمعاهدة فرساي هذا التأثير على الألمان، ويرى البعض أن الأفضل لك على المدى الطويل أن تترفق بأعدائك. المشكلة أن الرفق يحوي خطرًا آخر– فقد يقوي قلب عدوك عليك ويمنحه الفرصة للتحرك، والحكمة تقتضي دائمًا تقريبًا أن تسحق عدوك وإن خطط للانتقام بعدها بسنوات فلا تتخلى عن حذرك منه واسحقه من جديد.


** معرفتي **
www.ibtesama.com/vb
منتديات مجلة الابتسامة


القاعدة

16
اتقن فن الغياب
لتزيد تقديرك ومكانتك
الحكمة:
السلعة التي تروج بين الناس يقل سعرها، وكلما زاد حضورك وكلامك تبتذل مكانتك وتقل هيبتك. بمجرد أن يتكون لدى جماعة رأي حسن عنك يكون عليك الانسحاب حتى يزيد حديثهم عنك وإعجابهم بك. عليك أن تتعلم متى تغيب حتى ترتفع قيمتك بندرة حضورك.


مراعاة وانتهاك القاعدة:
كان السير جيلوم دي بالون تروبادورا [أي فارسا شاعرًا] جاب في العصور الوسطى جنوب فرنسا من حصن لحصن ينشد الشعر ويؤدي دور الفارس الأمثل، وفي حصن جافياك التقى بربة منزل جميلة وأحبها هي مدام جوليلما دي جوفياك، وأنشد وغني لها من شعره ولعبا معًا الشطرنج ويومًا بعد يوم وقعت هي أيضًا في حبه. كان مع جيلوم في ضيافة الحصن صديق هو السير بيير دي بارجاك وقع هو أيضًا في حب امرأة من جوفياك هي فيرنيتا الفاتنة وكانت فاتنة بالفعل ولكن مع حدة في الطباع.
في أحد الأيام تشاجر بيير وفيرنيتا شجارًا عنيفًا وطردته السيدة فطلب مساعدة جيلوم لتصفية الأجواء بينه وبينها والحصول على رضاها. كان على جيلوم أن يغادر الحصن لأسابيع لإنجاز أمور وبعدها تدخل بسحره وبلاغته وأعاد الود بين بيير وحبيبته، وشعر بيير أن حبه قد تضاعف لها عشرة مرات، فلا حب أقوى من الذي يأتي بعد الخصام، وقال لجيلوم أنه كلما كان النزاع بينهما يشتد تزداد حلاوة ما يأتي بعده من وصال وعتاب.
كان السير جيلوم يتفاخر كتروبادور أنه عرف كل مباهج الحب وآلامه، وحين سمع ما قاله صديقه رغب هو أيضًا أن يعرف لذة الوصل بعد الخصام، فادعى أنه غاضب غضبًا شديدًا من السيدة جوليلما وتوقف عن إرسال الخطابات لها وترك الحصن وبقي بعيدًا حتى في الأعيان وحفلات الصيد، فهيج ذلك مشاعر جوليلما كثيرًا.
بعثت جوليلما بالرسل يسألون جيلوم عن ما يغضبه ولكنه ردهم حتى يغضبها أكثر ويجبره لاحقًا على توسل الوصل منها كما فعل بيير، إلا أن غيابه كان له أثر عكسي: جعل جوليلما تحبه أكثر وأخذت تلاحقه وظلت ترسل إليه الخطابات، ولم يكن من المعروف من قبل أن تلاحق سيدة تروبادورا، وضاق جيلوم بذلك ورأى أن أفعالها تبتذلها، ولم يعد بعدها واثقًا لا من نجاح خطته ولا حتى من حبه لجوليلما.
أخيرًا وبعد أشهر من هجر جيلوم لها يئست جوليلما ولم تعد تراسله وبدأ يتساءل–لعلها غاضبة، لعل الخطة نجحت أخيرًا. كان يتمنى أن تكون قد نجحت فلم يعد يستطيع أن يتحمل-كان يريد الوصال ولذلك ارتدى أفضل ثيابه وزيّن حصانه بأجمل سرج ووضع فوق رأسه خوذة رائعة وانطلق إلى جافياك.
حين عرفت أن حبيبها قد عاد أسرعت إليه وركعت أمامه ورفعت حجابها لتقبله وطلبت العفو منه عن أي هفوة ربما بدرت منها وأغضبته. يمكننا أن نتخيل حيرته وتشوشه–فقد فشلت خطته ذريعًا، فهي لم تغضب ولو قليلا بل كشفت عن عمق حبها له ولم يكن له أن يشعر معها بلذة الصفو بعد الجفاء. حين رأى ذلك ومع تلهفه على تذوق تلك اللذة قرر أن يحاول من جديد: فنهرها بكلمات جارحة وإيماءات تهديد، وبينما كانت تبتعد أقسمت أنها لن تعود إليه أبدًا بعد ذلك.
في اليوم التالي ندم التروبادور على ما فعل وركب حصانه عائدًا إلى جافياك لكن السيدة رفضت أن تستقبله وأمرت خدمها أن يطاردوه إلى أن يعبر الجسر ويبتعد عن تل الحصن. هرب جيلوم ولكن حين عاد إلى حجرته انهار وبدأ في البكاء: عرف أنه ارتكب خطأ جسيمًا، وظل طوال العام التالي يشعر بألم الهجر الذي أخذ يؤجج نيران محبته وكتب لها قصيدة من أجمل قصائده جاء فيها «أغنياتي تصعد إليك صلاة تطلب الرحمة والمغفرة». كتب إليها الكثير من الخطابات تفسر لها ما فعل وطالبًا منها أن تعفو عنه وترحمه.
بعد الكثير من التوسل تذكرت جوليلما أغانيه الجميلة ووسامته ومهاراته في الرقص والصيد فشعرت بالحنين إليه يحتاجها من جديد، وعقابًا له على قسوته أمرته أن ينتزع ظفر بنصر يده اليمنى وأن يرسله إليها مع قصيدة تصف عذاباته.
لبي جيلوم طلبها واستطاع أخيرًا أن يتذوق الإحساس الأسمى-وصال أحلى بكثير حتى من ذلك الذي تذوقه صديقه بيير.
التعليق:
في محاولته لاكتشاف لذة الوصل بعد الخصام اكتشف جيلوم عن غير قصد القاعدة


التي تحكم الحضور والغياب، ففي بداية أي علاقة تحتاج لأن تؤكد الإحساس بحضورك لدى الطرف الآخر وإن أبعدت نفسك عن الأنظار في هذه المرحلة المبكرة يكون من السهل نسيانك، لكن بمجرد أن تتحرك مشاعر من تود وتتبلور مشاعرها بالحب نحوك فإن الغياب يفيد في تأجيج مشاعرها نحوك ومشاعرك نحوها، وعدم إبداء أسباب للغياب يكون أقوى تأثيرًا: فحين تغيب يتساءل المحب إن كان قد أخطأ وفي البعد تتدفق خيالاته وتفيض، ولا تؤدي إثارة الخيال إلا إلى إشعال جذوة المشاعر. على العكس من ذلك كلما كانت جوليلما تلاحق جيلوم كان حبه لها يخفت – فكان حضورها المفرط ثقيلا وأظهرها سهلة ومبتذلة، ولم يترك لخياله الفرصة للتحليق والنمو فاختنقت مشاعره، وحين توقفت عن مراسلته بدأ حبه في التنفس من جديد وعاد إلى خطته.
الممنوع والنادر يجذب احترامنا وتقديرنا له، وما يثقل علينا بحضوره المقيم يثقل علينا ويجعلنا نزهده ونحتقره. في العصور الوسطى كانت النساء يضعن فرسانهن في اختبارات للحب وكن يكلفنهم بمطالب شاقة ومطولة – ليصنعن لعلاقاتهن نسقا من الحضور والغياب، والحقيقة أنه لو لم يبتعد جيلوم لأجبرته هي على الابتعاد لتخلق غيابها الخاص.
الغياب يطفئ المشاعر البسيطة ويؤجج المشاعر الكبرى، تمامًا كما تطفئ الريح الشمعة وتذكي النار لا روشفوكو 1613. 1680
مراعاة القاعدة:
استطاع الأشوريون لعدة قرون أن يحكموا أجزاء كبيرة من آسيا بقبضة من حديد، لكن في القرن الثامن ق. م. ثارت ضدهم الجموع في ميديا (في شمال غرب إيران الحالية)، واستطاع أخيرًا شعب ميديا الحصول على الاستقلال، ولكن خوفًا من الخضوع مرة أخرى لحكم طاغية قرروا أن لا يعطوا كل السطوة لرجل واحد، وأسسوا إمارة دون قائد–ودخلت البلاد في الفوضى وتفتت إلى ممالك صغيرة، وأصبحت كل قرية تحارب ضد أخرى.
في إحدى هذه القرى كان يعيش رجل اسمه ديوسيس اشتهر بين الناس بالعدل والقدرة على تسوية النزاعات.
في هذا الوقت كان الفساد منتشرًا ولم يكن أحد يثق برفع قضيته إلى المحاكم، وكان الناس يأخذون حقوقهم بالقوة، وحين ذاعت الأخبار عن حكمة ديوسيس واستقامته وعدم تحيزه لأحد أصبحت كافة قرى مدين تحتكم إليه في كافة أنواع القضايا، وأصبح الوسيط الوحيد للعدل في أنحاء البلاد وعلت سطوته.
في ذروة سطوته شعر ديوسيس فجأة أنه قد فاض به، ولم يعد يرغب بالجلوس في كرسي القضاء ليجري أي محاكمات بين قرية وأخرى أو أن يحل أي نزاعات بين الأخ وأخيه. تقاعد لأنه رأى أنه يقضي كل وقته في حل مشكلات الأخرين ولا يجد ما يكفي لمتابعة شئونه الخاصة. ومع غيابه المفاجئ دخلت البلاد مرة أخرى في الفوضى وارتفعت الجريمة ووصل احتقار الناس للقانون إلى درجة غير مسبوقة، واجتمع الميديون من كافة القرى ليقرروا ما قد يفعلون لمواجهة هذه المحنة. قال أحد زعماء القبائل «لن يحتمل أحد أن يعيش في هذه البلاد في ظروفها الحالية، فدعونا نرشح أحد كبرائنا ليحكم حتى نعيش في ظل حكومة منظمة بدلا من أن نخسر مواطنينا جميعًا وسط هذه الفوضى».
وهكذا وعلى الرغم مما عاناه شعب ميديا من الطغيان تحت حكم الأشوريين، قرروا إنشاء إمارة واختيار ملك، وكان الرجل الذي اختاروه بالطبع هو العادل ديوسيس. كان من الصعب إقناعه لأنه كان قد ضاق بحل النزاعات بين القرى لكن الميديين توسلوا إلهي، فبدونه انزلقت البلاد إلى حالة انعدام القانون.
في النهاية وافق ديوسيس ولكن بعد أ وضع لهم شروطًا. كان عليهم أن يبنوا له قصرًا كبيرًا يحيطونه بالحراس وأن تقام له عاصمة يحكم من خلالها، ومنحوه ما طلب. استقر ديوسيس في قصره وسط عاصمته تحيط به أسوار تمنع العوام من الوصول إليه، وأسس قواعد لحكمه تمنع الدخول إليه وكان التواصل معه يتم فقط من خلال حاجب ولم يكن رجال حاشيته يستطيعون مقابلته إلا مرة كل أسبوع وبعد أن يسمح لهم بذلك.


حكم ديوسيس خمسة وثلاثين عامًا توسعت فيها الإمبراطورية الميدية ووضع أساسًا لما أصبحت فيما بعد الإمبراطورية الفارسية التي بناها أحد أحفاد أحفاده هو سيروس. أثناء حكم ديوسيس تحول احترام الشعب له إلى نوع من العبادة: فلم ينظروا إليه كإنسان فإن بل سليلا للآلهة.
التعليق:
كان ديوسيس رجلا ذا طموح كبير، عرف مبكرًا أن البلاد في حاجة إلى حاكم قوي وأنه هو الرجل الأنسب لهذه المهمة، ورأى أن في بلد تسوده الفوضى تكون السطوة الأكبر للقاضي أو لمن يحكم بينهم بالعدل، ولذلك بدأ مهمته بترسيخ سمعته كرجل عدل لا يخطئ.
في أوج سطوته كقاض أدرك ديوسيس حقيقة قاعدة الحضور والغياب: فقد جعلته سهولة الحصول على خدماته رائجًا بين الناس ففقد التوقير الذي كان يتمتع به من قبل، وأخذ الناس يرون خدماته هبات مجانية، وكانت الطريقة الوحيدة كي يستعيد مهابته وسطوته هي أن ينسحب كليا ويجعل الميديين يتذوقون الحياة بدونه، وكما توقع عادوا إليها يتوسلون أن يصبح حاكما لهم.
بمجرد أن أدرك تأثير قاعدة الحضور والغياب قام بتفعيلها إلى أقصى حد، ففي القصر الذي أنشأه له الشعب لم يكن يستطيع أن يراه سوى عدد قليل من رجال البلاط، وحتى هؤلاء كانوا يرونه نادرًا. وكما كتب المؤرخ القديم هيرودوت «الخطر من كثرة رؤيته هي أنه كان سيولد فيهم الاستياء والغيرة منه، وبعد ذلك تأتي الفتن والمؤامرات، لكن حين لم يره أحد نمت حوله أسطورة أنه من طبيعة أخرى غير البشر».
سأل الرجل الدرويش «لماذا لا تأتي لزيارتي كثيرًا؟» فأجابه الدرويش «لأن سؤالك لماذا لا آتيك كثيرًا، أحب إليّ من قولك، ما الذي أتى بك إليّ مرة أخرى؟»
الملا جامع، مقتبس في كتاب إدريس شاه قافلة الأحلام 1968.
مفاتيح للسطوة:
كل شيء في العالم يعتمد على الحضور والغياب، فالحضور القوي يجلب إليك الانتباه والسطوة-فتبرز أكثر من المحيطين بك، لكن تأتي حتما لحظة يؤدي فيها حضورك إلى أثر عكسي، ويؤدي المزيد من ظهورك وكلامك إلى تقليل مكانتك، وتصبح شيئًا معتادًا، ومهما بذلت من جهد للتميز والبروز ستجد احترام الناس لك يخفت بالتدريج. عليك أن تتعلم أن تنسحب في اللحظة المناسبة قبل أن يرفضك الناس في دخيلة أنفسهم وتلك أشبه بلعبة الظهور والاختفاء.
يمكن فهم هذه القاعدة بوضوح من أمور الحب والإغواء، ففي المراحل الأولى في تكوين علاقة يؤدي عدم المعرفة الكاملة بالحبيب إلى تنبيه الخيال وتجعل له سحرًا خاصًا يفرقه عن كل الرجال، لكن هذا السحر يزول بالاقتراب الذي يقتل الخيال ويفرض الواقع، وحينها يصبح رجلا ككل الرجال وشخص وجوده عادة، ولهذا كانت نينو دي لنكلوا أشهر محظيات البلاط الفرنسي في القرن السابع عشر تنصح المحبين بالابتعاد عن أحبائهم لفترة، وقد كتبت ذات مرة أن «الحب لا يموت من الجوع ولكن من التخمة».
إن تركت نفسك إلى أن يتعامل معك الآخرون كأي شخص عادي يكون الوقت قد تأخر، حيث تكون قد ابتلعت وهُضمت، لكن يمكنك أن تمنع حدوث ذلك بأن تجعل الطرف الآخر يتعطش إلى حضورك، وأن تجبره على احترامك بالتهديد بإمكانية أن يخسرك للأبد. وعليك أن تتقن إذن فن الحضور والغياب.
حين يموت شخص يتغير كل شيء في نظرة الآخرين له، ويحاط بهالة من الاحترام، ويتذكر الناس نقدهم له وشجارهم معه ويملأهم ذلك بالندم والشعور بالذنب، ويحنون إلى حضوره الذي لن يعود، ولكن ليس عليك أن تنتظر حتى تموت: فانسحابك لفترة يخلق نوعًا من الموت قبل موتك، وحين تعود يشعرون وكأنك عدت إليهم من عالم الموتى-وسوف يحيط بك جو من الإحساس بالبعث ويرتاحون لرؤيتك، وتلك هي الطريقة التي استطاع بها ديوسيس أن يجعل من نفسه ملكًا.


وصف نابليون قاعدة الحضور والغياب بقوله «حين يكثر حضوري على مسرح الأحداث يقل تأثر الناس بي». في عصرنا هذا المتخم بالحضور وبطوفان من الصور التي تفيض حولنا تؤثر لعبة الانسحاب والغياب تأثيرًا أكبر من أي وقت مضى. أصبح من النادر في أيامنا هذه أن يعرف الناس التوقيت المناسب للغياب ولهذا نشعر بالانبهار بأي شخص يستطيع أن يختفي باختياره، وقد استطاع الروائيان ج. د. سالنجر وتوماس بنشون إنشاء ما يشبه طائفة لها متعصبون بمعرفتهما متى يختفون عن الساحة.
أحد الجوانب اليومية المعاشة لهذه القاعدة والتي تبرز مصداقيتها هي قاعدة الندرة في عالم الاقتصاد والأسواق، فحين تسحب سلعة من السوق تزداد قيمتها. في القرن السابع عشر أرادت الطبقة العليا في هولندا أن تجعل زهرة التيوليب [الخزاميٍ] أكثر من مجرد زهرة جميلة وأن تكون رمزًا للمكانة الاجتماعية، فجعلوا من الصعب أو حتى المستحيل الحصول عليها وأطلقوا عليها وأطلقوا ما عرف لاحقًا باسم الهوس بالخزامى، فأصبح ثمن الزهرة أكبر من وزنها ذهبًا. وفي عصرنا الحالي استطاع تاجر الفنون جوزيف دوفين أن يجعل اللوحات التي يبيعها نادرة على قدر ما يستطيع، ولكي يحافظ على أسعارها مرتفعة كان يشتري مجموعات كاملة من المقتنيات ويخزنها في قبو، فأصبحت اللوحات التي يبيعها أكثر من مجرد لوحات بل رموزًا، وزادت قيمتها من ندرتها. قال دوفين ذات مرة «من السهل أن يحصل الكثيرون من الناس على اللوحات حين يكون سعر الواحدة خمسين ألف دولارًا لكن حين يكون سعرها ربع مليونًا فسوف يتطلب الحصول عليها العناء».
استفد من قاعدة الندرة في مهاراتك، واجعل ما تقدمه للعالم نادرًا صعب المنال، وسوف يرفع ذلك من قيمة ما تقدمه ومن قيمتك.
تأتي دائمًا لحظة يبغض فيها الناس من في السلطة ويملّونها ويحتقرونهم ومهما أحسنوا القول يغضب الناس منهم لأنهم دون عي يقارنون بين وضعهم الحالي وما كانوا عليه من قبل. هناك فن في توقيت الاعتزال إن أتقنته تستعيد الاحترام الذي فقدته وتبقى على قدر من سطوتك.
كان أعظم حكام القرن السادس عشر هو شارل الخامس ملك إسبانيا وإمبراطور الهبسبرج، فكان يحكم في إحدى الفترات إمبراطورية تشمل معظم أوروبا والعالم الجديد، ولكن في عام 1557 تنازل عن الحكم واعتزل إلى دير يوست، وقد اندهشت أوروبا كلها من انسحابه المفاجئ، ورآه عظيمًا حتى من كانوا يكرهونه ويرهبونه بشدة، واعتبره البعض قديسا. وفي وقت أقرب اعتزلت الممثلة الأمريكية جريتا جاربو سنة 1941 في ذروة حب الناس لها وإعجابهم بها، ورأى البعض أن انعزالها قد جاء مبكرًا حيث كانت في منتصف الثلاثينات من عمرها – لكنها بحكمة أرادت أن تترك الساحة بإرادتها بدلًا من أن تنتظر حتى يملها الجمهور.
إن تركت نفسك حتى يصبح حضورك مبتذلًا تزول عنك الهالة التي صنعتها لنفسك، وإن قلبت الوضع وأصبح حضورك نادرًا تزداد قيمتك وتقدير الناس لك.
الصورة
الشمس
نقدر قيمتها فقط حين تغيب، وكلما طالت أيام المطر يزداد اشتياقنا للشمس، لكن في أيام الصيف تصبح الشمس دائمة الحضور ومزعجة. علم نفسك أن تتوارى وتجعل الناس يشتاقون لعودتك.
اقتباس من معلم: استخدم الغياب لتجني الاحترام والتقدير؛ فالحضور يطفئ الشهرة والغياب يذكيها. والرجل الذي يعتبره الناس أسدا في غيابه يرونه تافهًا ومبتذلًا إن تكرر حضوره. وتفقد المواهب قيمتها حين يعتادها الناس لأنها سيرون شخصية المبدع الجافة والعادية وليس إبداعاته الشهية. وحتى العبقريات الخارقة تستفيد من الابتعاد ومن حنين الناس إليها لأن ذلك يضيف روعة أخرى إلى روعتها (جراتسيان بالتسار 1601 – 1658).


عكس القاعدة:
لا تنطبق هذه القاعدة إلا بعد اكتساب قدر معين من السطوة، فضرورة الانسحاب لا تأتي إلا بعد أن يترسخ حضورك. وغيابك مبكرًا لن يزيد من احترام الناس لك بل يجعلهم ببساطة ينسونك. حين تدخل إلى مسرح الأحداث لأول مرة عليك أن تخلق لنفسك صورة تميزك بحيث يتناقلها الناس عنك وتتردد في كل مكان. وقبل أن تتأكد مكانتك يكون غيابك خطرًا–لأنه لن يؤجج شهرتك بل سيطفئها.
في الحب والإغواء أيضًا لن يفيدك الغياب إلا بعد أن تكون قد أحطت من تحب بمرآك في كل مكان حتى يذكرها كل شيء بك حين تغيب، وحتى لا تستطيع أن تفكر في أي شيء آخر ولا ترى غيرك في خيالها حين تنفرد بنفسها. تذكر أن عليك في البداية أن تجعل حضورك طاغيًا لأن وحدها الأشياء التي تؤثر فينا ونراها ونحبها هي التي نفتقدها حين تغيب.



القاعدة
17
ارهب الآخرين
بالمفاجأة وكسر التوقع

الحكمة:
الناس تحكمهم العادة ويحبون أن يألفوا أفعال من حولهم لأن ذلك يعطيهم الإحساس بالسيطرة والتحكم. بلبلهم وشوش عنهم نواياك بتصرفات مباغتة وغير مفهومة، لأن ذلك سوف يجهدهم في تفسير تحركاتك ويبث فيهم الخوف والرهبة.


مراعاة القاعدة:
في مايو 1972 ظل بطل الشطرنج بوريس سباسكي ينتظر في قلق غريمه بوبي فيشر في ريكيافيك بأيسلندا، وكان مقررًا أن يتنافس الرجلان في نهائي بطولة العالم للشطرنج، لكن فيشر لم يحضر في الوقت المقرر، وتم تأجيل المباراة. كان فيشر يعترض على القيمة المالية للجائزة وطريقة توزيع المال وظروف إقامة المباريات في أيسلندا، وكان يلمح بأنه قد ينسحب في أي وقت.
حاول سباسكي أن يتحلى بالصبر، وشعر قادته في روسيا أن فيشر يهينه وطلبوا منه الانسحاب، لكن سباسكي كان يرغب في إقامة المباراة، وكان يعلم أنه يستطيع تدمير فيشر ولن يبعده شيء عن تحقيق أكبر انتصار في حياته. قال سباسكي لأحد رفاقه «قد تضيع كل جهودنا هباء، لكن ما باليد حيلة، إن جاء فيشر نلعب وإن لم يأت لا نلعب، فالرجل الذي يرغب في الانتحار تكون المبادرة دائمًا في يده».
وصل فيشر أخيرًا إلى ريكيافيك، لكنه استمر في الشكوى ولم تعجبه القاعة التي تجري فيها المباراة وانتقد الإضاءة وأصوات الكاميرات وحتى المقاعد التي كان سيجلس عليها وهو وسباسكي، وحينئذ أخذ السوفييت المبادرة وهددوا بسحب رجلهم.
نجحت الخدعة: فبعد أسابيع من الانتظار والمفاوضات الطويلة والمستفزة وافق فيشر على اللعب فاستراح الجميع وأولهم سباسكي، ولكن في وقت الافتتاح الرسمي وصل متأخرًا جدًا وفي يوم بداية أول مباراة في «بطولة القرن» أتى متأخرًا مرة أخرى، لكن هذه المرة كان لو تأخر عن وقت معين يخسر تلك المباراة الأولى، وتساءل الناس ماذا يفعل، فهل يتلاعب بمشاعرهم؟ هل هو خائف من سباسكي؟ بدا للجميع أن هذا الشاب القادم من بروكلين لديه حالة رهيبة من الاضطراب العصبي، لكن في الساعة 09: 5 ظهر فيشر قبل إلغاء المباراة بدقيقة واحدة.
تعتبر المباراة الأولى في بطولة الشطرنج مصيرية لأنها تحدد إيقاع الشهور التالية، وغالبًا ما تتميز بصراع بطيء وهادئ يحضر فيها كل طرف نفسه للحرب ويحاول أن


يستقرئ استراتيجيات الخصم. لكن كانت هذه المباراة من نوع مختلف فقام فيشر بنقله سيئة للغاية في مرحلة مبكرة، لعلها الأسوأ في تاريخه وحين حاصره سباسكي مهددًا بموت الشاة قاتل بشراسة وجهد، لكن بدا للمشاهدين أنه استسلم لكن فجأة قام بنقله جريئة جعلت الحضور يهمهم في القاعة. صدمت هذه النقلة سباسكي لكنه استعاد تركيزه واستطاع الفوز بالمباراة. لم يكن أحد يعرف ما الذي يفعله فيشر: هل خسر عامدً؟ هل هو مضطرب أو مجنون كما يرى البعض؟
بعد خسارته للمباراة الأولى أخذت شكوى فيشر تتعالى من القاعة والكاميرات ومن كل شيء، وتأخر من جديد في المباراة الثانية وهذه المرة كان المنظمون قد فاض بهم، وتم إعلان خسارة فير، وهكذا أصبح مهزومًا بمبارتين مقابل لا شيء، وهو وضع لم ينتصر أحد بعده أبدًا في أي بطولة شطرنج. بدا واضحًا أن فيشر مضطرب، لكن في المباراة الثالثة كما يذكر كل من حضروها كانت نظراته حادة وهي نظرات أزعجت سباسكي، وعلى الرغم من الوضع الحرج الذي وضع نفسه فيه كان يبدو واثقًا، لكنه قام بخطأ فادح كما في المباراة الأولى لكن هذه المرة كانت حالة الثقة التي كان عليها فيشر قد جعلت سباسكي يتشمم رائحة فخ، لكنه لم يستطع رغم الشكوك أن يتبين طبيعة هذا الفخ وقبل أن يعرف كان فيشر قد فاجأه بموت الشاة والفوز بالمباراة. الحقيقة أن تكتيكات فيشر غير التقليدية قد أفقدت غريمه توازنه، وفي نهاية المباراة قفز فيشر وخرج بسرعة وقال لرفاقه وهو يعتصر قبضته «إني أسحقه دون رحمة».
في المباراة التالية قام فيشر بنقلات لم يقم بها أبدًا من قبل وغريبة عن أسلوبه، وكان سباسكي هذه المرة هو الذي يرتكب الأخطاء الفادحة والحمقاء، وبعد أن خسر المباراة السادسة أجهش في البكاء، وقال أحد أساتذة الشطرنج لاحقًا «بعدها أصبح سباسكي يخشى العودة إلى روسيا». بعد المباراة السادسة أعلن سباسكي أنه يعرف ماذا يحدث، ذلك أن فيشر ينومه تنويمًا مغناطيسيًا وقرر أن لا ينظر إلى عين فيشر، لكنه ظل يخسر.


في المباراة الرابعة عشرة جمع سباسكي فريق المنظمين وأعلن أن «هناك محاولات للسيطرة على عقلي» وتساءل إن كان شراب البرتقال الذي يعطي لهم أثناء المباراة يحوي مخدرًا، أو أن مواد كيماوية تطلق في الجو، وبعدها خاطب الجمهور متهمًا فريق فيشر بأنهم يضعون شيئًا في المقاعد يشوش على عقله. تنبهت المخابرات الروسية لأن سباسكي كان يحرج السوفييت بتصرفاته.
تم أخذ المقاعد وتصويرها بالأشعة وتم عمل تحليل كيماوي ولم يتبين وجود شيء مريب، كان كل ما وجدوه ذبابتين ميتتين في وصلة كهرباء. بدأ سباسكي يعاني من الهلاوس، وحاول إكمال المباراة لكن حالته العقلية كانت تتدهور ولم يستطع الاستمرار. وفي الثاني من سبتمبر انسحب، وعلى الرغم من صغر سنه إلا أنه لم يتعاف أبدًا من هذه الهزيمة.
التعليق:
في مباريات سابقة بين سباسكي وفيشر لم يحقق فيشر نتائج جيدة، فقد كانت لدى سباسكي قدرة خارقة على قراءة استراتيجية خصمه واستخدامها ضده، فقد كان مرنًا وصبورًا وقادرًا على بناء هجمات ليس لسبع نقلات قادمة فقط بل لسبعين، وكان يهزم فيشر في كل لقاء بينهما لأنه كان يرى أبعد بكثير من فيشر. ولأنه كان مختصًا بعلم النفس كان لا يفقد رباطة جأشه أبدًا، وقد قال عنه أحد الأساتذة «أنه لم يكن يبحث فقط عن أفضل النقلات ولكن عن النقلة التي توتر خصمه».
عرف فيشر في النهاية أن ذلك هو أحد المفاتيح الأساسية لنجاح سباسكي، فقد كان يلعب بتوقعه لك ويهزمك بطريقة لعبك نفسها، وما فعله فيشر في مباريات البطولة أنه جعل المبادرة في يده وشوش تفكير سباسكي، فقد كان للانتظار المستمر تأثير على عقل سباسكي إلا أن الأكثر تأثيرًا كان الخطاء الفادحة التي كان يرتكبها عمدًا وظهوره بأن ليس له استراتيجية واضحة. الحقيقة أنه كان يفعل كل ما يستطيع ليعقد نسق تصرفاته حتى لو أدى ذلك به إلى الهزيمة في المباراة الأولى وتغريمه بالخسارة في المباراة الثانية.
الشطرنج يحوي الجوهر المركز للحياة: أولًا أن عليك لكي تفوز أن تتحلى بقدر كبير من الصبر وبُعد النظر، وثانيًا لأن اللعبة تقوم على الأنساق أي على تتبع طرق اللعب السابقة للخصم لتوقع ما سوف يلعبه في المباريات التالية. وخصمك أيضًا يحلل الأنساق التي تتبعها في اللعب ويستخدمها لتوقع تحركاتك التالية، وحين تخالف توقعاته لا يكون لديه شيء يبني عليه هجماته ضدك وبذلك تجعل لنفسك الأفضلية. في الشطرنج كما في الحياة حين لا يستطيع الناس توقع أفعالك تصيبهم الرهبة-فينتظرون ما تفعله في حيرة وارتباك.
الحياة في البلاط خطيرة ومرهقة كلعبة شطرنج تتطلب منك تحريك القطع والتشكيلات وأن تضع خطة وتتبعها وتتفادى خطط خصومك وتحركاتهم، لكن يكون من الأفضل أحيانًا أن تخاطر وأن تلعب أكثر النقلات جموحًا ومخالفة للتوقع.
جان دي لا بروبير 1645-1696
مفاتيح للسطوة:
لا شيء يرهب الناس أكثر من الأمور المباغتة وغير المتوقعة، وهذا ما يجعلنا نفزع من الزلازل والأعاصير لأننا لا نعلم متى تعصف بنا، وإن ضربنا أحدها نظل نتوقع في فزع حدوث أخرى، ويؤثر فينا السلوك الإنساني غير المتوقع بنفس الطريقة لكن بدرجة أقل.
الحيوانات تتصرف بطرق ثابتة ولذلك يسهل علينا توقع تصرفاتها واصطيادها. الإنسان هو الكائن الوحيد القادر على أن يغير أنساق سلوكه ويحسنها بإرادته، وعلى أن يتغلب على ضغط العادات والروتين، إلا أن القليلين من الناس من يدركون قيمة هذه القدرة ويفضل الكثيرون راحة الروتين ويستسلمون لطبيعتهم الحيوانية التي تجبرهم على تكرار أفعالهم القهرية دون تغيير؛ لأن ذلك لا يتطلب منهم جهدًا ولأنهم يظنون خطأ أنهم إن لم يزعجوا أحد فسوف يتركهم الآخرون في حالهم.
عليك أن تعلم أن أهل السطوة يبثون الرهبة فيمن حولهم بتعمد استفزازهم وتوتيرهم حتى تبقى المبادرة في أيديهم. عليك أن تضرب أحيانًا دون إنذار أو


مقدمات لتجعل الآخرين يرتجفون، فقد كان ذلك من الأدوات التي استخدمها أصحاب السطوة لقرون.
كان فيليبو ماريا- الدوق الأخير لإيطاليا من الفيسكونيين- يعتمد أن يخالف توقعات الجميع منه، فقد كان يغدق فجأة على أحد رجال البلاط بالاهتمام والرعاية حتى يظن الرجل أنه سيترقى لمنصب أعلى وحينها يبدأ فيليبو في التعامل معه بأقصى درجات الاحتقار. وقد تؤدي حيرة الرجل إلى الابتعاد عن البلاط وحينها يستدعيه الدوق ويبدأ في الإحسان إليه مرة أخرى. بهذه الحيرة المضاعفة يظن الرجل أن رغبته في الترقي أصبحت ظاهرة ومستفزة للدوق فيبدأ في تهذيب سلوكه ويتصرف كما لو أنه لم يعد يتوقع أن ينال هذا الشرف فينهره الدوق ويوّبخه على عدم طموحه ويبعده عنه من جديد.
كان سر التعامل مع فيليبو بسيطا: لا تفترض أنك تعرف ما يريد أو تحاول تخمين ما يسره، ولا تقتحم إرادتك في قراراته، بل استسلم لإرادته ثم انتظر ما يحدث. سمحت تلك الحيرة التي يبثها في الآخرين لحكم فيليبو أن يزدهر ويتسم بالأمن والسلام ولم يجرؤ أحد أن يتحداه.
مخالفة التوقعات غالبا ما يكون تكتيكا أساسيا لدى السادة وأولي الأمر، إلا أنه يمكن للمقهورين أن يستخدموه أيضا بنجاح كبير، فإن وجدت نفسك محاصرا ويتكالب عليك آخرون أقوى منك، فعليك أن تقوم بتصرفات تخالف توقعاتهم، وسيجعلهم ذلك يرتبكون لدرجة تبعدهم عنك أو تجعلهم يرتكبون حماقات تكتيكية.
في ربيع عام 1862 واثناء الحرب الأهلية الأمريكية، كان الجنرال ستونوول جاكسون مع 4600 من جنود التحالف في حرب استنزاف مع قوات الاتحاد الأكبر منهم عددا في وادي شناندوه، وفي هذا الأثناء كانت قوة تعدادها 90000 جندي اتحادي تتحرك من واشنطن تحت قيادة الجنرال جورج برنتون ماكلالين لمحاصرة ريشموند بولاية فرجينيا عاصمة قوات التحالف، حينها أخذ جاكسون لأسابيع من بدء الحملة يقوده جنوده مبتعدا عن الوادي ثم العودة إليه مرة بعد مرة.
لم يكن لتحركاته أي معنى، وبدأ الاتحاديون يتساءلون: هل يستعد لمساندة الدفاع عن المدينة؟ هل ينوي الزحف إلى واشنطن بعد أن تركها ماكلالين دون حماية؟ هل كان يتجه شمالا لإحداث المزيد من الفوضى والدمار. لم يعرف أحد ما الذي يجعله يتحرك هكذا في دوائر.
جعلت تحركات جاكسون غير المبررة جنرالات الاتحاد يبطئون زحفهم نحو ريشموند حتى يتبينوا ما الذي كان مقدما عليه، وفي هذه الأثناء كانت قوات الجنوب تجمع التعزيزات الكافية للدفاع عن المدينة، وتحولت المعركة من فرصة كانت ستسمح للاتحاد بسحق قوات التحالف إلى مأزق. وكان جاكسون يستخدم هذا التكتيك كثيرا حين يواجه قوات تتفوق عليه عدديا، وكان يقول «أربك عدوك وفاجأه وضلله على قدر ما تستطيع... فهذه التكتيكات تفوز في كل مرة، وباستخدام هذه الطريقة يمكن الجيش الصغير أن يدمر جيشًا كبيرًا»
لا تنطبق هذه الطريقة على الحرب فقط بل حتى على شئون الحياة اليومية، فالناس يحاولون دائما أن يقرءوا الدوافع وراء أفعالك وأن يتوقعوا تصرفاتك وأن يستخدموا هذه التوقعات ضد مصالحك، وعليك أن تقوم بتصرفات لا يمكن توقعها وسوف يضعهم ذلك في موقف صعب، لأن عدم فهمهم لك يفقدهم الثقة في تصرفاتهم نحوك وفي هذه الحالة يصبح من السهل ترهيبهم.
قال بابلو بيكاسو ذات مرة «أفضل الحسابات هي أن لا تحسب، فبعد أن تحقق مستوى معينا من الشهرة والتقدير يتوقع الناس أن كل ما تفعله مخطط وينم عن الذكاء، وحينها يصبح من الغباء أن تخطط لخطواتك مقدما بدقة مفرطة والأفضل لك أن تتصرف بوحي اللحظة».
ظل بيكاسو يتعامل لفترة من تاجر الأعمال الفنية بول روزنبرج، وكان يسمح له في البداية بتحقيق هامش أرباح كبير في بيع لوحاته ثم فجأة ودون أسباب قال له بيكاسو أن لن يدعه يبيع أي من لوحاته مرة أخرى. ووصف بيكاسو ما حدث بعد ذاك «ظل روزنبرج مشغولا ليومين يبحث عن السبب، تساءل إن كنت أنوي
التعامل مع تاجر آخر. كنت أقضي وقتي أعمل بينما كان روزنبرج مؤرقا في تخيل الأسباب، ثم عاد إلى وأعصابه تحترق وقال لي «صديقي العزيز، إنك لم تكن لتقطع معاملاتنا إن كنت أدفع لك [وحدد مبلغا أعلى بكثير] ثمنا للوحاتك بدلا عن الثمن الذي اعتدت أن أدفعه لك. أليس كذلك؟».
مخالفة التوقعات لا يشكل فقط سلاح ترهيب: فتعقيد نسق تصرفاتك يجذب انتباه الآخرين إليك واهتمامهم بك، ويجعلهم يتحدثون عنك، وينسون إلى تصرفاتك دوافع وتفسيرات لا تمت بصلة للحقيقة، ولكن ذلك يبقيك دائما في أذهانهم. الخلاصة هي أنه كلما بدوت اعتباطيا في تصرفاتك يزاد ما تجنيه من احترام وتقدير، فالخانعون وحدهم هم من يتصرفون حسب توقعات الآخرين.
الصورة
الإعصار
ريح لا يمكن توقعها تحدث تغيرات مفاجأة في الضغط والاتجاه والسرعة. ولا توجد دفاعات توقفها. ولذلك تثير الأعاصير فينا الفزع والارتباك.
اقتباس من معلم: الحاكم الحاذق يكون غامضا في تصرفاته فيبدو وكأنه لا يستقر على رأي واحد ويصعب تفسير مقاصده بحيث لا يستطيع أحد أن يعترضه، ويجعله ذلك ينعم بالراحة في عليائه في حين يرتعد وزراؤه تحت قدميه. (هان فاي تسو، فيلسوف صيني، القرن الثالث ق.م.).
عكس القاعدة:
أحيانا يكون مراعاتك للتوقعات من صالحك: فاتخاذك لنسق يعتاده الآخرون ويرتاحون له يغريهم بالتغافل عنك، لأن كل ما قد يدبرونه لك يعتمد على أفكارهم المسبقة عنك، ويمكن أن يفيدك ذلك بعدة طرق: فهو أولا يمنحك ساتر دخان وواجهة مقبولة من الآخرين تسمح لك بخداعهم، ثانيا يسمح لك توقع الآخرين لتصرفاتك أن تقوم في حالات استثنائية بمخالفة طريقتك المعتادة لتوتر خصمك بشدة تجعله يسقط حتى قبل أن تمسه.


في عام 1947 كانت الترتيبات معدة لأن يتنافس محمد على كلاي وجورج فورمان في بطولة العالم للوزن الثقيل، وكان الجميع متيقنون مما سوف يحدث: كان جورج فورمان القوي سيسعى للفوز بالضربة القاضية بينما خطة كلاي هي أن تظل يتراقص حول الحلبة حتى يجهد خصمه، فقد كان ذلك نسق كلاي في القتال الذي لم يغيره طوال عشرة سنوات، لكن است